فصل النون والجيم
35 paragraphs · vol. 4, p. 141
- ن ج د:
-
قوله: {وهديناه النجدين} [البلد:١٠] أي عرفناه طريقي الخير والشر كقوله تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا} [الإنسان:٣]
-
وأصل النجد المكان الغليظ المرتفع، وجمعها نجاد. فجعل طريق الخير والشر، وإن كانت معنوية بمنزلة الطريق الحسية. ومن ذلك نجد للمكان المرفوع، لأنه مرتفع عن التهائم. قال الشاعر: [من الطويل]
١٥٩٥ - فإن تدعي نجدًا أدعه ومن به ... وإن تسألي نجدًا فيا حبذا نجد
وقال مجاهد: النجدان هنا: الثديان. أي ألهمناه أن يلتقمهما فيرضع منهما. وقيل: بينا له طريق الحق والباطل في الاعتقاد، والصدق والكذب في المقال، والجميل والقبيح في الفعال.
- vol. 4, p. 142
والنجاد: حميلة السيف، وبها كني عن طول القامة. قولهم فلان رفيع العماد، طويل النجاد، كثير الرماد. قال الشاعر: [من الكامل]
١٥٩٦ - قصرت حمائله عليه فقلصت ... ولقد تحفظ قينها فأطالها
وفي حديث الشورى ((وكانت امرأة نجودًا) ) أي ذات رأي. وفي حديث: ((إلا من أعطى في نجدتها ورسلها) ). قال أبو عبيد: نجدتها: كثرة شحومها حتى تمتنع به أن ينحرها ضنًا بها، فكان ذلك بمنزلة السلاح لها.
-
والنجدة: الإعانة. واستنجدته: طلبت نجدته فأنجدني، أي أعانني بنجدته. واستنجد فلان أي، قوي. وقيل للمكروب: منجد، كأنه نالته نجدة، أي شدة. ونجدة الدهر حنكه لكثرة نجادته. وقيل: معناه قواه وشدده، وذلك لما رأي فيه من التجربة. ومنه: هو ابن نجدة كذا.
-
والنجاد: ما يرفع به البيت. والنجاد: متخذه. والنجاد أيضًا: ما يرفع به السيف من ستر ونحوه.
-
والناجود: الراووق، شيء يعلق ويصفى به الشراب، وأنشد لعلقمة بن عبدة: [من البسيط]
١٥٩٧ - ظلت ترقرق في الناجود يصفقها ... وليد أعجم بالكتان مغروم
ورجل نجد ونجد ونجيد، أي: شجاع قوي لما فيه من النجدة، وأنشد للنابغة الذبياني: [من البسيط]
١٥٩٨ - فهاب ضمران منه، حين يوزعه ... طعن المعارك، عند المحجر، النجد
vol. 4, p. 143ونجدت البيت: زينته بالفرش. ومنه الحديث: ((وعليها مناجد من ذهب) )، قال أبو عبيد: هي الحلي المكلل بالفصوص. وقيل: هي قلائد من لؤلؤٍ وذهبٍ وقرنفلٍ، كأنها من نجاد السيف، الواحد منجد، بكسر الميم. وفي آخر: ((أنه عليه الصلاة والسلام أذن في قطع المنجدة) ) يعني من الحرم. والمنجدة: عصا تساق بها الدابة.
-
وسمي النجاد نجادًا لأنه يرفع الثياب بحشوها. وفي الحديث: ((وعلى أكتافها يعني الإبل مثل النواجد شحمًا) ) أي طرائق الشحم. والواحد ناجدة، قيل ذلك لارتفاعها.
- ن ج س:
-
قوله تعالى: {إنما المشركون نجس} [التوبة: ٢٨] أي ذو نجس. وقيل: جعلهم نجسًا مبالغة. وقيل: النجس: كل مستقذر. فإذا قرن بقولهم: رجس وجب كسر فائه وسكون عينه ليسا قرينة. فيقال: هذا نجس رجس.
قال بعضهم: النجاسة: القذارة، وهي ضربان: ضرب يدرك بالحاسة، وضرب يدرك بالبصيرة. وعلى الأول وصف الله المشركين بالنجس.
-
وقيل: نجسه: جعله نجسًا، وعلى الثاني تنجيس العرب، وهو شيء كانوا يعلقونه على الصبي من عودة، ليدفعوا بها نجاسة الشيطان. والناجس والنجيس: داء لا دواء له. ويقال: نجس ينجس، ونجس ينجس.
- ن ج ل:
-
قوله تعالى: {التوراة والإنجيل} [آل عمران: ٣] والإنجيل: أحد الكتب الأربعة.
-
المنزل على عيسى ابن مريم. وأكثره مواعظ وأمثال، وأحكامه قليلة جدًا، لأن عيسى جاء
vol. 4, p. 144مقررًا لأحكام التوراة إلا يسيرًا. واختلف الناس فيه هل له اشتاق أم لا؟ والظاهر لا اشتقاق له أنه أعجمي. ثم القائلون باشتقاقه اختلفوا؛ فقال بعضهم: سمي لاستخراجه من عند الله تعالى على يد عيسى عليه السلام. ومنه النجيل لخروجه من الأرض، ومنه قيل للولد: نجل. وأنشد: [من المنسرح]
١٥٩٩ - أنجب أيام والديه به ... إذا نجلاه، فنعم ما نجلا
ومنه الحديث: ((كان يطلب نجلها) ) أي ولدها. ومنه قولهم: قبح الله ناجليه أي، والديه. وقال آخرون: من النجل، وهو الماء الذي ينز من الأرض، يعني أنه يشبه الماء الذي ينزه من وجهين: كونه مستخرجًا، وكونه يحيي به النفوس كما يحيي بالماء. ومنه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ((وكان واديها يعني المدينة نجلًا يجري) ).
وقال آخرون: الإنجيل: كل كتاب مسطور وافر السطور، قاله شمر. فعلى هذا يكون علما بالغلبة. وقال بعضهم: هو من قولهم: نجل، أي علم. وأنشد لبلعاء بني قيس: [من الطويل]
-
١٦٠٠ - وأنجل في ذاك الصنيع كما نجل
أي اعمل واصنع. وفي الحديث: ((أناجيلهم في صدورهم) ) يعني كتبهم. وذلك إشارة إلى أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يحفظون القرآن عن ظهر قلب، بخلاف غيرهم، فإنه لا يحفظ كتابهم إلا نبي واحد نادر. ولذلك لما أنكر العزيز قومه قال: دليلي أني أحفظ التوراة. وكان لا يحفظها إلا هو في قصةٍ مشهورةٍ.
- ن ج م:
-
قوله تعالى: {والنجم والشجر يسجدان} [الرحمن: ٦] قيل: النجم: ما لا ساق له كاليقظين والقثاء والبطيخ، والشجر ماله ساق. قوله: {والنجم إذا هوى}
- vol. 4, p. 145
[النجم: ١] قيل: أراد جنس كوكب فدل بالواحد على الجمع، وقيل: أراد كوكبًا بعينه وهو الثريا. وقد صار علمًا غالبًا عليها كالعيوق والدبران. ومنه قول العرب: [من مجزوء الرمل]
١٦٠١ - طلع النجم غذيه ... وابتغى الراعي شكيه
قيل: وإنما نص الله تعالى على هوية دون طلوعه، لأن الطلوع قد فهم من نفس مادة النجم. يقال: نجم قرن الشاة، أي طلع. وقيل: أراد به القرآن، وبهويه نزوله على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن القرآن نزل نجومًا، أي مفرقًا كقوله: {وقرآنا فرقناه لتقرأ على الناس على مكث} [الإسراء:١٠٦] . ومنه نجوم الكتابة لأنها مفرقة في الإيتاء.
-
قوله تعالى: {وبالنجم هم يهتدون} [النحل: ١٦] قيل: أراد به نجمًا بعينه كالنجم والفرقدين والثريا ونحوهما، مما يستدل به على المسير لجهة خاصة. ويجور أن يريد به جنس النجوم، فصار النجم يطلق على الكوكب تارة وعلى المصدر أخرى، إما بطريق الاشتراك، وإما بطريق التسمية بالمصدر. وكذا لفظ النجوم يطلق على جمع النجم تارة وعلى المصدر أخرى، ثم شبه طلوع النبات والرأي بطلوع الكوكب فقيل: نجم النبات، والنبات نفسه نجم كما مر، وإن اختص بنوع من النبات مما لا ساق له. ونجم له رأي، أي طلع وظهر. وقيل هذا في قوله {فنظر نظرة في النجوم} [الصافات: ٨٨] أي فيما نجم له من الرأي. وليس بظاهر، بل معناه انه وري لهم بذلك. وذلك أن القوم كانوا يقولون بعلم النجوم، فقال لهم: إني نظرت في علم النجوم وظهر لي أني سأسقم. وقصد بذلك التخلف في البيوت يوم عيدهم، ليفعل ما فعل من حطم الأصنام كما في القصة المشهورة. ويجوز أن يريد في النجم الفلاني، فدلني على قسمي أي على زعمكم. وإلا فأنبياء الله مبرؤون من ذلك، لا سيما خليل الرحمن.
-
ونجمت المال على فلان: فرقته عليه في الأداء. وأصله أن يفرض قسطًا عند طلوع النجم الفلاني مثلا، ثم صار مطلقًا في كل تفريق وإن لم يكن بطلوع نجمٍ.
-
قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: ٧٥] فسر بنجوم القرآن وبالكواكب.
- vol. 4, p. 146
ويؤيد الأول قوله: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم} [الواقعة: ٧٦ - ٧٧] .
- ن ج و:
-
قوله تعالى: {وأنجينا الذين آمنوا} [النمل: ٥٣] أي خلصناهم وأصل النجاة الانفصال من الشيء والتقصي منه. وذلك أن النجاة في الأصل المكان المرتفع، لأنه خلص عما حواليه من الأمكنة. وقيل: لأنه نجا من السيل. والناجي كأنه حل في ذلك المكان، ثم أطلق على كل خلاص.
-
قوله تعالى: {فاليوم ننجيك ببدنك} [يونس: ٩٢] أي نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس فيعرفوك. وذلك أنه لما أغرق الله فرعون وملأه، قال بنو إسرائيل: لم يغرق فرعون. فسأل موسي ربه، فلفظ البحر من جوفه على ربوة من الأرض، وعليه درعه المعروفة. وهي التي عنى بها الباري تعالى في قوله {ببدنك} أي عريانا مجردا من ثيابك ليعرفك الخاص والعام.
-
ونجيته وأنجيته لغتان، وقد قرئتا. والتنجية: الإزالة. ومنه قشر الشجرة وجلد الشاة: سلخته. وأنشد قول الشاعر: [من الطويل]
١٦٠٢ - فقلت: انجوا عنها نجا الجلد إنه ... سيرضيكما منها سنام وغاربه
قوله تعالى: {وتناجوا بالبر والتقوى} [المجادلة: ٩] التناجي: المسرة. وناجيت فلانا: ساورته. وأله أن تخلو به في نجوة من الأرض لتفشي سرك. وقيل: من النجاة، لأنه قد قد يعاونك فتخلص من الهم. وقيل: لنجاتك بسرك من أن يطلع عليه أحد.
-
قوله: {ما يكون من نجوي ثلاثة} [المجادلة: ٧] يجوز أن يكون النجوى مصدرا مضافا لفاعله، وهو ثلاثة، وأن يكون مرادا به الأشخاص، ويكون ((ثلاثةٍ) ) بدلًا
vol. 4, p. 147منها حسبما بيناه في غير هذا الموضع. ويدل للثاني {وإذ هم نجوى} [الإسراء: ٤٧]
-
أي متناجون. وللقائل بالأول أن يقدر ((وإذ هم نجوى) ).
-
قوله تعالى: {وأسروا النجوى الذين ظلموا} [الأنبياء: ٣] النجوى هنا مصدر فقط. وقد فسرت بقوله تعالى: {هل هذا إلا بشر مثلكم} الآية. وإنما قال تعالى: {وأسروا} مع لفظ {النجوى} منبهة أنهم لم يظهروا ذلك بوجه من الوجوه، لأن النجوى ربما تظهر. فبالغوا بإخفائها، فلله در فصاحة القرآن!
-
قوله: {وقربناه نجيا} [مريم: ٥٢] أي: مناجيا لربه، أي مناجى من ربه حسبما شرحه في قوله تعالى: {وكلم الله موسي تكليما} . فنجي فعيل إما بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول ويقع وصفا للفاعل كما مر، وللجمع كقوله تعالى: {خلصوا نجيا} [يوسف: ٨٠] أي متناجين يتسارون فيما يفعلونه ويقولونه لأبيهم. ومعنى خلصوا أي انفردوا عن كل أحدٍ. ولا نجد لمحض الرأي واستخراج زبدته أعوز من الخلوة وقلة اللفظ.
-
وانتجيت زيدًا: استخلصته لسري. وأنجي فلان: وأنجي فلان: أتى نجوة وهم في أرضٍ نجاةٍ، أي في أرضٍ مستنجى من شجرها العصى والقسي. والنجا عند الرب: عيدان قد قشرته. وقال بعضهم: نجوت فلانا: استنكهته، واحتج بقول الشاعر: [من الوافر]
١٦٠٣ - نجوت مجالدا فوجدت منه ... كريح الكلب، مات حديث عهد
وكأن هذا القائل إنما أخذ ذلك من أجل هذا البيت فليس في البيت حجة. وإنما أراد أني ساررته فوجدت من بخره ريح الكلب الميت. وكنى بالنجو عن الأذى الخارج. ومنه شرب دواء فما أنجاه، أي لم يفده. والاستنجاء: قطع النجو وإزالته. وأصل ذلك من النجوة: الأرض المرتفعة التي تقضي بها الحاجة، كما كنى بالغائط عن ذلك، وهو المكان المطمئن الذي يؤتى لقضاء الحاجه. وقيل: معني استنجى طلب نجوة أي
vol. 4, p. 148قطعة مدر لإزالته الأذى، كقولهم: إستجمر، أي طلب جمارًا، أي طلب أحجارًا. وأما النجاة، بالهمزة، فالإصابة بالعين، ومنه الحديث: ((ردوا نجاة السائل باللقمة) ).
-
قوله: {خلصوا نجيًا} قد تقدم أنه بمعى متناجين، وأنه وف على فعيل. قال الهروي: هو مصدر كالصهيل والسهيق، يقع على الواحد والجماعة نحو: رجل عدل.
-
ومنه {خلصوا نجيا} . وأنشد لوقوعه على الجمع قول جرير: [من الكامل]
١٦٠٤ - يعلو النجي إذا النجي أضجهم ... أمر تضيق به الصدور، جليل
قلت: وجه الشاهد عود ضمير جماعة الذكور في قوله: أضجهم، على لفظ النجي.
-
ثم حكى عن الأزهري أن نجيا جمع أنجية، وكذلك قوله: {نجوى} . قال: وقيل: نجى جمع ناج نحو: ناد وندي لأهل المجلس، وعار وعري وحاج وحجيج. وفيما قاله نظر، ليس هذا موضعه.
-
وفي الحديث ((أتوك على نواج) ) وهو جمع ناجيه، يعني إبلا مسرعات. يقال: نجوت نجا أنجو أي أسرعت. وفي الحديث أيضًا: ((إذا سافرتم في الجدب فاستنجوا) ) أي أسرعوا. وفي آخر ((وإني لفي عذق أنجي منه رطبا) )، وفي رواية ((استنجي) ) ومعناها: التقط. واستنجيت النخلة: لقطتها. وقد ادخل الهروي لفظ نجي في مادة (ن ج و) بعد ما ذكره في مادة (ن ج و) والصواب ذكره في ذوات الواو. والله أعلم.