الفصل الثالث: في بيان الرسالة والنبوة
18 paragraphs · vol. 1, p. 127
- vol. 1, p. 127
- وأجمعوا على أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله وخاتم أنبيائه لا نبي بعده،١ إلا أن عيسى بن مريم - عليهما السلام - سينزل قبل يوم القيامة متبعاً شريعة محمد صلى الله عليه وسلم٢.
-
- وأنه قد كان قبل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنبياء ورسل على جميعهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض} ٣ وقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ} ٤ وقال تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ٥.
-
- وأنّ الله تعالى كلّم موسى واتخذ إبراهيم ومحمداً خليلين - صلّى الله عليهما وسلّم- قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} ٦
vol. 1, p. 128وقال: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} ١ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبرأ إلى كل ذي خلة من خلته، وإن صاحبكم خليل الله" ٢ يعني نفسه صلى الله عليه وسلم.
-
- وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى اليوم وإلى الأبد] ١٠٤/ب [، روحه عند الله حي عالم معظم، وكذلك سائر الأنبياء كما قال صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" ٣ وقد قال تعالى في حق الشهداء: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ
vol. 1, p. 129رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ١ والشهداء دون الأنبياء بدرجتين، قال الله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء} ٢ فإذا كان الشهداء أحياءً، فالنبيون وهم فوقهم بدرجات أولى وأحرى، إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة الواردة في ذلك.
-
- والأنبياء نفوسهم وبلاغهم حجج على الخلق أحياءً وأمواتاً، وأنهم لم يكونوا ضلالاً ضلال كفر قط، فمن طعن في واحد منهم طعناً أو ردَّ عليه قولاً أو فعلاً أو عاب عليه شيئاً أو اتهمه تهمةً فقد خلع الإسلام خلعاً وانسلخ عن الدين انسلاخاً، برهان ذلك إجماع أهل الإسلام كلهم على إعلان الأذان في كل مسجد في الدنيا وفيه: (أشهد أن محمداً رسول الله) وعلى القول في كل صلاة أو تطوع: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) ، وإجماع الأمة من أولها إلى آخرها على دعاء أهل الكفر إلى: (قول لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) . وقول الله: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول} ٣ فسماه الله رسولاً بعد موته وإلى يوم القيامة، فلو لم تكن روحه قائماً حيّاً عند الله
vol. 1, p. 130تعالى لكان الأذان كذباً، والتشهد هدراً وتسليماً على معدوم، ولكان الصواب أن يقال: أشهد أن محمداً كان رسول الله١، وأجمعت الأمة على إنكار هذا القول٢ وتضليل] ١٠٥/أ [قائله وإخراجه من جملتهم، وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن لله ملائكة يبلغونه منا السلام" ٣ فمِنَّا على روحه المقدس المقرب في الجنة الآن عند ربه الحي العالم أطيب صلاة وأكثره عدد ما خلق ربنا ويخلق، وهذا القول في كل نبي ورسول، اللهم صلّ على روح محمد في الأرواح، وعلى جسد محمد في الأجساد، وأن جميع ذلك حق وصدق، لا
vol. 1, p. 131على وجه المجاز والرمز، والتأويل على ظاهره.
-
- وأجمعوا على أن الملائكة حق، والجن حق، قال الله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً} ١ وقال تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} ٢.
-
- وأجمعوا على أن دين الإسلام الذي جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض على كل من بلغه من جن وإنس، قال الله تعالى: {لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} ٣ وقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ٤ وقال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ...} الآية٥.
-
- ولم يبعث الله قبل محمد نبياً إلا إلى قومه خاصة، هكذا صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الأحمر والأسود" ٦ وقال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاس} ٧.
-
- وأن جميع ما صحَّ من الأخبار من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم حق
vol. 1, p. 132وصدق، وأنه هاجر من مكة إلى المدينة وتوفي صلى الله عليه وسلم وقُبِر بها.
-
- وأجمعوا على أن الحفظة الكرام حق، قال الله تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ...} ١ الآية، وقال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ} ٢ الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" ٣.
-
- وأجمعوا على أن إيتاء الكتب المكتوب فيها أعمال العباد حق، قال الله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ] ١٠٥/ب [أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} ٤ وقال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه} ٥ الآية.
-
- وأجمعوا على أن النبوة غير مكتسبة بل هي باصطفاء الله للعبد وتخصيصه إياه، قال الله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس} ٦.
-
ومعنى النبوة: أن ينبئ الله عز وجل من يشاء من عباده بوحي يعلمه به ما يكون قبل أن يكون.
-
وتفسير الرسالة: هو أن يرسل الله من شاء من عباده بما يشاء إلى من
vol. 1, p. 133يشاء من خلقه١، وذلك يكون إما بواسطة ملَكٍ أو إلهام أو رؤية في المنام أو سماع كلام من وراء حجاب، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} ٢ وقال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} ٣.
-
- وأجمعوا على أن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى ربنا ليلة المعراج، كما أخبر عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث فيه صحيح يجرى على ظاهره ولا يؤول٤.
- vol. 1, p. 134
- وكل ما صحّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عن الله عز وجل قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} ١، فطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وقبول قوله واجب على الكافة، فمن خالفه أو ردَّ عليه خلع ربقة الإسلام من عنقه، قال الله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ...} ٢ الآية.
-
والدين لازم أن يعرف كل واحد منه ما يخصه، فعلى جميع البالغين المميزين معرفة الطهارة والصلاة والصيام، وما يحرم أكله وما يحل من
vol. 1, p. 135ذلك، وما يحرم إتيانه وما يحل، وعلى أهل الأموال معرفة الزكاة، وعلى المستطيع] ١٠٦/أ [للحج معرفة الحج، وعلى من أراد النساء معرفة ما يحل من التسري والنكاح وما يحرم، وعلى أهل البيع معرفة ما يحل من البيوع [وما يحرم] ١، وعلى الأمراء والولاة معرفة الأحكام وسياسة الجيوش وحكم الغزو والمغانم.
-
وفرض على كل أحد أن يحفظ أم القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ٢، ويحفظ معها [شيئاً] ٣ من القرآن.