الفصل الأول: في الركن الأول
4 paragraphs · vol. 1, p. 61
- vol. 1, p. 61
القسم١ الأول: في بيان حجج الشريعة الفصل الأول: في الركن الأول٢
- أركان علم الشريعة أربعة:
-
الأول: نَصُّ الكتاب المنزل على النبي المرسل صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ} ٣، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} ٤.
-
والكتاب قد جمع علم الأولين والآخرين، وتضمّن ثمرة كتبه التي أولاها أوائل الأمم، وصار خزانة لأنواع الحكم، قال الله تعالى: {يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} ٥. وضمّنه تعالى الحجج الواضحة والبراهين اللائحة] ٩٢/ب [والدلائل الساطعة على ما خص به من الإيجاز والإعجاز، بحيث عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء وتبلد منه الشعراء، وتحيَّر فيه الحكماء، فهو عذب المسموع، سهل الموضوع، باللفظ الجزل ومتشابه الرصف، وتلاحم أجزاء الأول بالآخر، واتفاق قرائن الأوسط بالطرفين، ينظم أبهة الفخامة إلى رقة الحلاوة، ويجمع رصانة الجزالة ومهابة الجلالة إلى بهجة الرشاقة ومحبة القبول، له مبادئ بديعة ومخالص
vol. 1, p. 62مجيبة ومقاطع غريبة، يزيده مرور الليالي والأيام جِدَّة وطراوة، وتكسبه كرور الشهور والأعوام رونقاً وطلاوةً، ولا يمجه السمع [ولا ينبو] ١ عنه القلب والطبع، لا يبليه كثرة الدرس والقراءة، ولا تخلقه شدة التلاوة والإعادة، يقص أخبار الأمم السالفة ويعبّر عن أنباء الملل وعقائد النحل، ويترجم عن الجلود المتمزقة والرمم البالية والأيام الخالية، جمع خير الدنيا والآخرة بما انتظم من الجواهر الفاخرة، قال الله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} ٢، وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ٣، وقال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ٤، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} ٥، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ٦، وهو وإن كان كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ٧. لا يُخلي الناظر فيه من
vol. 1, p. 63نورِ ما] ٩٤/أ [يريده ونفع يوليه.
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقباً
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جوداً، ويبعث للبعيد سحائباً
كالشمس في كبد السماء وضوئها ... يغشي البلاد مشارقاً ومغارباً١
لكن محاسن أنواره لا تثقبها إلا البصائر الجلية، وأطناب ثماره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية، ومنافع شفائه لا تنالها إلا النفوس النقية والقلوب التقية، كما قال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} ٢. ثم إنه تعالى إنما جعل حجج الكتاب الأوضح دون الأدق الأغمض، لما أراد من تفهيم كافة البشر فإنهم مخاطبون به إلى يوم القيامة، فهو القول الفصل والميزان العدل، قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ٣. {مُتَشَابِهاً} : يعني يشبه بعضه بعضاً في الجزالة والفصاحة،
vol. 1, p. 64{مَثَانِيَ} : ثنَّى فيه القصص، فتضمنت القصة في الإعادة زيادة فائدة١، ولا غرو ان تكرر ذلك كذلك وقد قال الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} ٢. والقرآن مجمل ومفصل ومحكم ومتشابه، وقد كثرت أقاويل المفسرين٣
vol. 1, p. 65في تعبير المحكم والمتشابه، فنحن نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، ونقول كما قال الله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا] ٩٤/ب [يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ} ١.