الفصل الرابع: ف ذكر الإمامة والخلافة والأئمة والخلفاء
37 paragraphs · vol. 1, p. 136
- vol. 1, p. 136
...
-
الفصل الرابع: في ذكر الإمامة والخلافة والأئمة والخلفاء
- أجمعوا على أن أفضل الناس الأنبياء والرسل، وأفضل الناس بعد الرسل والأنبياء عليهم السلام، أصحابهم، وأفضل أصحابهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ١.
-
- وأفضل الصحابةِ المهاجرين العشرةُ الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأفضل العشرةِ الخلفاءُ الأئمة الأربعة، وأفضلهم أبوبكر الصدّيق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي المرتضى - رضي الله عنهم -٢.
قال الله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ...} ٣ نزلت الآية في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حيث أنفق ماله بمكة ونصر النبي صلى الله عليه وسلم٤، وهو أول من آمن من الرجال.
-
وقد وردت في فضائل الأربعة الآيات الكثيرة، قال الله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم ...} إلى آخر الآيتين٥، وقال عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار ...} ٦ الآية.
vol. 1, p. 137وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله اختارني من العالمين، واختار لي أصحاباً، واختار لي من أصحابي أربعة هم خير أصحابي: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي" ١ - رضي الله عنهم أجمعين -، وقد جاء مثل ذلك من الأخبار الصحيحة ما لا يعد كثرةً ولا يحصى] ١٠٦/ب [.
-
ثم اختلفوا في أن خلافة أبي بكر رضي الله عنه كان نصّاً أو إجماعاً على قولين:
أحدهما: - أنه كان نصاً، لأنه أقامه مقامه في الصلاة مرة مرضه، ولما عرض عليه غيره أبى وقال: "يأبى الله ذلك والمسلمون" ٢ إلى غير ذلك من الأخبار الواردة الصحيحة.
-
والقول الثاني: - وعليه أكثرهم، أن الإجماع من الصحابة انعقد على خلافته٣، قال علي رضي الله عنه (رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، أفلا
vol. 1, p. 138نرضاك لدنيانا؟! ١.
وقال صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر وزيري، يقوم في الناس بعدي مقامي، وعمر ينطق على لساني، وعثمان مني وأنا منه، وعلي أخي في الدنيا والآخرة" ٢.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله اختارني، واختار لي أصحاباً، فجعل لي منهم وزراء وأنصاراً وأصهاراً، فمن سبّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً" ٣.
وقال صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، من
vol. 1, p. 139أحبّهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه "١.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي٢ –رضي الله عنهم-.
وقال صلى الله عليه وسلم: "من أحب أبابكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليًّا] ١٠٧/أ [فقد استمسك بالعروة الوثقى" ٣.
-
روى مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله استخلف علينا بعدك رجلاً نعرفه، ونُنهي أمرنا إليه فإنا لا ندري
vol. 1, p. 140ما يكون بعدك، فقال: "إن استعملت عليكم رجلاً فأمركم بطاعة الله عز وجل فعصيتموه، كانت معصيته معصيتي ومعصيتي معصية الله عز وجل، وإن أمركم بمعصية الله عز وجل كانت لكم الحُجَّة عليَّ يوم القيامة، ولكني أكِلُكُم إلى اللهعز وجل" ١.
-
- ولا تجوز الخلافة إلا في الرجال البالغين العاقلين من قريش٢ من ولد فهر بن مالك خاصةً، ولا يجوز أن يكون في الناس إمامان٣، ولا
vol. 1, p. 141يحل البقاء دون بيعة إمام البتة إلا ثلاثة أيام١.
-
- وأجمعوا على الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا" ٢.
- vol. 1, p. 142
وروي عن أبي سعيد أنه قال: "مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها" ١.
-
وينتهون إلى ما روي عن عمربن عبد العزيز٢ وقد سئل عما شجر بينهم فقال: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ٣.
-
وسئل بعض العلماء من التابعين عن ذلك فقال: أقول ما قال موسى عليه السلام لفرعون حين قال له: {مَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} ٤.
-
وروي عن محمود بن الورقاء أنه قال: كنت أتشيع وأكثر ذكر معاوية رضي الله عنه ما كان بينه وبين علي كرم الله وجهه، فرأيت فيما يرى النائم كأني دخلت دارا فإذا معاوية فيها جالس وعليه جبة سلقى، وعليه منديل قد أرخى طرفيه] ١٠٧/ب [على منكبيه فلما بصر بي رفع رأسه إلي وقال: هل تقرأ
vol. 1, p. 143كتاب الله؟ قلت: بلى. قال: اقرأ هذه الآية: {قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ١.
-
- فنترحم على جميع الصحابة ونحبهم وننتهي إلى قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ٢.
قال أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني: أنشدني الشافعي رحمه الله من قيله:
شهدت بأن الله لا شيء يره ... وأشهد أن البعث حق وأُخلِصُ
وأن عرى الإيمان قول مبين ... وفعل زكي قد يزيد وينقص
وأن أبا بكر خليفة ربه ... وكان أبو حفص على الخير يحرص
وأُشهد ربي أن عثمان اضل ... وأن عليا فضله متخصص
أئمة حق يهتدى بهداهم ... لحا الله من إياهم يتنقص
فما لعتاه يشهدون سفاهة ... وما لسفيه لا يحيص ويخرص٣
قال محمد بن يزيد المستملي: كنت أسأل أحمد بن حنبل عن الخلفاء
vol. 1, p. 144الراشدين المهديين، فيقول: دع هذا، فَلَزََزْتُه١ يوما إلى حائط فسألته عن الخلفاء الراشدين المهديين كأنه حَزْمٌ عليه، فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم٢.
- وأجمعوا على أنه لا يحكم لأحد بجنة ولا نار، بل هو موكول إلى مشيئة الله عز وجل، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... } ٣ الآية.
-
- وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشرة من أصحابه بالجنة، هم خير الناس وأفضلهم الخلفاء الراشدون، ويجب على المسلمين مدحهم والثناء عليهم والدعاء لهم] ١٠٨/أ [ولجميع الصحابة لما بذلوا من وسع النفس والمال في إقامة الحق ونصرة الدين رضي الله عنهم أجمعين٤.
-
- وطاعة السلطان عندهم واجبة على الرعية، فتجب الصلاة معه وخلف كل بار وفاجر، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه دونهم٥.
-
- وبلاد المسلمين دار الإسلام، مادام شعار الإسلام من الأذان
vol. 1, p. 145والإقامة والصلوات ظاهرا١.
-
- وكل مسلم مالك لماله، فهو أحق به من غيره.
-
- وكل حي مخلوق فله أجل هو بالغه، كما قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} ٢ وسواء مات حتف أنفه أو قتل فهو عند انتهاء أجله الذي كتب له، وكذلك رزق الخلق بيده وهو قوام الحياة وغذاء النفس يرزقهم من حيث شاء كما شاء سواء تناوله العبد من حل أوحرام إلا في المأثم.
-
ومن دينهم واعتقادهم قول الحق، وفعل العدل، ولزوم الجماعة، وقيام
vol. 1, p. 146الليل للصلاة، وقراءة القرآن، وطلب العلم من أهله، وجمع السنن الصحيحة وكتب الحديث من العدول الثقات، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح، والسعي في مصالح المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجانبة الكذب والزور، وكل مسكر ورياء وشبهة وخيانة وريبة وغيبة وتهمة، ومقارنة العلماء الربانيين والصلحاء المتقين١. هذا دينهم واعتقادهم ذكرته على وجه الاختصار وحذفت الأسانيد للأخبار كراهية الإكثار.
-
واتفق أهل العلم أن أحدا لم يجمع جمل الإيمان بالله وبرسوله كما جمعه الشافعي رضي الله عنه في قوله الموجز: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء] ١٠٨/ب [عن رسول الله على مراد رسول الله٢.
-
قال الشيخ الإمام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري٣ - رحمه الله -: التوحيد على وجهين٤:
vol. 1, p. 147الأول منهما: إفراد الله عز وجل بالربوبية والأولية، ونفي الشركاء والشبه عنه، وإثبات البينونة١، ومعرفته بأنه لا يكافأ في قدر، ولا ينازع في أمر، ولا يشابه في صفة، ولا يدافع في حكم، وأنه صمد صفاته ممتنعة عن التكييف، وقدره عن الإدراك٢
vol. 1, p. 148وضد هذا التوحيد هو الشرك الأكبر١ من إلحاق شريك، أو تشبيه بشيء من خلقه قال الله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} .
وقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} ٢ الآية، نفى عن نفسه الشبه وقدسها منه، فإلحاق التشبيه به بعد ذلك محال، وتقديسه بعد تقديسه فضل، فإن تقديس من لا يقبل العيب من العيب عيب، وإنما يقدس الله
vol. 1, p. 149عز وجل من الشبه بقدر عزته وتعالي صفته، لا يمتزج فيخلص أو يقبل الشبه فيقدس، لهذا لم يرد في خبر عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في صفة وصف بها الله عز وجل بلا مثل ولا تشبيه أو بلا كيف، لأن إثبات الصفة تقديس فلا يحتاج إلى التقديس قال الله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} ١ فمن شبه الله أو صفة من صفاته بخلقه أو بصفات خلقه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن أنكر صفة] ١٠٩/أ [أثبتها الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم له فقد كفر بالله وبرسوله.
فقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} الآية. الكاف لتشبيه الصفات، والمثل تشبيه الذوات، فنفى التشبيهين كليهما عن نفسه فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أو ليس له مثل ولا كهو شيء، فمذهبنا إثبات الصفات من غير إفراط، ونفي التشبيه من غير تعطيل، والتمسك بالظاهر من غير تخليط، قال الشافعي - رحمه الله -: الظاهر أملك. والله أعلم.
-
وأما الوجه الآخر: - فإخلاص العمل لله، وإقامة الوجه له، ونفي المراءاة والتسميع عن عبادته، ثم إفراده بالثقة والخوف والرجاء والتفويض والمحبة٢.
- vol. 1, p. 150
وضد هذا التوحيد هو الشرك الأصغر١، قال الله تعالى: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} ٢، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك" ٣.
وقال صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ٤.
-
وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص وهو يشير بأصبعيه في الدعاء فقال: "أحِّد أحِّد يا سعد" ٥.
- vol. 1, p. 151
وقال صلى الله عليه وسلم للرجل - الذي قال له: ما شاء الله وشئت -: "أجعلتني لله ندا؟! قل ما شاء الله" ١.
وقال الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} ٢.
-
٣ قال الشيخ الإمام أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني٤ رحمه الله٥: قد اختلف مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في
vol. 1, p. 152الكتاب والسنة وامتنع على] ١٠٩/ب [أهل الحق اعتقاد فحواها وإجراؤها على موجب ما يبتدر أوهام أرباب اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلها والتزم هذا النهج في آي الكتاب وما يصح في سنن الرسول صلى الله عليه وسلم.
-
وذهب أئمة السلف إلى انكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها١ إلى الرب تعالى.
-
والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك [أن] ٢ إجماع
vol. 1, p. 153الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها١،
vol. 1, p. 154وهم صفوة الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه [منها] ،١. فلو كان تأويل هذه [الآي] ٢ الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها حقٌ كاهتمامهم بفروع الشريعة، وإذ تصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع٣، وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن التعرض للغوامض، والتعمق في المشكلات، والإمعان في ملابسة المعضلات، والاعتناء بجمع الشبهات، وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، ويرون صرف العناية إلى الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام بالطاعة حسب الاستطاعة، وما كانوا ينكفون رضوان الله عليهم أجمعين عما تعرض له المتأخرون عن عيٍّ وحَصَر وتبلد في القرائح - هيهات - كانوا أذكى الناس قرائح وأذهانا وأرجحهم إيمانا، ولكنهم استيقنوا] ١١٠/أ [أن اقتحام الشبهات داعية الغوائل وسبل الضلالات، وكانوا يحاذرون في حق عامة المسلمين ما هم الآن به مبتلون وإليه مدفوعون.
- vol. 1, p. 155
ولما قال صلى الله عليه وسلم: "ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة، الناجية ما أنا عليه وأصحابي" ١، ونحن على قطع نعلم أنهم ما كانوا يرون الخوض في الدقائق ومضايق الحقائق، ولا كانوا يدعون إلى التسبب إليها بل يشتدون على من يفتتح الخوض فيها، والذي يحقق ذلك أن أساليب العقول لا يستقل بها إلا الفرد الفذ الذي يثنى عليه بالخناصر ويشير إليه الأصاغر والأكابر، ثم هو على اغترار وأخطار إن لم يعصمه الله، فكيف يسلم من مهاوي الافتكار الغر الغبي؟!!
-
فإذا تصرم عصر الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان على الانكفاف عن التأويل كان قاطعا بأنه الوجه المتبع، إذ لو كان الخوض في ذلك واجبا أو سائغا مسوغا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، إذ نقلوا إلينا آداب الاستنجاء وما في بابه، وإذ اتفقوا على ما ذكرنا تبين أن الحق الصريح ما كانوا عليه.
-
وعد سيد القراء وإمامهم أبي بن كعب رضي الله عنه الوقوف على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} من العزائم، ثم ابتداء له بقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ٢.
- vol. 1, p. 156
ومما نقل من كلام إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه حين سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة١.
- vol. 1, p. 157
وكذلك روي عن أم سلمة رضي الله عنها١، فليجر آيات القرآن والأخبار الصحيحة الواردة في الصفات] ١١٠/ب [على ما ذكرنا، ونقتصر منها على التصديق والتسليم مع التنزيه، فهو الطريق الأسلم والمنهج الأقوم٢.
-
وهو مذهب الفقهاء الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم أجمعين٣.
- فصل:
-
على العبد أن يمتثل أوامر مولاه وإن لم يعلم كميتها، والثاني: أن يصدق أخبار مولاه وإن لم يعلم كيفيتها، والثالث: أن يعتقد الحكمة والصواب في جميع أفعاله وإن لم يعرف مائيتها، وهذه القاعدة توجب امتثال أوامر الله من غير سؤال عن عللها، ويوجب تصديق أخباره وإن لم يوقف على أصولها، وأن يعتقد الحكمة في جميع أفعاله وإن لم يوقف على أصولها.