المبحث الرابع: فك الحصار عن الطائف والعودة إلى الجعرانة
69 paragraphs · vol. 1, p. 328
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 342
وأورد الذهبي هذا الحديث في ترجمة إسماعيل بن زكريا ثم قال: تفرد به عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم٧.
- (٧)ميزان الاعتدال ١/٢٢٨-٢٢٩.
-
والحديث رواه ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب الثقفي عن عبد الله ابن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير مرسلاً٨.
- (٦)مسند أحمد ٣/٣٤٣.
- (٨)تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٥و٨٦ ب رقم ٦٦٥ وانظر حديث رقم (١٦٤) .
- vol. 1, p. 343
وأخرج البيهقي عن عروة بن الزبير مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا حين ركب فقال: "اللهم أهدهم واكفنا مؤنتهم" ١.
-
والخلاصة أن الدعاء لثقيف رواه ابن سعد من مرسل الحسن البصري٢ وساقه مرة أخرى بدون إسناد، ورواه الترمذي وأحمد مسندا من حديث أبي الزبير، ورواه عنه ابن أبي شيبة مرسلاً.
- (٢)تقدم الحديث برقم (١٦٧) .
-
وأبو الزبير مدلس وقد عنعن٣.
- (٣)وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين وهذه المرتبة لمن أكثر من التدليس ولم يحتج من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقا، ومنهم من قبلهم. (انظر: طبقات المدلسين ص ٧و ٣٢) .
-
وتابعه عبد الرحمن بن سابط عند أحمد، ولكن جزم ابن معين بأن عبد الرحمن لم يسمع من جابر، فيكون الحديث منقطعا.
-
وساقه ابن إسحاق بدون إسناد٤.
- (٤)سيرة ابن هشام ٢/٤٨٨ والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٥٠ و٣٥٢ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٣٣و٣٥ و٤/٦.
-
ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلا. وفيه أيضا أبو علاثة٥.
- (٥)هو محمد بن عمرو بن خالد الحراني، لم أجد ترجمته.
-
فالحديث له ثلاث طرق: طريق أبي الزبير وقد عنعن وهو مدلس.
-
وابن إسحاق ساقه بدون إسناد، وهو من صغار التابعين فيكون الحديث معضلا. وطريق البيهقي، وفيها الإرسال، وراو لم توجد ترجمته. وطريق ابن سعد من مرسل الحسن البصري، ومرسله ضعيف عند العلماء، فالحديث بجميع طرقه ضعيف.
-
وهذه الآثار تدل على رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم وشفقته، حتى مع ألد أعدائه حيث طلب منه الصحابة أن يدعو على ثقيف. فدعا لهم بالهداية وقد استجاب الله دعاءه وجاءوا مسلمين بعد ذلك بدون عناء أو مشقة.
- (١)دلائل النبوة ٣/٤٩ ب وانظر حديث (١٣٨) .
- vol. 1, p. 344
وقد ذكر ابن إسحاق أن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من الطائف كانت على دحنا١ حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس، وكان بها سبي هوازن ٢.
- (١)دحنا - بفتح أوله وسكون ثانية، ونون، يروى مقصورا وممدودا، وهي من مخاليف الطائف (معجم البلدان ٢/٤٤٤) .
-
وعند الواقدي فأخذ على دحنا ثم على قرن المنازل، ثم على نخلة حتى خرج إلى الجعرانة٣.
- (٣)مغازي الواقدي ٣/٩٣٩.
-
١٧١- وأخرج الطبري من طريق ابن إسحاق عن عبد الله ٤ بن أبي بكر أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد معه حنينا قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة لي، وفي رجلي نعل غليظة إذا زحمت ناقتي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوجعه، قال: فقرع قدمي بالسوط، وقال: "أوجعتني فتأخر عني فانصرفت" ، فلما كان الغد إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسني، وقال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمس، قال: فجئته وأنا أتوقع فقال لي: "إنك قد أصبت رجلي بالأمس، فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط، فدعوتك لأعوضك منها، فأعطاني ثمانين نعجة، بالضربة التي ضربني" ٥.
-
والحديث فيه عنعنة ابن إسحاق، وفيه انقطاع فإن عبد الله بن أبي بكر لم أجد في ترجمته أنه روى عن أحد من الصحابة سوى أنس بن مالك.
-
وعند الواقدي وابن سعد نحو هذه القصة٦ وأن صاحبها هو أبو رهم٧ الغفاري، لكن ذكر ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر: "أن أبا رهم الغفاري
vol. 1, p. 345استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عند خروجه إلى غزوة الفتح فلم يزل عليها حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطائف "١.
- (٦)مغازي الواقدي ٣/٩٣٩ والطبقات الكبرى لابن سعد ٤/٢٤٤.
- (٧)هو كلثوم بن الحصين أبو رهم - بضم الراء - صحابي مشهور من أصحاب الشجرة أسلم قديما وشهد أحد واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة مرتين، مرة في عمرة القضاء، ومرة في غزوة الفتح في خروجه إلى مكة وحنين والطائف فلم يزل أميرا عليها حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف (الاستيعاب ٣/٣١٦ و٤/٦٩ مع الإصابة، وأسد الغابة:٤/٤٩٣و٦/١١٧، والإصابة ٤/٧٠-٧١ والتقريب ٢/١٣٦، وتهذيب التهذيب ٨/٤٤٣) .
- (٢)سيرة ابن هشام ٢/٤٨٨ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٨٦ والروض الأنف ٧/٢٤١.
- (٤)عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني، ثقة من الخامسة (ت ١٣٥) / ع (التقريب ١/٤٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/١٦٤) .
- (٥)الطبري: تاريخ الرسل ة الملوك ٣/٩٣.
-
وقد حصلت نحو هذه القصة لأبي رهم ولكن في غزوة تبوك جاء ذلك عند الإمام أحمد في مسنده ولفظه:
١٧٢- قال أبو رهم الغفاري: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فلما فصل سرى ليلة فسرت قريبا منه وألقي علي النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته فيفزعني دنوها خشية أن أصيب رجله في الغرز فأوخر راحلتي حتى غلبتني عيني نصف الليل فركبت راحلتي راحلته ورجل النبي صلى الله عليه وسلم في الغرز فأصابت رجله فلم أستيقظ إلا بقوله حس٢، فرفعت رأسي، فقلت: استغفر لي يا رسول الله" الحديث٣.
- (٢)حس - بكسر السين والتشديد، وفتح الحاء المهملة - كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضة أو أحرقه غفلة، كالجمرة والضربة ونحوهما. (النهاية في غريب الحديث ١/٣٨٥) .
- (٣)مسند أحمد ٤/٣٤٩-٣٥٠.
-
والحديث ضعيف لأن فيه ابن أخي أبي رهم٤.
- (٤)قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/٥٣٤ ابن أخي أبي رهم "مقبول" من شيوخ الزهري، من السادسة / ع وانظر تهذيب التهذيب ١٢/٣١٨.
-
وعند الواقدي أيضا أن مثل هذا حصل لعبد الله بن أبي حدرد في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى الجعرانة، فقال: وكان عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي يقول: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسيرة وهو يحادثني، فجعلت ناقتي تلصق بناقته، وكانت ناقتي شهمة ٥ فجعلت أريد أن أنحيها فلا تطاوعني، فلصقت بناقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصيبت رجله فقال: "أخ٦! أوجعتني! فرفع رجله من الغرز٧ كأنها جمارة، ودفع رجلي بمحجن في يده، فمكث ساعة لا يتحدث، فوالله ما نزلت حتى ظننت أن سينْزل في عذاب" .
vol. 1, p. 346قال: فلما نزلنا قلت لأصحابي: إني أرعى لكم! ولم يكن ذلك يوم رعيتي، فلما أرحت الظهر عليهم قلت: هل جاء أحد يبغيني؟
فقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يبغيك، فقلت في نفسي: هي والله هي! قلت: من جاء؟
قالوا رجل من الأنصار، قال: فكان أكره إلي وذلك أن الأنصار كانت فيهم علينا غلظة، قال: ثم جاء بعد رجل من قريش يبتغيني، قال: فخرجت خائفا حتى واجهت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يبتسم في وجهي وقال: أوجعتك بمحجني البارحة، ثم قال: خذ هذه القطة من الغنم، قال: فأخذتها فوجدتها ثمانين شاة ضائنة١.
ثم قال الواقدي أيضا: وكان أبو زرعة٢ الجهني يقول: "لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يركب من قرن راحلته القصواء وطئت له على يديها، والزمام في يدي مطوى، فركب على الرحل وناولته الزمام، ودرت من خلفه فخلف الناقة بالسوط كل ذلك يصيبني، فالتفت إلي فقال: أصابك السوط؟ قلت: نعم بأبي وأمي! قال: فلما نزل الجعرانة إذا ربضة٣ من الغنم ناحية من الغنائم فسأل عنها صاحب الغنائم فخبره عنها بشيء لا أحفظه، ثم صاح: أين أبو زرعة؟ قال: قلت: ها أنا ذا! قال: خذ هذه الغنم بالذي أصابك من السوط أمس، قال: فعددتها فوجدتها عشرين ومائة رأس، قال: فتأثلت٤ بها مالاً٥.
- (٧)الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: هو الكور مطلقا مثل الركاب للسرج. والجمارة: قلب النخلة وشحمها شبه ساقه صلى الله عليه وسلم ببياضها، والمحجن: عصا معقفة الرأس (النهاية في غريب الحديث ١/٢٩٤و٣٤٧، ٣/٣٥٩) .
- (١)انظر المصادر السابقة.
- (٥)شهمة: أي جلدة (مختار الصحاح ص ٣٥٠) .
- (٦)أخ: بفتح الهمزة وسكون الخاء: كلمة تكره وتأوه (القاموس المحيط ١/٢٥٦) .
- (١)مغازي الواقدي ٣/٩٣٩-٩٤٠ وقوله: شاة ضائنة: أي من الضأن وهي الشاة من الغنم، وهي خلاف المعز (النهاية لابن الأثير ٣/٦٩) .
- (٢)هو: معبد بن خالد الجهني أبو زرعة (انظر الإصابة ٣/٤٣٩) .
- (٣)الربضة - بكسر الراء وسكون الموحدة: الجماعة من الغنم والناس، والأصل للغنم. (لسان العرب٩/٩) .
- (٤)تأثل مالا: اكتسبه واتخذه وثمره (المصدر السابق١٣/٨) .
-
١٧٣- وعند الواقدي أيضا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: اعترض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم معه غنم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فقال: يا رسول الله، هذه هدية قد أهديتها لك، قال: وممن أنت؟
قال: رجل من أسلم، قال: إني لا أقبل هدية مشرك، قال: يا رسول الله إني مؤمن بالله وبرسوله قد سقت الصدقة إلى بريدة بن الحصيب لما لي بعينه مصدقا،
vol. 1, p. 347قال: وأقبل بريدة فلحق النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: صدق يا رسول الله، هذا من قومي شريف ينزل بالصفاح١، قال: فما أقدمك إلى نخلة؟ قال: هي أمرع٢ من الصفاح اليوم، ثم قال: نحن على ظهر كما ترى، فالحقنا بالجعرانة، قال: فخرج يعدو عراض٣ ناقة رسول الله وهو يقول: يا رسول الله، فأسوق الغنم معي إلى الجعرانة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسقها، ولكن تقدم علينا الجعرانة فنعطيك غنما أخرى إن شاء الله. قال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا في عطن٤ الإبل، أفأ صلي فيه؟ قال: لا، قال: فتدركني وأنا في مراح٥ الغنم، فأصلي فيه؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله، ربما تباعد منا الماء ومع الرجل زوجته فيدنو منها؟
- (٥)مغازي الواقدي ٣/٩٤٠.
- (١)الصفاح - بالكسر وآخره حاء مهملة: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش (معجم البلدان ٣/٤١٢) . وقال عاتق البلادي: "الصفاح: أرض خارج حدود الحرم على طريق العراق، إذا خرجت من أنصاب الحرم متجاوزا ثنية خل سرت فيها، وهي جرد أبيض سيله جنوبا إلى المغمس ثم عرنة، ويشرف عليها من الشمال جبل الستار ويغذيها بقسم كبير من مياهه". (معالم مكة المكرمة التاريخية والأثرية ص ١٥٣) .
- (٢)أمرع الوادي: اكلأ، والمريع: الخصيب المكلئ، كالمراع، جمع أمرع وأمراع، ومرع الوادي مثلثة الراء مراعة أكلأ كأمرع (مختار الصحاح ص ٦٢٢ والقاموس المحيط ٣/٨٤ والمعجم الوسيط ٢/٨٦١) .
- (٣)عراض: بكسر المهملة أي يسير حذاءه معارضا له (النهاية ٣/٢١١) .
- (٤)العطن: بالتحريك مبرك الإبل حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء لتعاد للشرب مرة ثانية (النهاية ٣/٢٥٨ والقاموس المحيط ٤/٢٤٨) .
- (٥)المراح: بضم الميم: حيث تأوى إليه الماشية بالليل، مختار الصحاح ص ٢٦٢، والمصباح المنير ١/٢٨٨-٢٨٩) . وقد جاء الأمر بالصلاة في مرابض الغنم والنهي عنها في أعطان الإبل، في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل". أخرجه الترمذي في سننه ١/٢١٧-٢١٨ كتاب الصلاة وقال: حسن صحيح.
- vol. 1, p. 348
ق ال: نعم، ويتيمم١، قال: يا رسول الله، وتكون فينا الحائض، قال: تيمم، قال: فلحق النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة فأعطاه مائة شاة٢.
- (١)وقد جاء في حديث أبي ذر الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير". رواه الترمذي ١/٨١ كتاب الطهارة، باب التيمم للجنب وصححه.
- (٢)مغازي الواقدي ٣/٩٤١-٩٤٢.
-
موقف سراقة
وكان ممن اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى الجعرانة: سراقة بن مالك بن جعشم وكان معه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه له في أثناء هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، توضح ذلك الأحاديث الآتية:
١٧٤- قال الواقدي: وقال سراقة٣ بن جعشم: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منحدر من الطائف إلى الجعرانة، فتحصلت٤، والناس يمضون أمامه أرسالاً٥، فوقعت في مقنب٦ من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوني٧ بالرماح ويقولون: إليك! إليك! ما أنت؟
- (٣)سراقة بن مالك بن جعشم - بضم الجيم والمعجمة بينهما عين مهملة - ابن مالك ابن عمرو بن تيم بن مدلج - بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام آخره جيم - ابن مرة بن مناة بن كنانة الكناني المدلجي يكنى أبا سفيان صحابي مشهور كان ينزل قديدا، كان من مسلمة الفتح كذا ذكره ابن حجر، وعند ابن إسحاق أنه أسلم في الجعرانة. مات سراقة سنة ٢٤ في خلافة عثمان وقيل بعد عثمان. (الطبقات الكبرى لابن سعد ١/١٨٨و٢٣٢ و ٥/٩٠ والاستيعاب لابن عبد البر ٢/١١٩ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٣٣١) . التقريب ١/٢٨٤ وتهذيب التهذيب ٣/٤٥٦ والإصابة ٢/١٩ كلها لابن حجر.
- (٤)تحصل: تجمع وثبت. (القاموس المحيط ٣/٣٥٧) .
- (٦)مقنب: بكسر أوله: جماعة الخيل والفرسان (المصدر السابق ٤/١١١) .
- (٧)يقرعوني بالرماح: القرع الضرب بالسوط ونحوه (المصدر السابق ٤/٤٣) .
-
وأنكروني، حتى إذا دنوت وعرفت أنه يسمع صوتي أخذت الكتاب الذي كتبه
vol. 1, p. 349أبو بكر، فجعلته بين أصبعين من أصابعي، ثم رفعت يدي وناديت: أنا سراقة بن جعشم، وهذا كتابي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم وفاء، أدنوه! فأدنيت منه، فكأني أنظر إلى ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرزة كأنها جمارة، فلما انتهيت إليه سلمت، وسقت إليه الصدقة فما ذكرت شيئا أسأله عنه إلا أني قلت: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الإبل تغشى حياضى وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر إن أسقيتها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، في كل ذات كبد حرى١ أجر" ٢.
- (٥)أرسالاً: أفواجا وفرقا متقطعة يتبع بعضهم بعضا، واحدهم رسل: بفتح الراء والسين. (النهاية لابن الأثير ٢/٢٢٢) .
- (١)حرى: بفتح أوله بوزن فعلى. والمعنى: أن في سقي كل ذي كبد حرى أجرا (النهاية ١/٣٦٤) .
-
وذكر ابن إسحاق هذه القصة في سياق حديث الهجرة، وبين أن مجيء سراقة وإسلامه كان في الجعرانة، وأنه بعد ذلك رجع إلى قومه وساق صدقته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
١٧٥- وهذا سياقه: قال: حدثني الزهري أن عبد الرحمن٣ بن مالك بن جعشم حدثه عن أبيه٤، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم قال: "لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن رده عليهم" .
قال: "فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة٥ ثلاثة مروا آنفا، وأني لأراهم محمدا وأصحابه، قال: فأومأت
vol. 1, p. 350إليه بعيني: أن أسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان، يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت، قال: ثم مكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فقيد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي فأخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي١ التي استقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتي٢. ثم أخرجت قداحي، فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره "لا يضره" ٣ قال: وكنت أرجوا لأن أرده٤ على قريش، فآخذ المائة الناقة قال: فركبت على أثره، فبينا فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه قال: فقلت: ما هذا؟
قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره "لا يضره" قال: فأبيت إلا أن أتبعه، قال: فركبت في أثره فبينا فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره "لا يضره" قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره فلما بدا لي القوم ورأيتهم، عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعتهما دخان كالإعصار٥، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه ظاهر، قال: فناديت القوم: فقلت: أنا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم من شيء تكرهونه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "قل له: وما تبتغي منا؟ "
vol. 1, p. 351قال: فقال ذلك أبو بكر١، قال: قلت: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك، قال: اكتب له يا أبا بكر، قال: فكتب لي كتابا في عظم، أو في رقعة٢، أو في خزفة٣ ثم ألقاه إليّ، فأخذته، فجعلته في كنانتي٤، ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعي الكتاب لألقاه فلقيته، قال: فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح، ويقولون إليك! إليك! ماذا تريد؟
قال: فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة، قال: فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت يا رسول الله، هذا كتابك لي، أنا سراقة بن جعشم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم وفاء وبر، أدنه" ، قال: فدنوت منه، فأسلمت. ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره، إلا أني قلت: "يا رسول الله، الضالة٥ من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال: " نعم، في كل ذات كبد حرى أجر".
- (٣)عبد الرحمن بن مالك بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو بن المدلجى وثقه النسائي وابن حبان، من الثالثة/خ ق (التقريب١/٤٩٦ وتهذيب التهذيب٦/٢٦٣ وقال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم (١/٤٩١) .
- (٤)مالك بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو المدلجي، وأكثر ما يأتي منسوبا إلى جده، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وهو أخو سراقة الصحابي، قال ابن حجر: وأبوه مالك بن جعشم لم أر من ذكره في الصحابة، فالظاهر أنه مات في الجاهلية فيكون لمالك بن مالك إدراك، إن لم يكن له صحبة. أخرج له خ ق (التقريب ٢/٢٢٦ وتهذيب التهذيب ١٠/٢١ والإصابة ٣/٤٨٥) .
- (٥)ركبة: بالتحريك، أقل من الركب، والركب من أسماء الجمع، كنفر ورهط (النهاية ٢/٢٥٦و٢٥٧) .
- (٢)مغازي الواقدي: ٣/٩٤١.
- (١)القداح - بكسر أوله: جمع قدح، بكسر أوّله وسكون ثانيه، والاستقسام: طلب الذي قسم له وقدر مما لم يقسم ولم يقدر، وهو استفعال منه، وكانوا في الجاهلية، إذا أراد أحدهم سفرا أو تزويجا، أو نحو ذلك من المهام ضرب بالأزلام وهي القداح، وكان على بعضها مكتوب: أمرني ربي وعلى الآخر: نهاني ربي، وعلى الآخر غفل. فإن خرج "أمرني" مضى لشأنه، وإن خرج "نهاني" أمسك، وإن خرج "الغفل" عاد، وأجالها وضرب بها أخرى إلى أن يخرج الأمر والنهي (المصدر السابق ٢/٣١١ و ٤/٢٠و٦٣) .
- (٢)اللأمة مهموزة: الدرع، وقيل السلاح، ولأمه الحرب أداته، وقد يترك الهمز تخفيفا (المصدر السابق ٤/٢٢٠) .
- (٤)في شرح المواهب: تعرض لهم بعد رواحهم من عند أم معبد، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في قديد وكان يوم الثلاثاء. (شرح المواهب اللدنية ١/٣٤٦ والطبقات الكبرى لابن سعد ١/٢٣٢) .
- (٥)الإعصار: ريح معها غبار شديد. (القاموس المحيط ٢/٩٠) .
- (٣)لا يضره: أي السهم المكتوب فيه هذه الكلمة.
- (١)عند ابن إسحاق والواقدي: "أن الذي كتب لسراقة هو أبو بكر الصديق". وعند البخاري: "أنه عامر بن فهيرة" قال الزرقاني: "والجمع بين هذا أن عامراً لما كتب طلب سراقة كتابة أبي بكر الصديق لشهرته وعظمته". (شرح المواهب ١/٣٤٨) .
- (٢)الرقعة: بالضم المراد بها هنا قطعة من أدم كما جاء عند البخاري.
- (٣)الخزف، محركة: كل ما عمل من طين وشوى بالنار حتى تكون فخارا. (القاموس المحيط ٣/١٣٢) .
- (٤)الكنانة: بالكسر: الجعبة التي يجعل فيها السهام. (النهاية ١/٢٧٤، القاموس المحيط ٤/٢٦٤) .
- (٥)هذا الجزء من الحديث رواه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق، وأحمد من طريق ابن إسحاق أيضا ومن طريق معمر عن الزهري (سنن ابن ماجه: ٢/١٢١٥ كتاب الأدب، باب فضل صدقة الماء، مسند أحمد: ٤/١٧٥) . (سيرة ابن هشام ١/٤٨٩-٤٩١) .
-
ثم رجعت إلى قومي، فسقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتي٦.
-
والحديث رواه موسى بن عقبة فقال: حدثنا ابن شهاب قال: حدثني عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي أن أباه مالكا أخبره أن أخاه سراقة بن جعشم
vol. 1, p. 352أخبره "أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش لمن رده عليهم مائة ناقة" الحديث١.
- (١)البيهقي: دلائل النبوة ٢/٢١٩-٢٢١ وحصل خطأ مطبعي في الدلائل وهو: حتى إذا فتح الله مكة وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل "خيبر" والصواب: من أهل حنين لأن خيبر فتحت قبل فتح مكة.
-
وأخرج الحميدي هذا الحديث مختصرا في قدوم سراقة إلى الجعرانة وسؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا سياقه:
حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يخبر عن ابن سراقة٢ أو ابن أخي سراقة عن سراقة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة فلم أدر ما أسأله عنه. فقلت: يا رسول الله إني أملأ حوضي أنتظر ظهري يرد علي فتجيء البهمة٣ فتشرب فهل لي من أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لك في كل كبد حرى أجر"
قال سفيان: "هذا الذي حفظت عن الزهري، واختلط علي من أوله شيء فأخبرني وائل بن داود عن الزهري بعض هذا الكلام لا أخلص ما حفظت من الزهري وما أخبرنيه وائل، قال سراقة: أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة فجعلت لا أمر على مقنب من مقانب الأنصار إلاّ قرعوا رأسي، وقالوا: إليك! إليك! فلما انتهيت إليه، رفعت الكتاب، وقلت: أنا يا رسول الله قال: وقد كان كتب لي أمانا في رقعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم، اليوم يوم وفاء وبر وصدق" ٤.
- (٢)ابن سراقة: هو محمد بن سراقة (ذكره ابن الأثير وابن حجر في ترجمة والده ولم أجد ترجمته، والحديث رواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة كلاهما عن الزهري عن ابن أخي سراقة بن مالك وهو عبد الرحمن بن مالك، ورواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فقال: عن ابن أخي سراقة، والبخاري عن عقيل عن الزهري، فقد رواه عن الزهري بدون شك ابن إسحاق وموسى بن عقبة ومعمر وعقيل.
- (٣)البهمة: هي ولد الضأن الذكر والأنثى، والجمع بهم (النهاية ١/١٦٨) وقال حبيب الرحمن الأعظمي المحقق لمسند الحميدي، وفي نسخة (ظ) بهيمة، قلت: وهذه اللفظة أشمل ولعلها أرجح من لفظ (بهمة) وذلك لأن في حديث ابن إسحاق وموسى بن عقبة فتأتي الضالة من الإبل، والإبل لا تدخل في لفظ بهمة، وتدخل في لفظ بهيمة؛ لأن البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حيى لا يميز جمع بهائم. (القاموس المحيط ٤/٨٢ والمصباح المنير ١/٨١) .
-
وقصة تفاصيل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعرض سراقة له أثناء الهجرة ومحاولته القبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبه في نهاية الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب أمن، ثابت في صحيح البخاري من حديث عائشة (دون مجيء سراقة إلى الجعرانة) ٥.
- (٤)الحميدي: المسند ٢/٤٠١وأحمد: المسند ٤/١٧٥.
- (٥)البخاري: الصحيح٥/٤٩-٥٢ كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة.