الفصل الثاني: في ذكر الأئمة

10 paragraphs · vol. 1, p. 85

  1. اعلم أن الإمامة هي: التقدم في معنىً بالناس إلى معرفته حاجة، أو قضى عليهم الخوض فيه وارتكابه وإن كان بهم عنه غِنىً١.

    vol. 1, p. 85
  2. والأئمة على ضربين: أحدهما: أئمة الهدى والدَّلالة، والثاني: أئمة الرَّدى والضلالة.

  3. فأما أئمة الهدى فهم الذي قال الله تعالى فيهم: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} ٢، وقال عز وجل: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} ٣.

  4. وهم: المتبعون الكتاب والسنة والمتمسكون بآثار سلفهم الذين أمروا بالاقتداء بهم، كما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن تقدّمه من الأنبياء والمرسلين فقال] ٩٦/ب [تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} ١، وقال في حق هذه الأمة: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} ٢.

    vol. 1, p. 86
  5. فعلامة المُتَّبِعين أن يعرفوا علم التفسير وعلم الحديث وعلم التّفقه عليهما، وعلم الوعد والوعيد للتقوى والورع، وعلم السِّير والمبتدأ للاعتبار، سمعوا العلم من الثقات والعدول، وقرءوا على الأئمة المعروفين بالسنة، ورووا عن الشيوخ الموسومين بالتقوى، ونقلوا من الكتب الصحيحة والأصول المعروفة المشهورة، إذ لا يجوز الاعتماد على كل كتاب ولا الرواية عن كل أحد، فقد وضعت الملاحدة٣ والزنادقة٤

    vol. 1, p. 87والجهمية١ والمشبهة٢ والمعطلة٣ أخباراً باطلة على ما يشتهون وخلطوها

    vol. 1, p. 88بالأخبار الصحيحة حتى اشتبهت على كثير من الناس إلا من كان عارفاً بطرق الصحيح، وعالما بالأصول المتقنة من تصانيف الأئمة المشهورين.

  6. والضرب الثاني: أئمة الضلالة، وهم الذين قال الله فيهم: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ} ١، وقال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} ٢.

  7. وهم قوم أجلاف زعموا أنهم لمن قبلهم أخلاف، وادعوا أنهم أكثر منهم في المحصول في حقائق المعقول، وأهدى إلى التحقيق وأحسن نظراً منهم في التدقيق، وعابوا المتقدمين من السلف بأنهم لم يكونوا قوامين بطرق الجدال، فأبدلوا من الطيب خبيثاً ومن القديم حديثاً، وعدلوا عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه به [٩٧/أ] .

    فقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} ٣، فوعظ الله عز وجل عباده بكتابه وحثهم على اتباع سنة رسول

    vol. 1, p. 89الله صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ١.

  8. وروى عبد الله بن مسعود قال: خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاًّ ثم قال: "هذا سبيل الله" ، ثم خطَّ خطوطاً يميناً وشمالاً ثم قال: "هذه سُبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} ٢ ٣.

    قال ابن مسعود٤: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" ٥.

  9. فجاءت هذه الطائفة والشرذمة فخالفت ذلك ودعوا الناس إلى غيره، كما قال تعالى: {شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ٦،

    vol. 1, p. 90وأخذوا كلام الفلاسفة المعطلة وكلمات أهل الزيغ والضلالة، فأوردوها وسموها تحقيقا وأصولاً، يتكلمون في صفات الله بآرائهم ويقيسون الدين بأهوائهم١، ويدّعون من الدرجات ما لم يبلغوها ومن الكرامات ما لم يدركوها، لو روجع أحدهم في آية من القرآن لم يحفظها، أو سُئِل عن واجب من الشرع لم يعلمه، أو فريضة من الدين لم يفهمها، أو طولب بمعرفة سيرة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والأئمة المهديين والمشائخ المتقين وجدته من الجاهلين، {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} ٢.

  10. فينبغي للمؤمن أن يتفقد] ٩٧/ب [أحوالهم، ويعرف أئمة الهدى من أئمة الضلالة بما ذكرت من سماتهم. والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا لصالح القول والعمل.