[مقدمة المؤلف فى نسب قريش وآبائهم]
11 paragraphs · vol. 1, p. 19
- vol. 1, p. 19
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المنمّق في أخبار قريش لمحمد بن حبيب البغدادي أخبرنا أبو الحسن محمد بن العباس الحنبلي قال: أخبرنا محمد بن حبيب قال: أول ما ذكر من أحاديث قريش ما خصها الله به من الفضل والمن به على سائر الخلق وأنه بعث منها نبي الرحمة وأنزل عليه القرآن بلسانها، قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ١٤: ٤ [١] ، فلغة قريش أفصح اللغات ونسبها أصح الأنساب، ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه قال: «ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما» وقوله الحق، وذلك أن الناس من لدن آدم إلى نوح عليهما الصلاة والسلام انقرضوا فكان النسل بعد لنوح، وافترقت بنو نوح فرقا شتى، وفضّل الله سام بن نوح على إخوته وجعل العرب من ولده والأنبياء أجمعين إلا إدريس، ثم افترقت بنو سام فرقا، ففضل الله أرفخشذ [٢] بن سام على إخوته لما جعل في نسله من الأنبياء، فمنهم خليل الله [٣] والذبيح [٤] ونجي الله [٥] وروح الله [٦] وكلمته، وحبيب الله [٧] صلى الله
vol. 1, p. 20عليهم أجمعين، ثم افترق ولد أرفخشذ فرقا فمنهم قحطان وجرهم [١] وحضرموت والسلف [٢] والموذ [٣] وعدنان، ففضل الله عدنان على قحطان وإخوته، ثم افترق بنو عدنان فرقا ففضل الله نزار بن معدّ بن عدنان عليهم، ثم افترق بنو نزار فرقا ففضل الله مضر [٤] على سائرهم، ثم افترق بنو مضر فرقتين: إلياس والناس، وهو عيلان [٥] ، ففضل الله إلياس على الناس، ثم افترق بنو إلياس فرقتين: مدركة وطابخة، ففضل الله مدركة على طابخة، ثم افترق بنو مدركة فرقتين: خزيمة [٦] وهذيلا [٧] ، ففضل الله خزيمة على هذيل، ثم افترق بنو خزيمة فرقا: أسدا [٨] وكنانة والهون [٩] ، ففضل الله كنانة على أخويه، ثم افترق بنو كنانة فرقا، فضل الله النضر على سائرهم، ثم افترق بنو النضر فرقتين: مالكا [١٠] ويخلد [١١] ، ففضل الله مالكا [١٠] على يخلد، ثم افترق بنو مالك فرقتين: فهرا [١٢] والحرب، ففضل الله فهرا على الحرب، ثم افترق بنو فهر فرقا، ففضل الله غالبا على سائرهم، ثم افترق ولد غالب فرقا ثلاثا، ففضل الله لؤيًّا [١٣] على سائرهم، ثم افترق بنو لؤي فرقا، ففضل الله كعبا على إخوتهم، ثم افترق بنو كعب ثلاث فرق: عديّ وهصيص [١٤] ومرّة،
vol. 1, p. 21ففضل الله مرة على أخويه، ثم افترق بنو مرة ثلاث فرق: كلاب وو يقظة [١] ، ففضل الله كلابا على أخويه، ثم افترق بنو كلاب فرقتين: قصيا [٢] وزهرة، ففضل الله قصيا على زهرة، ثم افترق بنو قصي أربع فرق عبد مناف وعبد الدار وعبد العزّى وعبد بني قصي، ففضل الله عبد مناف على سائرهم ثم افترق بنو عبد مناف أربع فرق: هاشم وعبد شمس والمطّلب ونوفل، ففضل الله هاشما على إخوته، ثم افترق بنو هاشم، فرقا فدرجوا كلهم وانقرضوا والبقية منهم لعبد المطلب بن هاشم فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وله أربعة أعمام: حمزة والعباس وأبو طالب وأبو لهب فاتبعه اثنان وخالفه اثنان، ففضل الله فرقة- التي تبعته على التي خالفته-.
وقال الكلبي [٣] في أسانيده: فضّل الله العرب على العجم لأنهم كانوا لا ينكحون البنات ولا الأخوات، وفضل الله مضر بن نزار على سائر العرب لأنهم [٤] كانوا أعلمهم بسنة إبراهيم صلى الله عليه وعلى محمد وآله وألزمهم لمناسكه، وفضل الله قريشا على سائر مضر لأنهم [٤] كانوا لا يظلمون الجار ولا يغير بعضهم على بعض، وفضل الله بني هاشم على قريش لأنهم [٤] كانوا أوصلهم للأرحام وأكفهم [٥] عن الآثام، وفضل الله بني عبد المطلب على سائر بني هاشم بولادة محمد صلى الله عليه وعلى آله، وفضل الله محمدا صلى الله عليه على سائر بني عبد المطلب لأنه [٦] كان خيرهم وأبرهم وأصدقهم وأوصلهم صلى الله عليه وآله وسلم. وقال محمد بن سلّام الجمحي في أسانيده: إن النبي صلى الله عليه قال: «إن الله عز وجل اختار من الناس العرب، ثم اختار من العرب مضر، ثم اختار من مضر كنانة، ثم اختار من
vol. 1, p. 22كنانة قريشا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختارني ممن أنا منه» [١] .
وقال محمد بن سلام الجمحي في حديث آخر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل [٢] عليه السلام فقال: لقد بلغت الأرض شرقها وغربها و [٣] شمالها ويمينها [٣] فما وجدت خيرا من قريش ولا وجدت في قريش خيرا من هاشم» . وأخبرني هشام [٤] بن محمد الكلبي قال: حدثني أبو زفر الكلبي عن عمه عمارة بن جرير عن أثال [٥] بن حضرمي الأسدي قال: سمعت أشياخنا يذكرون أن برّة بنت مر لما أهديت [٦] إلى خزيمة بن مدركة رأت في المنام كأنها ولدت غلامين [٧] من خلاف [٧] بينهما سابياء [٨] قالت: فبينا أنا أنظر إليهما إذ [٩] أحدهما قمر يزهر والآخر أسد يزئر! فأخبرت بذلك خزيمة، فأتى كاهنة
vol. 1, p. 23كانت بمكة يقال لها سرحة [١] ، فقص عليها الرؤيا فقالت: إن صدقت رؤياها فتلدنّ منك غلاما يكون منه قوم لهم أنفس باسلة وألسنة سائلة، ثم تخلف عليها بعض ولدك فتلد منه غلاما يكون لولده [٢] عدد وعدد [٣] وقروم [٤] مجد [٥] وعز [٥] إلى آخر الأبد، فولدت له أسد بن خزيمة ثم خلف عليها كنانة، فولدت له النضر. قال: وأتي كنانة وهو نائم [٦] في الحجر [٧] فقيل له: اختر يا أبا النضر بين الصهيل والهدر [٨] أو عمارة الجدر و [٩] عزّ الدهر! فقال:
-
كلّا يا رب! فجعل الله ذلك كله في قريش. وروى جماعة من غير طريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اصطفى من العرب كنانة فكنانة عزة العرب» وقال صلى الله عليه وسلم: «أريت [١٠] جوّ بني كنانة فرأيت سرجا فيها سراج أعشاها، فأولت أن قريشا ذلك السراج» وأخبرني هشام بن محمد عن عبد الحميد المجد بن عبس الأنصاري عن بعض قومه عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أريت الجدود فرأيت جد قريش روضة خضراء [١١] منها الماء، فأولت ذلك كثرة الأموال والتدفق بالنوال. ولما قدم صعصعة بن ناجية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا مسلما سأله
vol. 1, p. 24رسول [الله] [١] صلى الله عليه وسلم عن علمه بمضر، فقال: كنانة وجهها الذي فيه سمعها وبصرها، وتميم كاهلها، وقيس أظفارها. قالوا: وسأل معاوية بن أبي سفيان ليلى الأخيلية عن مضر فقالت: فاخر بكنانة وحارب بقيس وكاثر بتميم. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قريش ملح هذه الأمة كالملح في الطعام! فهل يصلح الطعام إلا بالملح [٢] . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم! إنك جعلت هذا الإسلام الذي جئت به رحمة للعالمين وذكرا لقريش فتوكل لي بقريش» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الناس تبع لقريش، مؤمنهم لمؤمنهم وفاجرهم لفاجرهم. وروي عنه أيضا أنه قال عليه السلام: «قريش صلب الناس! فلا يبقى أحد بغير صلب» . وقال أيضا: «قريش أئمة العرب في الخير والشر إلى يوم القيامة» . وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا قريشا فتضلوا! ولا تخلّفوا عنها فتهلكوا! ولا تعلّموها فهي أعلم منكم» . وقال/ صلى الله عليه وسلم: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى- بآبائنا أنت وأمهاتنا! قال: فإني كائن لكم يوم القيامة على الحوض فرطا [٣] وإني سائلكم عن القرآن وعن قومي! فلا تقدموا قريشا فتضلوا! ولا تخلفوا عنها فتهلكوا! ولا تعلموا قريشا فهم أعلم منكم! ولولا أن تبطر قريش لأعلمتها ما لها عند الله» . قال: وقدمت [٤] أمامة [٥] بنت يزيد بن عمرو بن الصعق [٦] على معاوية فقال لها: خبّريني عن هذا الحي من مضر! فقالت: أما ناصية مضر فهذان [٧] الحيان من ابن [٨] خزيمة، وأما
vol. 1, p. 25أظفارها التي بها تحارش [١] فهذا الحي من قيس، فقال معاوية: فأين بنو تميم؟
قالت: تلك الكاهل المحمول عليها والكرش [٢] المأكول فيها. قال: فحدثيني عن قيس مضر [٣] ! قالت: أما جمجمة قيس فغطفان، وأما أضراسها [٤] التي تأكل بها فبنو سليم، وأما خيشومها الذي تنفس فيه فبنو عامر. وقالت ليلى الأخيلية [٥] لمعاوية وسألها [٦] عن مضر فقالت: قريش قادتها وسادتها، وتميم كاهلها وكرشها، وقيس فرسانها وخطاطيفها [٧] . وقال صعصعة بن ناجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله! أنا أبصر الناس بمضر! تميم هامتها [٨] وكاهلها الشديد الذي تنوء [٩] به وتحمل عليه، وكنانة وجهها الذي/ فيه سمعها وبصرها، وقيس فرسانها، ولجومها وأسد لسانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم كتاب الله وعترتي [١٠] ! لن تضلوا ما تمسكتم بهما» . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن يغلب الله لي قريشا أغلب سائر العرب» . قالوا [١١] : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزاة بدر منصرفا إلى المدينة تلقاه الأوس والخزرج يهنئونه بفتح الله عليه فقال سلمة [١٢] بن سلامة بن
vol. 1, p. 26وقش [١] الأنصارى: بماذا تهنئونا؟ فو الله! إن قتلنا [٢] إلا عجائز صلعا كالإبل [٣] المعلقة [٣] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- وسمعه «أولئك الملأ من قريش: أما! لو قد أسلموا ثم رأيتهم لهبتهم ولو أمروك لأطعتهم ثم لحقّرت أفعالك مع فعالهم» . قال: فلقد رأيتني في المدينة وإني لألقي الرجل منهم في الطريق فأتنحى [٤] عن طريقه هيبة له حتى يمر ثم أقول: صدق الله ورسوله، فبقريش فضل الله العرب على سائر الأمم وخوّلهم إياهم وأورثهم ديارهم وأموالهم ومكّن لهم في الأرض، وقريش أوسط العرب بيتا وأطولها [٥] عمادا وأثبتها [٦] أوتادا وأوشجها [٧] أصلا وأنضرها [٨] عودا وأبسقها [٩] فرعا [١٠] وكانوا في الجاهلية قبل أن يصل الله لهم ذلك بفضيلة النبوة يسمون أهل الله ويسمون سكان الله وأهل الحرمة وقطّان بيت الله، وقد قال عبد المطلب لأبرهة الأشرم صاحب الفيل حين سأله أن يرد عليه إبله فقال له الأشرم: هلا [١١] سألتني الانصراف عن الذي قصدت له من هدم شرفك وهتك حرمتك؟ فجرى بينهما خطاب قد أثبتناه في حديث الفيل في آخر هذا الجزء، وقال عبد المطلب: (الرمل)
نحن أهل الله في حرمته [١٢] ... لم تزل فينا على عهد قدم [١٣]
vol. 1, p. 27إن للبيت [١] لرباًّ مانعا ... من يرده [٢] بأثام [٣] يخترم
[٤] وقال الله عز وجلّ: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً من لَدُنَّا ٢٨: ٥٧ [٥] . فمن مكارمهم في الجاهلية أنهم كانوا على حالة شركهم يترافدون على سقاية الحاجّ وإطعام أهل الموسم وحمل المنقطع به من الحاج ومعونته على بلاغ منزله، فكان القيّم بذلك في زمانه هاشم بن عبد مناف، فكانت قريش تجمع إليه الفضول من أموالها أيام الحج، ويقال: إنه كان عليه الربع من ذلك في ماله لما ذكرنا، وله يقول مطرود بن كعب الخزاعي: (الكامل)
-
عمرو [٦] العلى [٧] هشم الثريد لقومه ... ورجال [٨] مكة مسنتون [٩] عجاف
كانت [١٠] إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء و [١١] رحلة الأصياف
vol. 1, p. 28يا أيها الرجل المحوّل رحله ... هلا [١] نزلت بآل [١] عبد مناف
هبلتك أمك لو نزلت [٢] عليهم [٣] ... ضمنوك [٤] من جوع [٥] ومن إقراف
-
[٦] ثم قام به بعده ابنه عبد المطلب فزاد في سنة أبيه وأضعف في مكارم قريش، فكان إذا كان أيام الحج أعدّ للحجاج الطعام ووضع [٧] الأعلاف للوحوش وكان يسمى «مطعم الناس في السهل، والوحوش والسباع في الجبل» .
-
ومن مكارم قريش أن بيت الله كان في أيديهم ومفاتيحه كانت إليهم، لا يفتحه أحد من أهل الشرق والغرب غيرهم، فهذه مكارم فضلوا بها العرب والعجم، وقال الله تعالى يذكر عن قول إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ من ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً من النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ ١٤: ٣٧ [٨] فمكثوا في الجاهلية كذلك مع مكارم كثيرة هذه من مشهوراتها حتى وصل الله تبارك وتعالى لهم ذلك بالإسلام والنبوة والخلافة، وكانت قريش في الجاهلية أصراما [٩] متفرقين في كنانة فجمعهم قصى بن كلاب من كل أوب [١٠] بمكة فسموا قريشا، والتقرش التجمع، وفي ذلك يقول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب: (الخفيف)
ولنا نشرها وطيب ثراها ... وبنا سميت قريش قريشا
vol. 1, p. 29وفيهم يقول حذافة [١] العدوي: (الطويل) أبوكم [٢] قصي [٢] كان [٣] يدعى مجمّعا به جمّع الله القبائل من فهر/ وذكر هشام بن محمد عن بشر الكلبي عن أبيه قال: كان يقال لقريش قبل قصي بن كلاب: بنو النضر، وكانوا متفرقين في ظهر مكة [٤] ، لم يكن بالأبطح [٥] أحد منهم، فلما أدرك قصي بن كلاب واجتمعت عليه خزاعة وبنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وصوفة [٦] فمنهم الغوث بن مرّ [٧] بعث إلى أخيه من أمه رزاح [٨] بن ربيعة بن حرام [٩] بن ضنّة [١٠] بن [١١] عبد بن كبير [١١] بن عذرة [١٢] وأم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل [١٣] وهو خير [١٤] بن حمالة [١٥] بن عوف (بن
vol. 1, p. 30غنم- [١] بن عامر- وهو الجادر، أول من بنى جدار الكعبة- ابن عمرو بن جعثمة [٢] بن يشكر [٣] بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن معد بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، ولسعد بن سيل [٤] يقول هون [٥] بن أبي عمرو العذري: (الرمل)
ما أرى في الناس [٦] شخصا واحدا [٦] ... [٧] كلهم مثلك سعد [٧] بن سيل [٤]
فارس أضبط [٨] فيه هوج [٩] ... فإذا ما لقي [١٠] البأس نزل
فارس يستدرج الخيل كما ... استدرج [١١] الحر القطامي الحجل [١٢]
-
وكان جعثمة خرج أيام خرجت الأزد من مأرب فنزل في بني الديل [١٣] بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فحالفهم وزوّجهم [١٤] وزوجوه،
vol. 1, p. 31وكانت [١] فاطمة أم قصي عند كلاب بن مرة فولدت له زهرة، ثم مكث دهرا حتى شيّخ وذهب بصره./ ثم ولدت له قصيا [٢] ، قال هشام [٣] سمّي قصيا لأن أمه تقصّت به إلى الشام، وقدم ربيعة بن حرام [٤] العذري حاجا فتزوجها، فحملت قصيا غلاما معها إلى الشام فولدت لربيعة رزاحا [٥] وحنّا [٦] ، فجرى بين قصي وبين غلام من عذرة كلام فنفاه العذري وقال:
والله ما أنت منا! فأتى أمه فقال لها: من أبي؟ فقالت: ربيعة أبوك، فقال: لو كنت ابنه ما نفيت، قالت: فأبوك والله خير منه وأكرم، أبوك كلاب بن مرة من أهل الحرم، قال فو الله لا أقيم ههنا أبدا! قالت: فأقم حتى يأتي [٧] ابّان [٨] الحج! فلما حضر ذلك بعثته مع قوم من قضاعة وزهرة حي، فأتاه وكان زهرة أشعر وقصي أشعر فقال له قصي: أنا أخوك، فقال زهرة: ادن مني! فلمسه وقال: أعرف والله الصوت والشبه! ثم إن زهرة مات وأدرك قصي فأراد أن يجمع قومه بني النضر ببطن مكة فاجتمعت عليه خزاعة وبكر وصوفة [٩] فكثروه، فبعث إلى أخيه رزاح، فأقبل في جمع من الشام وأفناء [١٠] قضاعة حتى أتى مكة، وكانت صوفة هم يدفعون بالناس [١١] ، فقام رزاح على الثنية [١٢] ثم قال: أجز قصي! فأجاز بالناس، فلم تزل الإفاضة في بني قصي إلى اليوم، ثم أدخل بطون قريش كلها الأبطح [١٣] إلا محارب بن فهر والحارث بن فهر
vol. 1, p. 32وتيم الأدرم [١] بن غالب [٢] ومعيص بن عامر بن لؤي،/ فهؤلاء يدعون الظواهر فأقاموا بظهر مكة. إلا أن رهطا من بني الحارث بن فهر وهم رهط أبي عبيدة بن الجراح نزلوا الأبطح، فهم مع المطيّبين، وكان أول مال أصابه قصي [٣] بن كلاب أنه كان رجل من عظماء الحبشة أقبل إلى مكة بتجارة فباعها ثم انصرف يريد أهله فتبعه قصي وقتله وأخذ ماله فتزوج حبّى [٤] بنت حليل [٥] بن حبشيّة [٦] فولدت له أربعة نفر: عبد الدار، وعبد العزى، وعبد مناف، وعبد بني قصي، وكان قصي يقول: ولد لي أربعة نفر فسميت اثنين بإلهي وواحدا بداري وواحدا بنفسي، وكان قصي شريف أهل مكة لا ينازعه احد في الشرف، فابتنى دار الندوة [٧] ، ففيها كانت تكون أمور قريش فيما ينوبهم وفيما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة [٨] وما عساه [٨] ينوبهم حتى إن كانت الجارية لتبلغ [٩] أن تدرع فلا يشق درعها إلا فيها [١٠] تيمنا بها وتعظيما لها وتشريفا لأمرها وشأنها قال: فلما كبر قصي ورقّ [١١] جعل الحجابة والندوة والسقاية والرفادة واللواء لعبد الدار وكان أكبر ولده وكان ضعيفا مسنا، فخصه بذلك ليلحقه باخوته، وكانت الرفادة خراجا [١٢] تخرجه قريش من أموالها
vol. 1, p. 33لضيافة [١] الحاج، فلما هلك قصي أقام عبد مناف على أمر قصي وقام بأمر قريش فأسندت إليه قريش بعد موت أبيه أمورها واختطّ بمكة رباعا واتخذ أموالا بعد الذي كان قصي قطع لقومه، فهلك عبد مناف يوم هلك فكان ما سميّنا لعبد الدار، ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ذلك منهم وقالوا:
نحن أحق به، فأبت عليهم بنو عبد الدار فتفرقت قريش وتباينت عند ذلك وتشتّت أمرها وتفرقت كلمتها، وكان مع بني عبد مناف بنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم [٢] بن مرة وبنو الحارث بن فهر، وكان مع بني عبد الدار بنو سهم بن عمرو وبنو جمح [٣] بن عمرو وبنو مخزوم بن يقظة [٤] وبنو عدي بن كعب، وخرجت بنو عامر بن لؤي من الفريقين جميعا، فبنو عبد مناف وخلفاؤهم يقال لهم: المطيّبون، [٥] وبنو [٥] عبد الدار وحلفاؤهم يقال لهم: الأحلاف، فأخرجت عاتكة بنت عبد المطلب جفنة فيها طيب، فغمسوا أيديهم فيه فسموا المطيبين، ونحر الآخرون جزرا [٦] فغمسوا أيديهم في دمها فسموا الأحلاف ولعقة الدم،/ لأن الأسود بن حارثة العدوي لعق من الدم ولعقت معه بنو عدي، فلما كادوا يفشلون [٧] وعبّيت [٨] كل قبيلة لقبيلة فعبّيت [٩] بنو عبد مناف لبني سهم وبنو عبد الدار لبني أسد وبنو مخزوم لبني تيم [١٠] وبنو جمح لبني زهرة وبنو عدي لبني الحارث بن فهر، ثم إنهم مشوا في
vol. 1, p. 34الصلح على أن تعطى بنو عبد مناف السقاية وبنو أسد الرفادة وتركت الحجابة والندوة واللواء لبني عبد الدار، وقد كان المطيبون انطلقوا إلى كاهنة بمكة فقصوا عليها قصتهم وقصة أصحابهم، فقالت: صنعتم صنع النساء بغمسكم أيديكم في الطيب وصنعوا صنع الرجال بغمسهم أيديهم في الدم، قال أبو المنذر [١] : فجرى بين القوم الشر حتى كادوا يقتتلون، فصارت الحجابة واللواء لبني عثمان بن عبد الدار وليها يومئذ منهم أبو طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار وصارت الندوة إلى عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فلما كان زمن معاوية باع [٢] دار الندوة [٢] عكرمة بن عامر بن هاشم من معاوية بمائة ألف درهم فهي اليوم للامارة [٣] ، وإنما سميت الندوة لأن قريشا كانوا ينتدون فيها/ الخير والشر ويتيمنون [٤] بها لأنها دار قصي، وقال ابن قيس [٥] الرقيات: (الخفيف) [٦]
إنها بين عامر بن لؤي ... حين تدعى وبين عبد مناف
-
ولها في المطيبين جدود [٧] ... ثم نالت ذوائب [٨] الأحلاف
-
وذكروا أن أكثم [٩] بن صيفي قال: دخلت البطحاء بطحاء مكة، فإذا أنا ببني عبد المطلب يخترقونها كأنهم أبرجة الفضة، وكأن عمائمهم نوق الرجال ألوية، يلحفون الأرض بالحبرات [١٠] ، فقال أكثم: يا بني تميم! إذا
vol. 1, p. 35أراد الله أن ينشئ دولة أنبت لها مثل هؤلاء [١] ، هذا غرس الله لا غرس الرجال. قال هشام [٢] : لم يكن في العرب عدة بني عبد المطلب أشرف [٣] منهم ولا أجسم [٤] ، ليس منهم رجل إلا أشم العرنين يشرب أنفه قبل شفتيه [٥] ويأكل الجذع [٦] ويشرب الفرق [٧] وقال قرّة بن حجل [٨] بن عبد المطلب يوم أجنادين [٩] : (الكامل)
اعدد ضرارا [١٠] إن عددت فتى الندى ... والليث حمزة واعدد العباسا
واعدد زبيرا والمقوم [١١] بعده ... والصتم [١٢] حجلا والفتى الدرفاسا [١٣]
vol. 1, p. 36وأبا عتيبة [١] فاعددنه ثامنا ... والقرم [٢] عبد منافنا الجسّاسا [٣]
والقرم [٤] غيداقا [٥] تعد [٦] جحاجحا [٧] ... سادوا على رغم العدو الناسا
والحارث الفياض ولي ماجدا ... أيام نازعه الهمام الكاسا
ما في الأنام عمومة كعمومتي ... حقا [٨] ولا كأناسنا آناسا
قال: الفرق [٩] محركة الراء ستة عشر رطلا، والفرق مسكنة الراء مائة وعشرون رطلا، ومنه قالت عائشة رحمها الله: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة بذلك الإناء» وأشارت إلى ظرف يسع فرقا.
-
ولم يسلم من أعيان بني عبد المطلب إلا حمزة والعباس رحمهما الله، قال والعقب من بني عبد المطلب للعباس وأبي طالب والحارث وأبي لهب، وقد كان للزبير والمقوم وحجل أولاد لأصلابهم [١٠] فهلكوا وكان ضرار بن عبد المطلب من فتيان قريش جمالا وعقلا وهيبة وسخاء وإن أمه نتيلة [١١] أضلته، فكاد
vol. 1, p. 37عقلها يذهب جزعا عليه وكانت كثيرة المال، فجعلت تنشد في المواسم وتقول:
(الرجز)
أضللته أبيض لوذعيا [١] ... لم [٢] يك مجلودا [٣] ولا دعيّا
وقالت: (الرجز)
أضللته أبيض كالخصاف [٤] ... للفتية الغر بني مناف
ثم لعمري منتهى الأضياف ... هذي [٥] لفهر [٥] سنة الإيلاف [٦]
-
/ فجعلت لمن جاء به هنيدة [٧] ونذرت أن تكسو البيت إن رده الله عليها، فمر بها حسان بن ثابت حاجا في نفر من قومه فرأى [٨] جزعها عليه، فقال [٩] : (الطويل)
وأم ضرار تنشد [١٠] الناس والها ... فيا لبني النجار ماذا أضلّت
ولو أن ما تلقى [١١] نتيلة غدوة [١٢] ... بجانب [١٣] رضوى [١٤] مثله ما استقلت
vol. 1, p. 38فأتاها به رجل من جذام، فوفت له بجعلها وكست البيت ثيابا بيضا وجعلت تقول: (الرجز)
الحمد لله ولي الحمد ... والذي هوّن من وجدي
إذ رد ذو العرش على ولدي ... من بعد [١] ان جوّلت في [٢] معد [٣]
-
اشكره ثم أفي بعهدي