٦ - مفهوم أبي عبيد لمصطلح الناسخ والمنسوخ

27 paragraphs · vol. 1, p. 53

  1. قبل الدخول في بيان هذا المصطلح عند أبي عبيد لا بدّ من الإشارة إلى مفهوم النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين وأهل العصر الأول للتدوين وعند من جاء بعد ذلك من الأصوليين زمن تحديد المصطلحات والفصل بين العلوم والفنون.

    vol. 1, p. 53
  2. فالسلف كان مصطلح النسخ عندهم واسعا يدخل تحته أمور عدة منها تخصيص اللفظ العام والاستثناء وتقييد المطلق وتبيين المجمل ونحو ذلك.

  3. والمتأخرون كان مصطلح النسخ عندهم مقصورا على إزالة وإبطال الحكم المتقدم الثابت بالدليل بحكم متراخ عنه ثابت بدليل آخر.

  4. ومن هنا فلا غرابة أن يجد المطلع على مرويات الصحابة والتابعين المبثوثة في كتب التفسير بالمأثور، أقوالا كثيرة صرحوا فيها بالنسخ بين أجزاء الآية الواحدة، أو حكموا بنسخ نصوص الأخبار التي لا مجال للنسخ فيها، وإليك أمثلة من هذه المرويات:

    ١ - قال ابن عباس في قوله جل ذكره: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (١) هو منسوخ بقوله:

    إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً (٢) .

  5. ٢ - وقال وهب بن منبّه في قوله: جل ذكره: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ (١) نسختها الآية التي في غافر: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (٢) ٣ - وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: إنّ قوله جل ذكره: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٣) منسوخ بقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الآية (٤) .

    vol. 1, p. 54
  6. ولقد أشار إلى منهج السلف هذا في الناسخ والمنسوخ عدد من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى حيث يقول: وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك (٥) .

  7. ومنهم الإمام الشاطبي في موافقاته حيث يقول: يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا،

    وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد (٦) .

  8. ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله حيث يقول: مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر تارة أخرى. إما بتخصيص عام أو تقييد مطلق وحمله على المقيد وتفسيره

    vol. 1, p. 55وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة ناسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر ... إلى أن قال ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر اهـ (١) .

  9. وعند ما يقال منهج السلف فإنما يراد به ما قبل الإمام الشافعي رضي الله عنه إذ أنه أول من فرق بين النسخ وغيره من التخصيص والاستثناء وتقييد العام وتبيين المجمل فجعل مصطلح النسخ خاصا بما أبطل الحكم المتقدم الثابت بالدليل الشرعى.

  10. يقول في الرسالة: ومعنى نسخ: ترك فرضه (٢) ، ويقول أيضا: وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة وكل منسوخ في كتاب وسنة هكذا (٣) .

  11. فمراده بقوله: (ترك فرضه) إبطال العمل بالمنسوخ.

  12. ومراده بقوله: (وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض) أن النسخ إبطال لحكم المنسوخ وترك العمل به وإثبات لحكم آخر يحل محله.

  13. ومن قوله هذا يتبين أن الإمام الشافعي حصر مصطلح النسخ بأنه رفع وإبطال للحكم المنسوخ.

  14. فليس للتخصيص أو الاستثناء أو تقييد العام وما أشبه ذلك ليس لها مكان في هذا المصطلح. قال مصطفى زيد بعد نقله لهاتين العبارتين عن الإمام الشافعي: ذلك أنه فسر النسخ بالترك ثم قرر لازمه وهو: أنه لم ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض، فأفاد بمجموع الكلمتين أن النسخ رفع يلزمه إثبات، وهو المعنى العام الذي يفهم بوضوح من استعمال الشافعي للكلمة في رسالته

    vol. 1, p. 56مع تعدد المواضع الذي استعملها فيها وكثرتها، فإذا نحن ضممنا إليه حديثه عن التخصيص بعد ذلك واختياره المثال الذي ضربه له من المخصص المنفصل وهو آيات اللعان بعد آية حد القذف، أدركنا عن يقين أن النسخ عنده إنما يراد به رفع الحكم الأول كله، وهذا عنده يقتضي إثبات غيره مكانه، أما رفع بعض الحكم الأول فهو عنده تخصيص للعام ولو انفصل عنه (١) .

  15. وأبو عبيد الذي عاصر الإمام الشافعي وأخذ عنه قد التزم في كتابه مفهوم السلف لمصطلح الناسخ والمنسوخ فاعتبر رفع الحكم الشرعي الثابت بدليل متقدم بحكم متراخ عنه ثابت بدليل متأخر، والاستثناء، وتخصيص العام، وتقييد المطلق وتبيين المجمل وإبطال مفهوم علق بالأذهان وهو غير مراد من النص. اعتبر ذلك كله داخلا في مصطلح النسخ.

  16. وهذه أمثلة من الكتاب نفسه من خلالها يتضح مفهوم أبي عبيد لمصطلح الناسخ والمنسوخ:

    ١ - ذكر أبو عبيد في باب الصيام حديث عدي بن حاتم الذي قال فيه: لما نزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ (٢) عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض ...

  17. الحديث (٣) .

  18. وبعد أن ذكر أحاديث غيره تتعلق بالصوم قال أبو عبيد: فهذا ما كان من نسخ الطعام والشراب والنكاح في الصوم.

  19. فاعتبر إزالة المفهوم الباطل للآية الكريمة الذي علق بذهن عدي بن حاتم اعتبره نسخا.

  20. ٢ - في باب النكاح قال أبو عبيد: وأما الحرام الذي نسخه الحلال

    vol. 1, p. 57فنكاح نساء أهل الكتاب. ثم أورد أثرا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ (١) قال: ثم استثنى أهل الكتاب فقال: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٢) . وذكر بعده أثرا عن الأوزاعي شبيها بالأول ثم عقب أبو عبيد على ذلك بقوله: فرأي ابن عباس والأوزاعي أن الناسخ من الآيتين هي هذه التي في المائدة (٣) .

    قلت: عدّ أبو عبيد الاستثناء المصرح به في قول ابن عباس نسخا وفي ذلك دلالة على اعتماده مفهوم السلف للنسخ.

  21. ٣ - وفى باب الطلاق وما جاء فيه قال أبو عبيد: أما الطلاق فإنا لا نعلم فيه ناسخا ولا منسوخا إلا فى موضعين: فدية الخلع، وعدة الوفاة.

  22. فأما الفدية فإن حجاجا حدثنا عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس فى قوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً (٤) قال: ثم استثنى فقال: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ .... (٥) .

    قلت: وقول ابن عباس صريح فى الدلالة على الاستثناء إذ أن «إلا» أخرجت المستثنى الذي بعدها عن دخوله في التحريم المنصوص عليه بأول الآية.

  23. وقد سمى أبو عبيد هذا الأسلوب نسخا جريا على طريقة السلف.

  24. ٤ - وفي باب الشهادات قال أبو عبيد: قوله عز وجل: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ

    vol. 1, p. 58أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ثم قال بعد ذلك: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (١) فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها وأن التوبة لهؤلاء جميعا بمنزلة واحدة (٢) .

    قلت: قد سمى أبو عبيد الاستثناء نسخا جريا على مصطلح السلف.

  25. ٥ - ومن باب اليتامى أذكر هذا المقال الذي به أختم عرض الأمثلة.

    قال أبو عبيد: والذي دار عليه المعنى من هذا أن الله عز وجل لما أوجب النار لآكل أموال اليتامى (٣) أحجم المسلمون عن كل شيء من أمرهم حتى مخالطتهم كراهية الحرج فيها. فنسخ الله عز وجل ذلك بالإذن في المخالطة والإذن في الإصابة من أموالهم بالمعروف (٤) إذا كانت لوالى تلك الأموال الحاجة إليها (٥) .

    قلت: اعتبر أبو عبيد إزالة الحرج الواقع في نفوس الصحابة من مخالطة اليتامى، نسخا.

  26. وبعد هذا الاستطراد في ذكر مفهوم السلف لمصطلح الناسخ والمنسوخ الذي التزم به أبو عبيد في كتابه هذا. أصبح من اليسير أن نجد آيات عديدة حكم عليها أبو عبيد بالنسخ وأن نجد آثارا عدة تضمنت التصريح بالنسخ مما لا مجال للتعارض فيه بل الجمع بين النصوص ممكن بيسر وسهولة.

  27. إنه لمن الخطأ البين والتطاول الواضح أن نحكم على واحد من علماء السلف الأجلاء بأنه كان مسرفا فى القول بالنسخ، قبل الكشف عن مراده بقوله: هذا النص أو الحكم منسوخ.