الفصل الثالث: في ذكر الاتباع وترك الابتداع
16 paragraphs · vol. 1, p. 91
- vol. 1, p. 91
اعلم أن الدين مبني على أصلين: على الشرع المنقول، وعلى قضيات العقول١، فالنقل والعقل أصلان يتصلان مرة وينفصلان أخرى.
-
اعلم أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبيَّن إلا بالعقل، وذلك أن الإنسان لا يدخل تحت خطاب الشرع إلا بوجود العقل فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن [ثلاثة] ٢، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق ٣. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قسم الله العقل ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه كمل عقله، ومن لم يكنَّ فيه فلا عقل له، حسن المعرفة
vol. 1, p. 92بالله، وحسن الطاعة له، وحسن الصبر على أمره"١.
قال بعض العلماء٢: معرفة الله تعالى أن يعلم أن الله خالق العالم بما فيه، وهذه المعرفة للكفار أيضاً، قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} ٣ وحسن المعرفة أن يوحّده وينفي عنه التشبيه في الذات والتعطيل من الصفات، فيصفه بما وصف به نفسه من الصفات وبما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمثله في صفاته وذاته
vol. 1, p. 93بالمخلوقات، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] ٩٨/أ [وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ١.
-
والطاعة الانقياد لأمره، وحسنها اجتناب الرياء والشرك الخفي، قال الله تعالى: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} ٢.
-
والصبر على أمره السكون تحت حكمه، وحسن الصبر الرضى بقضائه، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} ٣، وقال تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ} ٤، وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ٥، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ} ٦ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أكثر أهل الجنة البُله" ٧ وعليون لأولي الألباب.
- vol. 1, p. 94
إلا أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} ١. والعقل لا مدخل له في إيجاب ولا حظر وإنما خلقه الله تعالى لإدراك العلوم كسائر الحواس.
-
ثم الأصل الثابت: الشرع المنقول الذي شرعه الله تعالى على لسان الأنبياء عليهم السلام وأمر العقلاء باتباعه، قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد} ٢.
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} ٣، وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ٤ الآية، ولم يقل فردوه إلى مجرد العقول.
قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا َذَكَّرُونَ} ٥ وقال تعالى مخبراً عن نبيه يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوب} ٦ وقال تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ
vol. 1, p. 95بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} ١] ٩٨/ب [، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ٢، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} ٣.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ٤.
وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} ٥، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} ٦ وقال تعالى: {قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ} ٧، فبيّن سبحانه أنه لا يعذب قبل بعثة الرسل، فَعُلم أن وجوب الأشياء بالسمع، وأن الشرع كالأمير والعقل كالوزير، يأمر الأمير فينفذ الوزير أمره ويتبع حكمه، والعقل جُعل آلة للتمييز كالميزان للموزون.
- vol. 1, p. 96
والحجة هي أمر من وجب الإذعان لطاعته، وإنما يُعرف ذلك الأمرُ بالعقل، ويتوجَّه على من رزق العقل دون من حُرِمه.
-
فلما استقر في العقل وجود الباري سبحانه وتعالى وكونه آمراً مفترض الطاعة، وثبت فيه وجوب القبول من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد قيام الأدلة بصدقه ونبوته وامتناع الكذب عليه، لم يبق للعقل أكثر من تأمل الأوامر والمصير إليها، فالشرع حاكم على العقل والعقل ليس بحاكم عليه، والعقل أيضاً كالمرآة التي جعلت لرؤية الأشياء في مقابلتها إذا كانت غير صدية، وقيل: العقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمدّه، وقيل: الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما يتعاضدان ولكون الشرع عقلاً من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن فقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ] ٩٩/أ [لا يَعْقِلُونَ} ١، ولكون العقل شرعاً من داخل قال في صفة العقل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ٢، ولكونهما متحدين قال: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} ٣ أي نور العقل ونور الشرع ثم قال: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} ٤ فجعلهما نوراً واحداً.
- vol. 1, p. 97
واعلم أن العقل بنفسه من غير شرع لا ينفع، فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضلَّ سواء السبيل.
-
فالشرع وأحكامه من وجه دواء للآلام وشفاء للأسقام، تولى إيجاده من له الخلق والأمر، يفيد الحياة الأبدية والسلامة الدائمة كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ...} ١ {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ} ٢ وقال تعالى: {وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} ٣ وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ٤.
-
ومن وجه ماءٌ مطهر مزيل للأنجاس، قال تعالى في صفة القرآن: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} ٥ جاء في التفسير٦: أنزل من السماء كتاباً فاحتمله قلوب الرجال على قدر عقولها.
vol. 1, p. 98وقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} ١.
-
ومن وجه نور وسراج مزيل للظلمة كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} ٢ الآية. وكما قال: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الآية٣.
-
ومن وجه الطريق المستقيم كما قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} ٤.
-
ومن وجه معتَصمٌ كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} ٥، فوجب اتباع الشرع على كافة الأنام.
-
فإن قيل: إذا أمرتم بالاتباع فهو تقليد والتقليد حرام، قال الله تعالى في ذم التقليد: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} ٦.
-
الجواب: أن التقليد قبول قول الغير من غير حجة، وقول الله] ٩٩/ب [تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم نفس الحجة. قال الله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ٧.