٥ - المآخذ التي لاحظتها على الكتاب
12 paragraphs · vol. 1, p. 50
- vol. 1, p. 50
أيا كانت جهود البشر فهي عرضة للقصور والنقص والخطأ، وما من إنتاج علمي بلغ الذروة فوصل به صاحبه من جودة التصنيف وجمال التأليف مبلغا لم يسبق إليه إلا وسيأتى بعده من يستدرك عليه ويرصد هفواته ويكشف عن مواضع النقص فيه. وليس القيام بهذا العمل دليلا على تفوق من قام به على من استدرك عليه إذ قد يستدرك العاجز عن التصنيف على من بلغت مصنفاته الآفاق وتداولها الناس، وانتفعوا بها على مر الأعصار.
-
ومن هنا سمحت لنفسي أن أتطاول على أبي عبيد في مصنفه «الناسخ والمنسوخ» فأسجل أمورا اعتبرتها من المآخذ عليه، فإن أكن وفقت للسداد، فذلك ما كنت أرجوه، وإن كانت الأخرى فحسبي ما بذلت من جهد.
- vol. 1, p. 51
١ - اقتصر عند ذكره للصلاة علي النبي صلّى الله عليه وسلم على لفظة: صلى الله عليه، وهذا أسلوب مستغرب لم أجد أن أحدا من علماء السلف اصطلح عليه، مما يوهم القارئ للكتاب أن مؤلفه يسقط مشروعية السلام على النبي صلّى الله عليه وسلم مع الصلاة عليه وذلك ثابت بنص الكتاب في قوله جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (١) .
-
ولقد التزم أبو عبيد هذا الأسلوب في الصلاة على النبي في كتابه:
«الناسخ والمنسوخ» في معظم المواطن التى ورد فيها ذكر النبي صلّى الله عليه وسلم، كما التزمه كذلك في كتابه الإيمان، بينما في كتبه الأخرى فضائل القرآن، الأموال، غريب الحديث، ذكر الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بكمالها.
-
٢ - تركه للترجيح في قضايا ادعى عليها أقوام النسخ وخالفهم فيها آخرون إذ عرض أقوال الطرفين وسكت فلم يتتبع الخلاف ولم يورد المذهب الذي يميل إليه.
-
وكمثال على ذلك: في باب الزكاة عند ذكره لآية النساء وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٢) .
-
أورد الخلاف في إحكام الآية أو نسخها فبسط أقوال القائلين بالإحكام وأقوال المدعين للنسخ ثم ترك الأمر من غير ترجيح أو تعقيب (٣) .
-
وفي باب الحدود عند ذكره لآية المائدة فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (٤) ودعوى نسخها بآية: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ (٥) تجده أورد
vol. 1, p. 52الآثار الدالة على النسخ والآثار الدالة على الإحكام ثم ترك الأمر بلا ترجيح أو تعقيب (١) .
-
٣ - أبو عبيد عند تناوله لبعض أبواب الكتاب يكتفي بإيراد الآثار والأحاديث ذات الصلة الوثيقة بالموضوع دون أدنى مناقشة لتلك النصوص والأقوال أو تتبعها بالتعقيب لاستنباط ما تضمنته من دلائل وأحكام.
-
تبرز هذه الظاهرة في كل من باب قيام الليل، باب النجوى، باب التقوى، باب مؤاخذة العباد بما تخفي النفوس، باب الاستغفار للمشركين.
-
إذ يواجه القارئ- لمحتوى أي باب من تلك الأبواب- بمجموعة من الآثار المروية بأسانيدها مجردة من التعليق والإبانة والتحليل (٢) .
٤ - يلاحظ على أبي عبيد أيضا تكرير بعض الأبواب حيث نصب بابا للجهاد ناسخه ومنسوخه ... صدّره بقوله:
وجدنا نسخ الجهاد في أربع خلال منها اثنتان في القتال وثالثة في الأسارى ورابعة في المغانم ... (٣) .
-
ثم تجده يفرد بابا مستقلا للأسارى وآخر للمغانم (٤) وقد عدهما من قبل ضمن باب الجهاد، كما تكررت الظاهرة نفسها في باب الشراب وما نسخ من حله بالتحريم (٥) إذ أعقبه بباب في السكر وما فيه (٦) .
قلت: ولعل إفراد باب للأسارى والمغانم مع اعتبارها عند أبي عبيد داخلة
vol. 1, p. 53تحت الجهاد وإفراد باب للسكر مع اعتباره داخل تحت الشراب، لعل ذلك تصرف من الراوي الذي أخذ عن أبي عبيد الناسخ والمنسوخ أو من أحد النساخ.