٤ - المميزات التى انفرد بها الكتاب

11 paragraphs · vol. 1, p. 47

  1. إن المطلع على كتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز لأبي عبيد يظفر بكتاب امتاز بمزايا عدة من جودة التصنيف وحسن التبويب والأمانة العلمية في الغالب عند الأخذ والترك والقبول والرفض- لأي حكم من الأحكام المدعى عليها- بأنها مما تضمنه نص في الكتاب العزيز، أو المدعى عليها بأنها من المنسوخ.

    vol. 1, p. 47
  2. كما يظفر بقدرة أبي عبيد على الجمع بين النصوص والآثار التي ظاهرها التعارض وقدرته على استنباط الأحكام من مواطنها في نصوص الكتاب.

    vol. 1, p. 48
  3. وإليك شواهد من صلب الكتاب من خلالها تتضح المزايا التى تحلى بها أبو عبيد أثناء معالجته للقضايا والأحكام:

    ١ - اعتماده في صناعة أبواب الكتاب طريقة لم يتقدمه إليها أحد فيما أعلم ولم يحذ مسلكه ممن جاء بعده ممن صنف في الناسخ والمنسوخ. إذ قسّمه إلى ثلاثين بابا حسب الموضوعات أولها فضل علم الناسخ والمنسوخ وتأويل النسخ ثم أعقبه بذكر أبواب في: الصلاة، الزكاة، الصيام، النكاح، الطلاق، الحدود، الشهادات، شهادة أهل الكتاب، المناسك، الجهاد، الأسارى، المغانم، الاستئذان، المواريث، الوصية، اليتامى، الحكم بين أهل الذمة، الطعام، الشراب، السكر، قيام الليل، النجوى، التقوى، التوبة عند الموت، توبة القتل، مؤاخذة العباد بما تخفي النفوس، الإكراه في الدين، الاستغفار للمشركين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

  4. وفي كل باب من هذه أورد الآيات المدعى عليها النسخ مما له تعلق بالباب وناقشها.

  5. وإنما اعتبرت تبويبه على درجة من الحسن والجودة لأن علم الناسخ والمنسوخ مجاله الأحكام واعتماد المسلك الفقهي في معالجة قضايا النسخ أدعى إلى حصر النصوص محكمها ومنسوخها في الباب الواحد فيحصل بذلك تيسير الانتفاع وتسهيل الطلب.

  6. ٢ - ما يتصل بتأويله للآيات ومناقشته للخلاف والوصول إلى الراجح فإنك تجده مثلا في المقدمة استعرض معنى قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها والقراءات فيها ثم ذكر المعنى الراجح لديه في تأويلها (١) .

  7. كما تجده في باب الصيام في معرض ذكره للقضاء والإطعام لكل من الحامل والمرضع والخلاف فيه، ذكر الراجح لديه في كل منهما (١) .

    vol. 1, p. 49
  8. ٣ - وما يتعلق بالجمع بين الآثار التي ظاهرها التعارض فإنك تجده بعد ذكره لأقوال الذين ذهبوا إلى تحريم نكاح المرأة الفاجرة وذكره لأقوال الذين ذهبوا إلى إباحة نكاحها يوفق بين التعارض بحمل قول من قال بالإباحة أنه مخصوص بالتوبة، فإن بدر منها توبة بعد فجورها حل نكاحها (٢) .

  9. ٤ - وفي مجال الرد على المخالفين في مسائل النزاع تلمس فيه قوة الرد وشدة المقارعة للخصوم بالحجة والبيان وكمثال على ذلك: قوله في باب شهادة أهل الكتاب بعد ذكره للخلاف في تأويل آية الوصية في السفر ومن المعنى بقوله: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ. يقول: وأما تأول الحسن: من قبيلتكم أو من قبيلة غيركم، فكيف يصير أهل المخاطبة بالآية من غيرهم وإنما خاطب الله بها أهل التوحيد كافة. فقال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ فلم يبق أحد منهم إلا قد خوطب بها، فكيف يجوز أن يقال: من غيركم؟ إلا من كان خارجا منها، وأما قول ابن شهاب: إنها في أهل الميراث يتهم بعضهم بعضا فأنى يكون هذا؟ وإنما سماها الله لنا شهادة ثم أعاد ذكرها في الآية وأبداه مرارا فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ وقال:

    لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وقال: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها (٣) .

  10. وهذا يتأولها في الادعاء من بعض الورثة على بعض فإنما هم مدّعون ومدّعى عليهم، فأين الشهادة من الدعوى؟ وكيف يقال للمدعي شاهد، فهذان نوعان من التأويل لا أعرف لهما وجها، وليس أحد من الناس إلا وقد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلّى الله عليه وسلم (٤) .

  11. ٥ - وفى مجال استنباط الأحكام من النصوص وتوسيع مدلولها وإدخال ما ليس فيه نص تحت حكم ما دل عليه النص للتشابه بين القضيتين. تجد أبا عبيد أبدع في هذا المجال وأجاد إذ يقول في باب اليتامى: ومخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم قدر ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه وذلك قوله عز وجل: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ (١) .

    ثم قال أبو عبيد: وهذا عندي أصل للشاهد الذي تفعل الرفاق في الأسفار ألا ترى أنهم يتخارجون النفقات بالسوية، وقد يتباينون في قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل طعامه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه، فلما جاء هذا في أموال اليتامى واسعا، كان في غيرهم بحمد الله ونعمته أوسع لولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس (٢) .

    vol. 1, p. 50