محمد رسول الله ﷺ
90 paragraphs · vol. 2, p. 50
Page 2 of 3
- vol. 2, p. 69
وكانَتْ وفاةُ أبي طالبٍ وخديجةَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، وقيل: بِسَنَةٍ، وقيل: كانَتْ وفاتُهما سنةَ عَشْرٍ مِن المَبْعَثِ في أَوَّلِها، واللهُ أعلمُ.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، حدَّثنا محمدُ (٢) بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى الصَّنعانِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وأخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسمِ بنِ معروفٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعِينٍ، قال: حدَّثنا هشام بنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عن
vol. 2, p. 70سعيدِ بن المُسَيَّبِ، عن أبيه - ولَفظُهما والمعنى سَواءٌ - قال: لمَّا حَضَرَتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، دخَل عليه رسولُ اللهِ ﷺ وعندَه أبو جهلِ بنُ هشامٍ وعبدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فقال: "يا عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَحَاجُّ لك بها عندَ اللهِ" ، فقال له أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي أُمَيَّةَ: يا أبا طالبٍ، أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ؟ فلَم يَزَالا به حتَّى كان آخِرَ شَيءٍ تَكَلَّمَ به: أنا على مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "لأَسْتَغفِرَنَّ لَكَ ما لم أُنْهَ عنك" ، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ إلى آخِرِ الآيةِ [التوبة: ١١٣] .
-
ونَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [القصص: ٥٦] .
قال ابنُ شِهَابٍ: قال عُرُوةُ بنُ الزُّبَيرِ: ما زَالوا - يعني قُرَيشًا - كافِّينَ عن رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى ماتَ أبو طالبٍ (٢) .
- vol. 2, p. 71
ولم تَمُتْ خديجةُ، فيما ذكَر ابنُ إسحاقَ وغيرُه، إلَّا بعدَ الإسراءِ، وبعد أنْ صَلَّتِ الفريضة مع رسولِ اللهِ ﷺ (١) .
قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: لمَّا تُوفِّيَ أبو طالبٍ وتُوفِّيَتْ بعدَه خديجةُ بأيَّامٍ يَسيرةٍ خرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى الطَّائفِ، ومعه زيدُ بنُ حارثةَ، وطلَب منهم المَنَعةَ، فأقامَ عندَهم شهرًا ولم يَجِدْ فيهم خيرًا، ثمَّ رجَع إلى مَكَّةَ في جِوَارِ المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ (٢) .
-
قيل: كان ذلك سنةَ إحدَى وخمسينَ مِن الفيلِ، وفيها قَدِمَ عليه جِنُّ نَصِيبِينَ (٣) بعد ثلاثةِ أَشْهُرٍ فأسلَموا.
-
وأُسرِي به إلى بيتِ المَقْدِسِ بعدَ سنةٍ ونصفٍ مِن حينِ رُجُوعِه إلى مَكَّةَ مِن الطَّائِفِ سنةَ اثْنَتَيْنِ وخمسينَ (٤) .
-
وقد ذكَرنا الاختِلَاف في تاريخِ الإسراءِ في كتابِ "التمهيد" عندَ ذكرِ فرضِ الصَّلاةِ (٥) ، والحمدُ للهِ.
vol. 2, p. 72قال ابنُ شِهَابٍ، عن ابنِ المُسَيَّبِ: عُرِجَ به ﷺ إلى بيتِ المَقْدِسِ وإلى السَّماءِ قَبلَ خُرُوجِه إلى المدينةِ بسنةٍ (١) .
وقال غيرُه: كان بينَ الإسراءِ إلى اليومِ الذي هاجَر فيه رسولُ اللهِ ﷺ سَنَةٌ وشَهْرَانِ، وذلك سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن الفيلِ.
قال أبو عمرَ رضي الله عنه : قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: مَكَثَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ مَبْعَثِهِ بمَكَّةَ إلى أنْ أذِنَ اللهُ تعالى له بالهجرةِ دَاعِيًا إلى اللهِ صابِرًا على أَذَى قُرَيْشٍ وتَكْذِيبِهم له إلَّا مَن دخَل في دينِ اللهِ منهم، واتَّبَعَه على ما جاء به مِمَّن هاجَر إلى أرضِ الحبشةِ فَارًّا بدِينِه، ومَن بَقِيَ معه بمَكَّةَ فِي مَنَعَةٍ مِن قومِه، حتَّى أَذِنَ اللهُ له بالهجرةِ إلى المدينةِ، وذلك بعدَ أنْ بايَعَه وُجُوهُ الأوسِ والخَزْرَجِ بالعقبةِ على أنْ يُؤْووه ويَنْصُرُوه حتَّى يُبَلِّغَ عن اللهِ رسالتَهُ، ويُقاتِلَ مَن عانَده وخالَفه، فهاجَر إلى المدينةِ، وكان رَفِيقَه إليها (٢) أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه لم يُرَافِقُ غيرَه مِن أصحابِه، وكان يَخدِمُهما في ذلك السَّفَرِ عامِرُ بنُ فُهَيرةَ.
-
وكان مُكْثُه بمَكَّةَ بعدَ أنْ بَعَثَه اللهُ عز وجل ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقيل: عَشْرَ سِنِينَ، وقيل: خمسَ عَشْرَةَ سنةً، والأَوَّلُ أكثرُ وأَشهَرُ عندَ أهلِ السِّيَرِ.
- vol. 2, p. 73
ثم أُذِنَ له في الهجرةِ إلى المدينةِ يومَ الاثنَينِ، فخرجَ [مع أبي] (١) بكرٍ إليها، وكانَتْ هِجرتُه إلى المدينةِ في ربيعٍ الأَوَّلِ، وهو ابنُ ثلاثٍ وخمسينَ سنةً، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الاثنَينِ قريبًا مِن نصفِ النَّهارِ فِي الضُّحَى الأعلى لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ. هذا قولُ ابنِ إسحاقَ (٢) .
وقال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: كانَتْ بَيعةُ العقبةِ (٣) في أوسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ في ذي الحِجَّةِ، وكان مَخْرَجُ النَّبيِّ ﷺ إلى المدينة بعدَ العقبةِ بشَهَرينِ ولَيَالٍ؛ وخرَج لإهلالِ (٤) ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ لثِنتَي (٥) عَشْرةَ ليلةً مَضَتْ منه (٦) .
قال أبو عمرَ رضي الله عنه : قد رُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أَنَّه قَدِمَ المدينةَ لهلالِ ربيعٍ الأولِ (٧) .
vol. 2, p. 74وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ المُغِيرةِ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدينةَ يومَ الاثنَينِ لثَمَانٍ خَلَونَ مِن شهرِ ربيعٍ الأَوَّلِ سنةَ إحدَى، وقال الكَلبِيُّ (١) : خرَج مِن الغارِ ليلةَ الاثنَينِ أَوَّلَ يومٍ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الجُمعةِ لاثنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ منه (٢) .
قال أبو عمرَ رضي الله عنه : وهو قولُ ابن إسحاقَ إِلَّا فِي تَسْمِيةِ اليوم؛ فإنَّ ابنَ إسحاقَ يقولُ: يومَ الاثنَينِ، والكلبيُّ يقولُ: يومَ الجُمعةِ، واتَّفَقَا: لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وغيرُهما يقولُ: لِثَمَانٍ خَلَتْ منه، فالاختِلافُ أيضًا في تاريخِ قُدومِه المدينةَ كما تَرَى.
قال ابنُ إسحاقَ (٣) : فنزَل على أبي قَيسٍ كلثومِ بنِ الهَدْمِ بن امرِيءِ القَيسِ أحدِ بني عمرِو بنِ عوفٍ، فأقامَ عندَه أربعةَ أيَّامٍ، وقيل: بل كان نُزُولُه في بني عمرِو بنِ عوفٍ على سعدِ (٤) خَيثمةَ، والأَوَّلُ أكثرُ.
-
فأقامَ رسولُ اللهِ ﷺ في بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ يومَ الاثنَينِ والثُّلاثَاءِ والأربعاءِ والخميسِ، وأَسَّسَ، مسجدَهم، وخرَج مِن بني عمرِو بنِ عوفٍ مُنتَقِلًا إلى المدينةِ، فَأَدْرَكَتْه الجُمُعةُ في بني سالمٍ فَصَلَّاها في
vol. 2, p. 75بطنِ الوادي، ثمَّ احْتَلَّ (١) المدينةَ، فنَزَلَ على أبي أيوبَ الأنصارِيِّ، فلَمْ يَزَلْ عندَه حَتَّى بَنَى مَسجِدَه في تلكَ السَّنَةِ، وبَنَى مَساكِنَه ثُمَّ انتَقَلَ، وذلك في السَّنَةِ الأُولى مِن هِجَرَتِه.
وقال غيرُ ابنِ إسحاقَ: نَزَلَ في بني عمرِو بن عوفٍ مِن يومِ الاثنَينِ إلى الجُمُعَةِ، ثمَّ خرَج مِن عندِهم غَداةَ يومِ الجُمُعةِ على رَاحِلَتِه معه النَّاسُ، حتَّى مَرَّ ببَنِي سالمٍ لوَقتِ الجُمُعةِ، فَجَمَّعَ بهم، وهي أَوَّلُ جُمُعةٍ جَمَّعَها رسول اللهِ ﷺ بالمدينةِ، ثمَّ رَكِبَ لا يُحَرِّكُ رَاحِلتَه، ويقولُ (٢) : "دَعُوها فإنَّها مَأْمُورَةٌ" ، فَمَشَتْ حَتَّى بَرَكَتْ في مَوضِعِ مَسجِدِه الذي أنزَله اللهُ به في بَنِي النَّجَّارِ، فنزَل عَشِيَّةَ الجُمُعةِ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن عامِ الفيلِ (٣) .
-
ومِن مَقْدَمِهِ المدينةَ أُرِّخَ التَّارِيخُ في زمنِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه ، ولَمْ يَغْزُ رسولُ اللهِ ﷺ بنفسِه تلكَ السَّنَةَ، وآخَى بينِ المهاجِرينَ والأنصارِ بعدَ ذلك بخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وبعَث حمزةَ عَمَّه في جُمادَى الأُولَى، فكان أَوَّلَ مَن غَزَا في سبيلِ اللهِ، وأَوَّلَ مَن عُقِدَتْ له رايةٌ في الإسلامِ، خرَج في ثلاثينَ راكبًا إلى سِيفِ البحرِ (٤) ، فلَقُوا أبا جَهلِ
vol. 2, p. 76ابنَ هشامٍ في ثلاثِمائةٍ مِن قُرَيْشٍ، فَحَجَزَ بينَهم رجلٌ مِن جُهَينَةَ، فافتَرَقوا مِن غيرِ قتالٍ، ثمَّ بَعَثَ عُبَيدةَ بنَ الحارثِ في خمسينَ راكِبًا يُعارِضُ عِيرًا لقُرَيشٍ، فلَقُوا جمعًا كثيرًا فتَرَامَوا بالنَّبِلِ، ولم يَكُنْ بينَهم مُسايَفةٌ.
-
وقيل: إِنَّ سَرِيَّةَ عُبَيدةَ كانَتْ قبلَ سَرِيَّةِ حمزةَ، وفيها رمَى سعدٌ،
وكان أَوَّلَ سهمٍ رُمِي به في سبيلِ اللهِ، وقيل: أَوَّلُ لِوَاءٍ عقَده رسولُ اللهِ ﷺ لعبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ، والأوَّلُ أَصَحُّ، واللهُ أعلمُ. والأكثرُ على أنَّ سَرِيَّةَ عبدِ اللهِ بن جَحْشٍ كَانَتْ في سنةِ اثْنَتَيْنِ فِي غُرَّةِ رجبٍ إلى نَخْلةَ (١) ، وفيها قُتِلَ ابنُ الحَضرَمِيِّ لَلَيلَةٍ بَقِيَتْ مِن جُمادَى الآخرةِ، ثمَّ غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الكُفْرِ مِن العربِ، وبعَث إليهم السَّرَايا، وكانَتْ غَزَواتُه بنفسِه سِتًّا وعشرينَ غَزوةً، هذا أكثرُ ما قيل في ذلك.
-
وكانَتْ أَشرَفَ غزواتِه وأعظَمَها حُرْمةً عندَ اللهِ تعالى وعندَ رسولِه والمسلمِين غزوةُ بدرٍ الكبرى؛ حيثُ قتَل اللهُ عز وجل صَنادِيدَ قُرَيشٍ، وأظهَر دِينَه مِن يومِئذٍ، وكانَتْ بدرٌ في السَّنةِ الثَّانيةِ (٢) مِن
vol. 2, p. 77الهِجرةِ لسَبعَ عَشْرَةَ مِن رمضانَ، وليس في غَزواتِهِ ما يَعْدِلُ بها في الفضلِ ويَقْرُبُ منها إلَّا غزوة الحُدَيبِيةِ، حيثُ كانَتْ بيعةُ الرِّضوانِ، وذلك سنةَ سِتٍّ مِن الهجرةِ. وكانَتْ بُعُوثُه وسَرَاياه خمسًا وثلاثينَ مِن بينِ بَعْثٍ وَسَرِيَّة.
قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وغيرُهُ (١) : عن وكيعٍ، عن أبيه وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ زيدَ بن أَرقَمَ: كم غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ ؟ قال: تسعَ عَشْرةَ غزوةً، وغَزَوتُ معه سبعَ عَشْرَةَ غَزْوةً، وَسَبَقَنِي بِغَزاتَينِ.
-
واعتَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثَ عُمَرٍ، وفي قولِ مَن جعَله في حَجَّتِه قارِنًا أربعًا (٢) ، وقد بَيَّنَّا ذلك في كتابِ "التَّمهيدِ" (٣) .
-
وافْتُرِضَ عليه الحَجُّ بالمدينةِ، وكذلك سائِرُ الفَرائِضِ فيما أُمِر به أو حُرِّمَ عليه إلا الصَّلاةَ؛ فإنَّها افْتُرِضَتْ عليه (٤) حينَ أُسرِيَ به مِن المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصَى، وذلك بمَكَّةَ، ولم يَحُجَّ
vol. 2, p. 78رسولُ اللهِ ﷺ مِن المدينةِ غيرَ [حَجَّتِه الواحدةِ] (١) حَجَّةِ الوداعِ، وذلك في سنةِ عَشْرٍ مِن الهِجرَةِ.
-
وتَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ عددًا كثيرًا مِن النِّسَاءِ، خُصَّ مِن ذلك دونَ أُمَّتِه بجَمْعِ أكثرَ مِن أربعٍ، وأُحِلَّ له منهنَّ (٢) ما شاء، فالمُجتمَعُ عليه مِن أزواجِه إحدَى عَشرةَ امرأةً، وهُنَّ: خديجةُ (٣) ، أَوَّلُ زوجةٍ كانَتْ له، لم يَجْمَعْ قَطُّ معها غيرَها، وسنذكُرُ [أخبارَها ونسبَها وولدَها] (٤) مِن النَّبيِّ ﷺ ، وكثيرًا مِن فضائلِها وخبرِها في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ مِن هذا الدِّيوانِ (٥) ، وكذلك نَذكُرُ كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ في موضعِ اسمِها مِن ذلك (٦) الكتابِ، إنْ شاء اللهُ (٧) .
-
ثُمَّ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ بنِ قيسٍ، مِن بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، تَزَوَّجَها في قولِ الزُّهْرِيِّ قبلَ عائشةَ رضي الله عنها بمَكَّةَ (٨) ، وبَنَى بها بمَكَّةَ فِي سنةِ عَشْرٍ مِن النُّبُوَّةِ.
-
وعائشةُ بنتُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ قبلَ سَوْدَةَ، وقيل:
vol. 2, p. 79بعدَ سَوْدةَ، وأجمَعوا أنَّه لم يَبْتنِ (١) بها إلا بالمدينةِ، قيل: سنةَ هاجَر. وقيل: سنةَ اثنَتَينِ مِن الهجرةِ في شَوَّالٍ، وهي ابنةُ تسعِ سنينَ، وكانَتْ في حينِ عقَد عليها بنتَ سِتِّ سنينَ، وقيل: بنتَ سبعِ سنينَ. وحفصةُ بنتُ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، تَزَوَّجَها سنةَ ثلاثٍ في شعبانَ (٢) .
-
وزينبُ بنتُ خُزَيمةَ، وهي مِن بنِي عامرِ بنِ صَعصَعَةَ، كان يُقالُ لها: أمُّ المساكينِ، تَزَوَّجَها سنةَ ثلاثٍ، فكانَتْ عندَه شهرَينِ أو ثلاثةً، وتُوفِّيتْ، ولم يَمُتْ (٣) مِن أزواجِه في حياتِه غيرُها، وغيرُ خديجةَ قبلَها.
-
وأمُّ سَلَمَةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ المَخزُومِيَّةُ، واسمُها هندٌ، تَزَوَّجَها سنةَ أربعٍ في شَوَّالٍ.
-
وزينبُ بنتُ جَحشٍ الأَسَدِيَّةُ مِن بني أَسدِ بنِ خُزَيمَةَ، تَزَوَّجَها في سنةِ خَمسٍ مِن الهِجرةِ، في قولِ قتادةَ، وخالَفه غيرُه على ما نَذكُرُه في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ، [والحمدُ للهِ] (٤) .
- vol. 2, p. 80
وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ بنِ حربِ بنِ أُمَيَّةَ (١) ، واسمُها رَمْلةُ، تَزَوَّجَها (٢) سنةَ سِتٍّ، وبنَى بها سنةَ سبعٍ، زَوَّجَه إيَّاها النَّجَاشِيُّ (٣) ، واختُلِف فيمَن عقَد عليها على ما يأتي به الخبرُ عندَ ذكرِها في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ، إنْ شاء اللهُ (٤) .
-
وجُوَيْرِيَةُ بنتُ الحارثِ بنِ أبي ضِرَارٍ مِن بني المُصْطَلِقِ، كَانَتْ قد وَقَعَتْ في سهمِ ثابتِ بنِ قيسٍ، وذلك في سنةِ سِتٍّ، وقيل: سنةِ خمسٍ، فكاتَبَها، فأَدَّى رسولُ اللهِ ﷺ كِتابَتَها وتَزَوَّجَها.
-
ومَيْمونةُ بنتُ الحارثِ [بنِ حَزْنٍ] (٥) الهِلالِيَّةُ، مِن بني هلالِ بنِ (٦) عامرِ بن صَعْصَعَةَ، نَكَحَها سنةَ سبعٍ في عُمرَةِ القضاءِ، على حَسَبِ ما ذكَرْناه في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ (٧) .
-
وصَفِيَّةُ بنتُ حُيَيِّ بنِ أَخطَبَ اليَهودِيِّ، وَقَعَتْ في سَهمِ دِحْيَةَ بنِ
vol. 2, p. 81خليفةَ الكَلْبِيِّ، فاشتَراها رسولُ اللهِ ﷺ منه بأَرْؤُسٍ اختَلَفوا في عددِها، وأعتَقَها وتَزَوَّجَها، وذلك سنةَ سبعٍ.
-
فهؤلاءِ أزواجُه اللَّوَاتِي لم يُختَلَفُ فِيهِنَّ، وهُنَّ إحدَى عَشْرَةَ امرأةً؛ مِنْهُنَّ سِتٌّ مِن قُرَيشٍ، وواحدةٌ مِن بني إسرائيلَ مِن ولدِ هارونَ عليه السلام ، وأربعٌ مِن سائرِ العربِ، تُوفِّي في حياتِه مِنهُنَّ اثْنَتَانِ؛ خديجةُ بنتُ خُوَيلِدِ بنِ أَسَدٍ بمَكَّةَ، وزينبُ بنتُ خُزَيمةَ بالمدينةِ، وتَخَلَّفَ (١) مِنْهُنَّ تِسْعًا (٢) بعدَه ﷺ .
-
وأمَّا اللَّوَاتي اختُلِفَ فِيهِنَّ مِمَّن ابتَنَى بها وفارَقَها، أو عقَد عليها ولم يَدْخُل بها (٣) ، أو خطَبها ولم يَتِمَّ له العقدُ معَها، فقد اختُلِفَ فِيهِنَّ وفي أسبابِ فِرَاقِهِنَّ اختلافًا كثيرًا، يُوجِبُ التَّوقُّفَ عن القطعِ بالصِّحَّةِ في واحدةٍ مِنْهُنَّ، وقد ذكَرْنا جميعَهُنَّ، كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ مِن كتابِنا هذا، والحمدُ للهِ.
-
[ثم بدأ برسولِ اللهِ] (٤) ﷺ مرضُه الذي ماتَ منه (٥) يومَ الأربعاءِ، للَيلَتَينِ بَقِيَتَا مِن صَفَرٍ سنةَ إحدَى عَشْرةَ في بيتِ مَيمُونةَ، ثم انتَقَلَ حِينَ اشتَدَّ وَجَعُه إلى بيتِ عائشةَ، وكان ﷺ قد وُلِدَ يومَ الاثنَينِ،
vol. 2, p. 82ونُبِّئَ يومَ الاثنَينِ، وخرَج مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا يومَ الاثنَينِ، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الاثنَينِ، وقُبِضَ ﷺ يومَ الاثنَينِ ضُحًى في مثلِ الوقتِ الذي دخَل فيه المدينةِ، لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ (١) ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، سنةَ إحدَى عَشْرَةَ مِن الهجرةِ، ودُفِنَ يومَ الثُّلاثاءِ حينَ زَاغَتِ الشَّمسُ، وقيل: بل دُفِنَ ليلةَ الأربعاءِ.
-
ذكَر ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثَتْني فاطمةُ بنتُ محمدٍ، عن (٢) عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: ما عَلِمْنا بدَفْنِ رسولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنا صوتَ المَسَاحِي (٣) مِن جوفِ اللَّيلِ ليلةَ الأربعاءِ ﷺ (٤) .
-
وصلَّى عليه عليٌّ والعَبَّاسُ رضي الله عنهما وبَنو هاشمٍ، ثمَّ خرَجوا، ثم دخَل المُهاجِرُون، ثمَّ الأنصارُ، ثمَّ النَّاسُ، يُصَلُّونَ عليه أَفَذَاذًا (٥) ، لا يَؤُمُّهُم أحدٌ، ثمَّ النِّسَاءُ والغِلمَانُ.
-
وقد أكثَر النَّاسُ في ذكرِ مَن أدخَله في قبرِه، وفي هيئةِ كَفَنِه،
vol. 2, p. 83وفي صفةِ خَلْقِه وخُلُقِه وشَيبِه، وغَزواتِه وسِيَرِه ﷺ بِمَّا (١) لا سبيلَ في كتابِنا هذا إلى ذكرِه، وإنَّما أجْرَينا مِن ذكرِه ﷺ ههُنا (٢) لُمَعًا يَحْسُنُ الوقوفُ عليها والمُذاكَرةُ بها؛ تَبَرُّكًا بذِكرِه في أَوَّلِ الكتابِ، واللهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ.
-
وأَصَحُّ ذلك أنَّه نزَل في قبرِه ﷺ العَبَّاسُ عَمُّه وعليٌّ معه وقُثَمُ بنُ العَبَّاسِ والفضلُ بنُ العَبَّاسِ، ويُقالُ: كان أَوسُ بنُ خَوْلِيٍّ وأُسامةُ بنُ زيدٍ معهم، وكان آخِرَهم خُرُوجًا مِن القبرِ قُثَمُ بنُ العَبَّاسِ، كان آخِرَ النَّاسِ عَهْدًا برسولِ اللهِ ﷺ ، ذكر ذلك ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُه (٣) ، وهو الصَّحِيحُ.
-
وقد ذُكِرَ عن المُغِيرةِ بن شُعبةَ في ذلك خبرٌ لا يَصِحُّ، أَنكَره أهلُ العلمِ ودفَعوه (٤) .
- vol. 2, p. 84
[وأُلحِدَ (١) له ﷺ ، وبُنِيَ في قبرِه اللَّبِنُ، يُقالُ: تِسْعُ (٢) لَبِنَاتٍ] (٣) .
-
وطُرِحَ في قَبرِه سَمَلُ (٤) قَطِيفَةٍ كان يَلْبَسُها، فلمَّا فرَغوا مِن وَضْعِ اللَّبِنِ أخرَجوها وأَهالوا التُّرَابَ على لَحدِه، وجُعِلَ قبرُه مَسطُوحًا، ورُشَّ عليه الماءُ رَشًّا.
-
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيبَةَ، قال: حدَّثنا حُسَينُ بنُ عليٍّ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ بنِ قُدامةَ، عن المُختارِ بن فُلْفُلٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما صُدَّقَ نبيٌّ ما صُدِّقتُ؛ إِنَّ مِن الأنبياءِ مَن لم يُصَدِّقْه مِن أُمَّتِهِ إِلَّا رجلٌ واحدٌ" (٥) .
-
وأمَّا فَضائِلُه وأعلامُ نُبُوَّتِه ﷺ فقد وضَع (٦) فيها جماعةٌ مِن العلماءِ، وجمَع كلٌّ منها (٧) ما انتَهَتْ إليه رِوايَتُه ومُطالَعَتُه، وهي أكثرُ مِن أنْ تُحْصَى، [والحمدُ للهِ] (٨) .
- vol. 2, p. 85
وممَّا رُثِيَ به [رسولُ اللهِ] (١) ﷺ قولُ صَفِيَّةَ عَمَّتِه (٢) ، قال الزُّبَيرُ (٣) : حدَّثني عَمِّي (٤) مصعبُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثني أبي عبدُ اللهِ بنُ مصعبٍ، قال: رَوَيْتُ من (٥) هشامِ بنِ عُروةَ لصَفِيَّةَ بنتِ عبدِ المُطَّلِبِ تَرْثِي رسولَ اللهِ ﷺ :
أَلَا يا رسولَ اللهِ كُنتَ رجاءَنا … وكُنتَ بِنا بَرًّا ولم تَكُ جَافِيَا
وكُنتَ رَحِيمًا هَادِيًا ومُعلِّمًا … لِيَبْكِ عليكَ اليومَ مَن كان بَاكِيَا
لَعَمُرُكَ ما أَبكِي النَّبِيَّ لفَقْدِهِ … ولكِنْ لِما أَخْشَى مِن الهَرْج آتِيَا
كأنَّ على قَلبِي لذِكرِ محمدٍ … وما خِفْتُ مِن بعدِ النَّبِيِّ المَكاوِيَا
vol. 2, p. 86أَفَاطِمُ صَلَّى اللهُ ربُّ محمدٍ … على جَدَثٍ أَمْسَى بِيَثْرِبَ ثَاوِيَا
فَدًى (١) لرَسولِ اللهِ أُمِّي وخَالَتِي … وعَمِّي وآبائِي ونَفْسِي وَمَالِيَا
صَدَقْتَ وبَلَّغْتَ الرِّسالةَ صادِقا … ومِتَّ صَلِيبَ العُودِ أَبْلَجَ صَافِيَا
فلَو أَنَّ رَبَّ النَّاسِ أَبْقَى نَبَيَّنا … سُعِدْنَا (٢) ولكِنْ أمْرُه كان مَاضِيَا
عليكَ مِن اللهِ السَّلامُ تَحِيَّةً … وأُدخِلْتَ جَنَّاتٍ مِن العَدْنِ رَاضِيَا
أَرَى حَسَنًا أَيْتَمْتَه وتَرَكْتَه … يَبْكِي ويَدْعُو جَدَّه اليومَ نَائِيَا (٣)
-
وكان له ﷺ أسماءٌ وصفاتٌ جاءَتْ عنه في أحادِيثَ شَتَّى بأسانِيدَ حِسَانٍ؛ قال: "أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمِي، وأنا المَاحِي الذي يَمْحُو اللهُ بي الكُفْرَ، وأنا الخاتم (٤) ، ختَم اللهُ بِيَ النُّبُوَّةَ، وأنا العاقِبُ فَلَيسَ بَعْدِي نَبِيٌّ" (٥) ، و "أنا المُقَفِّي - يعني: بعدَ الأنبياءِ كلِّهم - ونَبِيُّ التَّوبَةِ، ونَبِيُّ الرَّحمةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ" (٦) ، ويُروى: "المَلاحِمِ" ، جَاء هذا كلُّهُ عنه في آثارٍ شَتَّى مِن طُرُقٍ حِسَانٍ (٧) .
- vol. 2, p. 87
وكان يُكْنَى أبا القاسمِ ﷺ ، لا خلافَ في ذلك.