فصل الغين والباء
5 paragraphs · vol. 3, p. 150
- ع ب ر:
-
قوله تعالى: {إلا عجوزًا في الغبرين} [الشعراء:١٧١] . قيل: الغابر من الأضداد؛ يقال: غبر: مضى وذهب. وغبر: بقى. وقيل: الغابر: الماكث بعد مضي من معه. فقوله: {إلا عجوزًا في الغابرين} يعني فيمن طالت أعمارهم. وقيل: فيمن بقي ولم يسر مع قوم لوطٍ. وقيل: فيمن بقي في العذاب. وفي الحديث: «أن اعتكف العشر الغوابر في رمضان» أي البواقي المتأخرة ومن مجيء غبر بمعنى مضي قول الأعشي: [من السريع]
١١٢٥ - عض بما أبقى المواسي له ... من أمه في الزمن الغابر
أي غبر بمعنى بقي. قولهم: الغبرة: لبقية اللبن في الضرع. وجمعها أغبار. وغبر الحيض وغبر الليل: بقيتهما. ومنه في حديث عمرو بن االعاص: «ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي» هو جمع غبرة. وقال أبو عبيدٍ: الغبرات: البقايا، الواحد غبرة وغبر جمع غابرٍ، فهو جمع الجمع. وهو تكلف لم تدع إليه ضرورة، أخبر أنه لم تتول تربيته الإماء، كذا فسره الهروي. وفسره غيره بأنه لم تحمله الزواني في بقية حيضهن. وأنشد لأبي كبيرٍ الهذلي: [من الكامل]
١١٢٦ - ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعةٍ وداءٍ مغيل
ومن ذلك الغبار: لما يبقى من التراب المثار، جاء على مثال الدخان والعباب ونحوهما من بقايا الأشياء. وغبر الغبار: ارتفع. قال بعضهم: يقال للماضي غابر تصورًا
vol. 3, p. 151لمضي الغبار عن الأرض، وقيل للباقي غابر تصورًا بتخلف الغبار وما كان على لونه. وعليه قوله تعالى: {عليها غبرة} [عبس:٤٠] كما وصفها بالسواد في موضعٍ آخر. ويكنى بذلك عن تغير الوجه للغم والحزن؛ يقال: غبر يغبر غبرة، واغبر واغبار. وفي الحديث: ( «بفنائه أعنز درهن غبر» ) أي قليلة. وقيل ذلك للونها. والغبراء: الأرض، لما عليها من الغبار. وفي الحديث: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجةٍ أصدق من أبي ذر» . وأنشد لطرفة بن العبد: [من الطويل]
١١٢٧ - رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطرف الممدد
وفي الحديث: «إياكم والغبيراء فإنها خمر الأعاجم» فسرها أبو عبيدٍ فقال: هي ضرب من الشراب تتخذه الحبشة من الذرة وهي السكركة. وبعضهم يتوهم أنها الحشيش المتعارف بين الحرافيش. وقال الراغب: الغبيراء نبت معروف وثمر معروف على هيئته ولونه. ويقولون: أخذته داهية الغبر، وهو من قولهم: غبر الشيء، أي وقع في الغبار، كأنها تغبر الإنسان. وقيل: هي من الغبر أي البقية. قال: والمعنى: داهية باقية لا تنقضي، أو من غبرة اللون؛ كقولهم: داهية زباء، أو من غبرة اللبن فكأنها الداهية التي إذا انقضت بقى لها أثر. أو من قولهم: عرق غبر، أي ينتقض مرةً بعد أخرى. وقد غبر العرق يعبر.
- غ ب ن:
-
قوله تعالى: {ذلك يوم التغابن} [التغابن:٩] هو. تفاعل من الغبن. وفي التفسير: أن الرجل يكسب مالًا عليه وزره، فيعاقب به يوم القيامة. ثم يرى غيره قد ورث ذلك المال عنه، فعمل فيه بالطاعة فيثاب عليه. فلا يرى أغبن منه حيث سعد غيره بما شقي هو به. وقال بعضهم: قيل ليوم القيامة يوم التغابن لظهور الغبن في المبايعة المشار إليها بقوله تعالى {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الناس} [البقرة:٢٠٧] وبقوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} [التوبة:١١١] والمشار إليها بقوله
vol. 3, p. 152تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا} [آل عمران:٧٧] فعلم أنهم قد غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوه من ذلك جميعًا. وقال بعضهم: معناه: أن الأشياء تبدو لهم بخلاف ما قدروها.
قلت: وهو في معنى قوله تعالى: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتبسون} [الزمر:٤٧] وقال بعضهم: لأن فيه يغبن أهل الجنة أهل النار، وضرب الله الشري والبيع لذلك مثلًا، كما قال تعالى: {هل أدلكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليمٍ} [الصف:١٠] وقال تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة:١٦] . وأصل الغبن: الإخفاء ومنه: الغبن بالفتح للموضع الذي يختفي فيه الشيء. وأنشد: [من البسيط]
١١٢٨ - لم أر مثل الفتيان في غبن الـ ... أيام ينسون ما عواقبها
ومغابن الإنسان: ما تثنى من أعضائه كالفخذين والمرافق. ومنه قولهم في المرأة: طيبة المغابن. ثم جعل الغبن عبارةً عن تحسينك صاحبك في معاملةٍ بينك وبينه بضربٍ من الإخفاء. إلا أنهم فرقوا بين المعنيين في المال وفي الرأي فقالوا في المال والبيع: غبنه يغبنه غبنًا بالسكون في غبنٍ المصدر، وبالفتح في ماضيه، وبالكسر في مضارعه. وغبن فلان رأيه يغبنه غبنًا بفتحها في المصدر، وكسرها في الماضي، وفتحها في المضارع.
-
وقيل: أصل الغبن: النقص؛ ومنه: غبن فلان ثوبه إذا ثنى طرفه فقصر بذلك من طوله ونقصه. وفي الحقيقة راجع إلى ما ذكرته من الستر والخفاء، لأن فيه ستر ذلك الطرف. والغبن بالفتح: ما يتساقط من أطراف الثوب الذي تقطع.