المبحث الأول: ترجمة المؤلف
55 paragraphs · vol. 1, p. 13
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 23
بقي أن نشير إلى أن تلك الملحوظة التي ذكرها ابن عساكر لا تحط من مكانة المؤلف، ولا تقلل من شأنه، ولا تمنع من الاستفادة من علمه في الجوانب والكتب الأخرى للمؤلف - كما فعل ابن عساكر نفسه في التتلمذ والأخذ عن المؤلف مع نقده إياه - وقلَّ أن نجد عالماً لا يخطئ، فكما قال الإمام مالك - إمام دار الهجرة -: كلٌّ يؤخذ من كلامه ويرد عليه، إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم٢.
-
أما الكتاب الثاني للمؤلف فهو منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم أجمعين، وهو الكتاب الذي بين أيدينا وقمنا بتحقيقه ودراسته - ولله الحمد والمنة. وقد قال الحافظ ابن عساكر عن هذا الكتاب الثاني: ووقعت له على كتاب صنفه في فضل الأئمة الأربعة: أبي حنيفة،
vol. 1, p. 24ومالك، والشافعي، وأحمد، ما به بأس١.
-
ويظهر لنا - والله أعلم - من ترتيب كلام ابن عساكر عن كتابي المؤلف، أن كتاب (باب المدينة) ألفه أبو زكريا السلماسي أولاً، ثم ألف من بعده كتابه الثاني وهو (منازل الأئمة الأربعة) ، وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل في رجوع المؤلف إلى عقيدة السلف وثباته عليها ودفاعه عنها والدعوة إليها، ويؤيد ذلك أيضا ما ذكره الحافظ ابن عساكر في نهاية ترجمة المؤلف بأنه كان يذهب مذهب أحمد بن حنبل في الأصول، وينتحل مذهب الشافعي في الفروع وتلك شهادة مهمة وتزكية عالية من الحافظ ابن عساكر لشيخه السلماسي، ونسأل الله عز وجل للجميع الرحمة والمغفرة في الدنيا والآخرة.
- ٧- أقوال العلماء الأخرى فيه:
-
- قال عنه الحافظ ابن عساكر: قدم دمشق سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ونزل دويرة السميساطني، وعقد مجلس التذكير، ... وكانت معه كتب كثيرة، وسماعه فيها قليل٢، وكان له نظم ونثر، وكان ذا ثروة٣.
- vol. 1, p. 25
- وقال عنه الحافظ ابن الجوزي: أبو زكريا الواعظ السلماسي، سمع الحديث، وقدم إلى بغداد، فوعظ بها، ووقع له القبول التام، ثم غاب عنها نحوا من أربعين سنة، ثم قدم بعد الأربعين وخمسمائة، فطلب أن يفتح له الجامع ليعظ فلم يجب إلى ذلك، فسمعنا منه شيئاً من الحديث، ثم رحل عن بغداد١.
-
- قال عنه الحافظ الذهبي: والواعظ الكبير أبو زكريا يحيى بن إبراهيم السلماسي٢.
- ٨- عقيدته ومذهبه الفقهي:
-
لقد كان المؤلف أبو زكريا السلماسي - رحمه الله - على عقيدة أهل السنة والجماعة، عقيدة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، التي تلقوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أدل على ذلك من كتابه الذي بين أيدينا، الذي أوضح فيه عقيدة السلف الصالح بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال السلف رحمهم الله تعالى.
-
ومما يؤكد سلامة عقيدة المؤلف - رحمه الله - شهادة تلميذه الإمام الحافظ ابن عساكر بقوله عن المؤلف: وكان يذهب مذهب أحمد بن حنبل في الأصول، وينتحل مذهب الشافعي في الفروع. اهـ٣.
- vol. 1, p. 26
فالانتساب إلى الإمام أحمد في الأصول هو انتساب إلى السنة١، فالإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة بلا منازع٢.
-
وانتساب المؤلف في الفروع الفقهية إلى الإمام الشافعي تأكيد على اتفاق الأئمة الأربعة في العقيدة وأصول الدين وإجماعهم عليها، وأن اختلافهم لم يكن إلا في أمور محدودة من فروع الشريعة لا في أصولها.
- وفاته:
-
عاش المؤلف ستة وسبعين عاماً قضاها في طلب العلم والرحلة إليه ثم تعليمه، ووعظ الناس وتذكيرهم ونصحهم وإرشادهم وتبصيرهم بأمور دينهم، وفي رواية الحديث، في بغداد ودمشق وسلماس وغيرها.
- vol. 1, p. 27
وقد مات المؤلف بعد رجوعه إلى بلده سلماس بيسير١، حيث توفي في شهر شعبان٢ سنة خمسين وخمسمائة من الهجرة النبوية٣، رحمه الله رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته، وشملنا وإياه بمغفرته ورضوانه آمين.