فصل الواو والجيم
21 paragraphs · vol. 4, p. 283
- وج ب:
-
قوله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} [الحج: ٣٦] أي سقطت. يقال: وجب الحائط، أي سقط ووقع. ومنه: وجبت الشمس، أي غابت. وحقيقته: سقط قرصها في رأس العين. والوجوب أيضًأ الثبوت والاستقرار، ويعبر به عن الموت فيقال: وجب فلان، أي مات؛ تخيلوا فيه السقوط والثبوت. ومنه قول أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه: "فإذا وجب ونضب عمره وضحا ظله" يريد بهذه الألفاظ أنه مات. وأنشد لقيس بن الخطيم الأنصاري: [من الطويل]
vol. 4, p. 284١٧٨٧ - أطاعت بنو عوفٍ أمرًا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب
أي أول ميتٍ.
-
ووجبت به الأرض توجيبًا: أسقطته عليها. وأوجب كذا: ختمه. ومنه الواجبات التي أوجبها الله تعالى على عباده من عباداته. والواجب في اصطلاح المتشرعة ما يذم تاركه شرعًا قصدًا مطلقًا. وأوجب فلان: استوجب بها النار. والموجبات تطلق على ما يوجب النار وما يوجب الجنة، هذا هو الصحيح. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "أسألك موجبات رحمتك" وقال الراغب: وعبر بالموجبات عن الكبائر التي أوجب الله عليها النار. فإن عنى بذلك الغالب فقريب، وإن عنى به الاختصاص فممنوع للحديث المتقدم. وقال بعضهم: والواجب يقال على أوجه: أحدها يقال في مقابلة الممكن، وهو الحاصل الذي إذا قدر كونه مرتفعًا حصل منه محال، نحو وجود الواحد مع وجود الاثنين؛ فإنه محال أن يرتفع الواحد مع حصول الاثنين. الثاني يقال في مقابلة الذي إذا لم يفعل يستحق به اللوم، وذلك ضربان: واجب من جهة العقل، كوجوب معرفة الوحدانية والنبوة، وواجب من جهة الشرع، كوجوب العبادات الموظفة.
وقال آخرون: الواجب قسمان: أحدهما يراد به اللازم الوجوب، وأنه لا يصح ألا يكون موجودًا، كقولنا في الباري: واجب وجوده. والثاني بمعنى أن حقه أن يوجد. قال الراغب: وقول الفقهاء: الواجب ما إذا لم يفعله يستحق صاحبه العقاب، فذلك وصف له بشيءٍ عارضٍ له، ويجري مجرى من يقول: الإنسان إذا مشى مشى برجلين.
- وج د:
-
قوله تعالى: {من وجدكم} [الطلاق: ١] أي من سعة مالكم. والوجد والجدة: السعة في المال والمقدرة عليه. يقال: رجل واجد بين الوجد والجدة. وفي الحديث: "لي الواجد يحل عقوبته وعرضه" وهو بمعنى الحديث الآخر: "مطل
vol. 4, p. 285الغني ظلم ".
-
ووجد يقال بمعانٍ، وفرقوا بينها بمصادرها فقالوا: وجد زيد، أي صار غنيًا، وجدانًا وجدةً. قال الراغب: وقد حكي فيه الوجد والوِجد والوُجد. ووجد الضالة وجدانًا ووجودًا. ووجد عليه السلطان، أي غضب، وجدًا وموجدةً. ووجدت زيدًا عالمًا، أي ظننته، أي علمته وجدًا. ووجد فلان بفلانة وجدًا، أي أحبها. ومنه الحديث عن ابن عمر: قال أبو صرد في صفة عجوزٍ: "ما بطنها بوالدٍ ولا زوجها بواجدٍ" أي غير محب لها.
وقال الراغب: الوجود أضرب: وجود بإحدى الحواس الخمس، نحو وجدت زيدًا، ووجدت طعمه ولونه وصوته وريحه وخشونته. ووجود بقوة الشهوة نحو: وجدت الشبع.
-
ووجود بقوة الغض كوجود الحزن والسخط. ووجود بالعقل وبواسطة العقل كمعرفة الله تعالى ومعرفة النبوة وما نسب إلى الله تعالى من الوجود. فبمعنى العلم المجرد إذ كان الله منزهًا عن الوصف بالجوارح والآلات نحو قوله تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهدٍ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} [الأعراف: ١٠٢] وكذا العموم يقال على هذه الأوجه. وقوله: {إني وجدت امرأة تملكهم} [النمل: ٢٣] وقوله: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس} [النمل: ٢٤] انتهى. وفيه نظر؛ إذ البصر كافٍ في تجويز الإخبار بذلك دون البصيرة، لأنه إخبار بسجودٍ، وذلك يدرك بحاسة البصر.
-
وقد قسم بعضهم الموجودات إلى ثلاثة أضربٍ: ضربٍ لا مبدأ له ولا منتهى، وليس ذلك إلا للباري تعالى. وموجود له مبدأ ونهاية، وهو الجواهر الدنيوية. وموجود له مبدأ ولا منتهى له، وهو الموجود في النشأة الآخرة.
- وج س:
-
قوله تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة} [طه: ٦٧] أي أحس. وهو قريب من
vol. 4, p. 286الوجدان. وقيل: معناه أضمر، ومثله: {وأوجس منهم خيفةً} [هود: ٧٠] وقيل: الوجس: الصوت الخفي. والتوجس: التسمع. والإيجاس: وجود ذلك في النفس. وفي الحديث: "نهى عن الوجس" هو أن يكون الرجل مع إحد جاريتيه والأخرى تسمع حسه. وهو الفهر أيضًا؛ وقد أفهر الرجل فعل ذلك. وأوجست منه أمرًا؛ خيرًا أو شرًا، أي وقع في نفسي ذلك.
- وج ف:
-
قوله تعالى: {قلوب يومئذٍ واجفة} [النازعات: ٨] أي مضطربة قلقة عن مقارها لما تشاهد من الأهوال لقوله: {إذ القلوب لدى الحناجر} [غافر: ١٨] ومثله: قلوب طائرة وخافقة، ونحو ذلك من الاستعارات قوله: {فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ} [الحشر: ٦] الإيجاف: الإسراع؛ يقال: أوجف الراكب، أي أسرع. وسير وجيف وفي المثل: "أدل فأمل وأوجف فأعجف" .
- وج ل:
-
قوله تعالى: {وجلت قلوبهم} [الأنفال: ٢] أي خافت. يقال: وجل يوجل وجلاً.
-
وقيل: الوجل: استشعار الخوف. ويقال: يوجل وييجل؛ كسروا الياء ليقلبوا الواو ياء توصلاً للأخف وإن كان كسر حرف المضارعة إن كان ياءً ممنووعًا في المشهور. وإنما قلت في المشهور لقراءةٍ شاذة: {فإنهم يئلمون كما تئلمون} [النساء: ١٠٤] وكان الذي حسن هذا مجاورته لـ "تليت" الجائز الكسر.
- وج هـ:
-
قوله تعالى: {كل شيءٍ هالك إلا وجهه} [القصص: ٨٨] الوجه يعبر به عن الذات، والباري تعالى ينزه عن الجارحة، ومثله: {ويبقى وجه ربك} [الرحمن: ٢٧] وإنما عبر به عن الذات في لسان العرب لأنه أشرف الأعضاء. وقيل في قوله تعالى:
vol. 4, p. 287{ويبقى وجه ربك} أراد بالوجه هنا التوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة. وقيل لأبي عبد الله بن الرضا في قوله تعالى: {كل شيءٍ هالك إلا وجهه} إن الوجه زائد، والمعنى: كله شيءٍ هالك إلا هو. فقال: سبحان الله! لقد قالوا قولاً عظيمًا، إنما عني الوجه الذي يؤتي منه، ومعناه كل شيءٍ من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به. وقيل هذا في قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كلٍ مسجدٍ} [الأعراف: ٢٩] أي أخلصوا وجوهكم في الصلاة لله تعالى. فاراد بالإقامة تحري الاستقامة وبالوجه التوجه.
وقال الراغب: أراد به الجارحة واستعارها، كقولك: فعلت كذا بيدي. ولما كان الوجه أشرف ما في الإنسان، وأول ما يستقبل به ويستقبلك به غيرك، استعمل في مستقبل كل شيءٍ وفي أشرفه ومبدئه، فقيل: فلان وجه القوم، كقولك: رأسهم، وعينهم، ووجه النهار: صدره، كقوله: {وجه النهار} بدليل قوله: {آخره} وقال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكًا: [من الكامل]
١٧٨٨ - من كان مسرورًا بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
قوله: {وجهت وجهي} [الأنعام: ٧٩] أي قصدت لعبادتي وتوجهي. والوجه: المقصد والمذهب. يقال: ذهب فلان في وجه كذا، أي في ذهب كذا. والجهة والوجهة بمعنى، وهما المقصد والمذهب. قال تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: ١٤٨] ومثله قوله: {لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا} [المائدة: ٤٨] وواجهته: جعلت وجهي تلقاء وجهه.
-
قوله: {فثم وجه الله} [البقرة: ١١٥] أي متعبداته، وذلك أن ناسًا اجتهدوا في أمر القبلة في ليلٍ، ثم أصبحوا فوجدوا كل طائفةٍ صلت إلى جهةٍ فنزلت. قال ابن عرفة: اعلم أن الوجوه كلها له؛ فأينما وجه أمة محمد صلى الله عليه وسلم بتعبدها فذلك الوجه له. وواجهت فلانًا: جعلت وجهك تلقاء وجهه.
- vol. 4, p. 288
والجاه: مقلوب من الوجه، قال الراغب: لكن الوجه يقال في العضو والحظوة والجاه لا يقال إلا في الحظوة. قوله تعالى: {وكان عند الله وجيهًا} أي ذو جاهٍ ووجاهةٍ.
-
وكذا قوله تعالى: {وجيهًا في الدنيا والآخرة} [آل عمران: ٤٥] لأن الناس يشتركون في وجاهة الدنيا، ولا يفوز بوجاهة الآخرة إلا الخلص كالأنبياء ومن قاربهم في الحظوة. وعن عائشة: "كان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة" رضي الله تعالى عنهم أجمعين يعني أنه كان ذا جاهٍ مدة حياة فاطمة الزهراء قد فقده بعدها. وكذا والله كان.
-
وفي الحديث: "وذكر فتنا كوجوه البقر" يعني متشابهة، فإذا قصد التساوي في الأشياء قيل: كوجوه البقر. قيل أخذوه من قوله تعالى: {إن البقرة تشابه علينا} [البقرة: ٧٠] وفي حديث أهل البيت: "لا يحبنا الأحدب الموجه" قال أبو العباس: هو صاحب الحدبتين؛ واحدة من الخلف وأخرى من قدام. والمعنى: ذو الوجهين. ومنه الحديث الآخر: "ذو الوجهين لا يكون عند الله وجهيًا" ويعبر به عن النفاق. والكلام الموجه المحتمل الأمرين فصاعدًا. ومنه أن رجلا أعور عابه إنسان فقال: جعل الله عينيك سواء. يحتمل أنه يريد: سواء في السلامة أو في العور. فهو دعاء له أو عليه. والتوجيه في الشعر: الحرف الذي بين ألف التأسيس وحرف الروي.