السنة السابعة

101 paragraphs · vol. 2, p. 44

Page 1 of 3

  1. [غزوة خيبر]

    قال عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، قال: كان افتتاح خيبر في عقب المحرم، وقدم رسول الله ﷺ في آخر صفر.

    قلت: وكذا رواه ابن إسحاق عن غير عبد الله بن أبي بكر.

    vol. 2, p. 44
  2. وذكر الواقدي، عن شيوخه، في خروج النبي ﷺ إلى خيبر: في أول سنة سبع.

  3. وشذ الزهري فقال، فيما رواه عنه موسى بن عقبة في مغازيه، قال: ثم قاتل رسول الله ﷺ يوم خيبر من سنة ست. وهذا لا يصح إلا إذا جعلنا ذلك في السنة السادسة من ساعة قدومه المدينة. والله أعلم.

  4. وخيبر: بليدة على ثمانية برد من المدينة.

    قال وهيب: حدثنا خثيم بن عراك، عن أبيه، عن نفر من بني غفار، قالوا: إن أبا هريرة قدم المدينة وقد خرج النبي ﷺ إلى خيبر، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري.

    قال أبو هريرة: فوجدناه في صلاة الصبح، فقرأ في الركعة الأولى ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] ، وقرأ في الثانية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾ [المطففين: ١] ، قال أبو هريرة: فأقول في صلاتي: ويل لأبي فلان له مكيالان، إذا اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص. قال: فلما فرغنا من صلاتنا أتينا سباع ابن عرفطة فزودنا شيئا حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وقد فتح خيبر، فكلم المسلمين فأشركونا في سهمانهم.

  5. وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: أخبرني سويد بن النعمان، أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي أدنى خيبر- صلى العصر، ثم دعا بأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا. ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ. أخرجه البخاري (١) .

  6. وقال حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا. فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟. وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم ويقول:

    vol. 2, p. 45اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا

    فاغفر فداء لك ما اقتفينا … وثبت الأقدام إن لاقينا

    وألقين سكينة علينا … إنا إذا صيح بنا أتينا

    وبالصياح عولوا علينا

    فقال رسول الله ﷺ : "من هذا السائق" ؟ قالوا: عامر. قال: "يرحمه الله" . قال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به. فأتينا خيبر فحاصرهم، حتى أصابتنا مخمصة شديدة. فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه النيران على أي شي توقد" ؟ قالوا: على لحم حمر إنسية. فقال: "أهريقوها واكسروها" . فقال رجل: أو يهريقوها ويغسلوها. قال: "أو ذاك" .

    قال: فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر، فتناول به ساق يهودي ليضربه، فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر، فمات منه. فلما قفلوا قال سلمة، وهو آخذ بيدي لما رآني رسول الله ﷺ ساكتا، قال: "مالك" ؟ قلت: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله. قال: "من قاله" ؟ قلت: فلان وأسيد بن حضير. فقال: "كذب من قاله، له أجران، وجمع بين أصبعيه، إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله" . متفق عليه (١) .

    وقال مالك: عن حميد، أنس، أن رسول الله ﷺ حين خرج إلى خيبر أتاها ليلا.

  7. وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر حتى يصبح. فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" . أخرجه البخاري (٢) . وأخرجاه من حديث ابن صهيب، عن أنس (٣) .

    وقال غير واحد: شعبة، وابن فضيل، عن مسلم الملائي، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة الملوك، ويركب الحمار، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف.

    vol. 2, p. 46وقال يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم: أخبرني سهل بن سعد، أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" . قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجوا أن يعطاها. فقال: "أين علي بن أبي طالب" ؟ قيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتي به فبصق رسول الله في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كان لم يكن به وجع. فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" . أخرجه عن قتيبة، عن يعقوب (١) .

  8. وقال سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية غدا رجلا يجب الله ورسوله، يفتح الله على يديه" . فقال عمر: أحببت الإمارة قط حتى يؤمئذ. فدعا عليا فبعثه، ثم قال: "اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت" ، قال علي: علام أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" . أخرجه مسلم (٢) ، وأخرجا نحوه من حديث سلمة بن الأكوع.

    وقال عكرمة بن عمار: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، قال: حدثني أبي أن عمه عامرا حدا بهم، فقال له النبي ﷺ : "غفر لك ربك" . قال: وما خص بها أحد إلا استشهد. فقال عمر: هلا متعتنا بعامر؟ فقدمنا خبير، فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه، ويقول:

    قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب

  9. إذا الحروب أقبلت تلهب
  10. فبرز له عامر، وهو يقول:
  11. قد علمت خيبر أني عامر … شاكي السلاح بطل مغامر

    قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب عامر يسفل له، فرجع بسيفه على نفسه فقطع أكحله، وكانت نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: "ما لك" ؟ فقلت: قالوا إن عامرا بطل عمله. قال: "من قال ذلك" ؟ قلت: نفر من أصحابك. فقال: "كذب أولئك بل له من الأجر مرتين" قال: فأرسل إلى علي يدعوه وهو أرمد فقال: لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فجئت به أقوده. قال: فبصق رسول الله ﷺ في عينيه فبرأ، فأعطاه الراية. قال: فبرز مرحب وهو يقول:

    قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح (١) بطل مجرب

    إذا الحروب أقبلت تلهب

    قال: فبرز له علي رضي الله عنه وهو يقول:

    أنا الذي سمتني أمي حيدره … كليث غابات كريه المنظره

    أوفيهم بالصاع كيل السندره (٢)

    vol. 2, p. 47
  12. فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله، وكان الفتح. أخرجه مسلم (٣) .

    وقال البكائي: قال ابن إسحاق، فحدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي الهيثم بن نصر الأسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول -في مسيره لخيبر- لعامر بن الأكوع: خذ لنا من هناتك فنزل يرتجز، فقال:

    والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا

    vol. 2, p. 48إنا إذا قوم بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا

    فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا

    فقال رسول الله ﷺ : "يرحمك الله" . فقال عمر: وجب والله يا رسول الله، لو أمتعتنا به. فقتل يوم خيبر شهيدا.

    وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن أبيه، عن سلمة بن الأكوع، قال: فخرج علي رضي الله عنه بالراية يهرول وإنا نخلفه حتى ركزها في رضم من حجارة تحت الحصن. فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب: فقال اليهودي: غلبتم - وعند البكائي: علوتم -وما أنزل على موسى. فما رجع حتى فتح الله عليه.

    وقال يونس بن بكير، عن المسيب بن مسلم الأزدي: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ : ربما أخذته الشقيقة (١) فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، ولما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، وأن أبا بكر أخذ راية رسول الله ﷺ ثم نهض فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع. فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة" ، وليس ثم علي. فتطاولت لها قريش، رجاكل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك. فأصبح وجاء علي على بعير حتى أناخ قريبا، وهو أرمد قد عصب عينه بشق برد قطري. فقال رسول الله ﷺ : "ما لك" ؟ قال: رمدت بعدك، قال: "ادن مني" ، فتفل في عينه، فما وجعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها، وعليه جبة أرجوان حمراء قد أخرج خملها، فأتى مدينة خيبر.

  13. وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر مظهر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز، فارتجز علي واختلفا ضربتين، فبدر علي بضربة، فقد الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة.

  14. وقال عوف الأعرابي، عن ميمون أبي عبد الله الأزدي، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: فاختلف مرحب وعلي ضربتين، فضربه علي على هامته حتى عض السيف بأضراسه. وسمع أهل العسكر صوت ضربته. وما تتام آخر الناس مع علي حتى فتح الله له ولهم.

    vol. 2, p. 49وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن الحسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، قال: خرجنا مع علي حين بعثه النبي ﷺ برايته. فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي باب الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه. ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني مع نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه.

  15. رواه البكائي، عن ابن إسحاق، عن أبي رافع منقطعا، وفيه: فتناول على بابا كان عند الحصن. والباقى بمعناه.

    وقال إسماعيل بن موسى السدي: حدثنا مطلب بن زياد، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: دخلت عليه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله أن عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه، فافتتحوها، وأنه خرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلًا.

  16. تابعه فضيل بن عبد الوهاب، عن مطلب.

  17. وقال يونس بن بكير، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، والمنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان علي يلبس في الحر والشتاء القباء المحشو الثخين وما يبالي الحر، فأتاني أصحابي فقالوا: إنا قد رأينا من أمير المؤمنين شيئا فهل رأيته؟ فقتلت: وهو؟ قالوا: رأيناه يخرج علينا في الحر الشديد في القباء المحشو وما يبالي الحر، ويخرج علينا في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين وما يبالي البرد، فهل سمعت في ذلك شيئا؟ فقلت: لا. فقالوا: سل لنا أباك فإنه يسمر معه. فسألته فقال: ما سمعت في ذلك شيئا. فدخل عليه فسمر معه فسأله فقال علي: أو ما شهدت معنا خيبر؟ قال: بلي. قال: فما رأيت رسول الله ﷺ حين دعا أبا بكر فعقد له وبعثه إلى القوم، فانطلق فلقي القوم، ثم جاء بالناس وقد هزموا؟ فقال: بلي. قال: ثم بعث إلى عمر فعقد له وبعثه إلى القوم، فانطلق فلقي القوم فقاتهلم ثم رجع وقد هزم، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله عليه غير فرار" ، فدعاني فأعطاني الراية، ثم قال: "اللهم اكفه الحر والبرد" ، فما وجدت بعد ذلك حرا ولا بردا.

  18. وقال أبو عوانة، عن مغيرة الضبي، عن أم موسى، قالت: سمعت عليا يقول: ما رمدت ولا صدعت مذ دفع إلي رسول الله ﷺ الراية يوم خيبر.

  19. رواه أبو داود الطيالسي في مسنده.

  20. [فصل فيمن ذكر أن مرحبا قتله محمد بن مسلمة]

    vol. 2, p. 50
  21. قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، أن رسول الله ﷺ قام يوم خيبر فوعظهم. وفيه: فخرج اليهود بعاديتها، فقتل صاحب عادية اليهود فانقطعوا. وقتل محمد بن مسلمة الأشهلي مرحبا اليهودي.

    وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عروة، نحوه.

    وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن سهل الحارثي، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر، قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول: من يبارز؟ فقال رسول الله ﷺ : "من لهذا" ؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له، أنا والله الموتور الثاثر، قتلوا أخي بالأمس. قال: "قم إليه، اللهم أعنه عليه" . فلما تقاربا دخلت بينهما شجرة عمرية، فجعل كل واحد منها يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه، حتى برز كل واحد منهما، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، ثم حمل على محمد فضربه فاتقاه بالدرقة، فعضت بسيفه فأمسكته، وضربه محمد حتى قتله، فقيل: إنه ارتجز فقال:

    قد علمت خيبر أني ماضي … حلو إذا شئت وسم قاضي

    وكان ارتجاز مرحب:

    قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب

    إذا الليوث أقبلت تلهب … وأحجمت عن صولة المغلب

    أطعن أحيانا وحينا أضرب … إن حماي للحمى لا يقرب

    وقال الواقدي: حدثني محمد بن الفضل بن عبيد الله بن رافع بن خديج، عن أبيه، عن جابر، قال: وحدثني زكريا بن زيد، عن عبد الله بن أبي سفيان، عن أبيه، عن سلمة بن سلامة، قال: وعن مجمع بن يعقوب، عن أبيه، عن مجمع بن جارية، قالوا جميعا: إن محمد بن مسلمة قتل مرحبا.

  22. وذكر الواقدي، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، أن عليا حمل على مرحب فقطره على الباب، وفتح على الباب الآخر، وكان للحصن بابان.

    vol. 2, p. 51قال الواقدي: وقيل: إن محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما، فقال: أجهز علي يا محمد. فقال: ذق الموت كما ذاقه أخي محمود، وجاوزه، ومر به علي فضرب عنقه وأخذ سلبه. فاختصما إلى رسول الله ﷺ في سلبه، فأعطاه محمدا. وكان عند آل محمد بن مسلمة فيه كتاب لا يدرى ما هو، حتى قرأه يهودي من يهود تيماء فإذا فيه: هذا سيف مرحب من يذقه يعطب.

    قال الواقدي: حدثني محمد بن الفضل بن عبيد الله بن رافع، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: برز مرحب وكان طوالا جسيما، فقال رسول الله ﷺ حين برز وطلع: "أترونه خمسة أذرع" ؟ وهو يدعو إلى البراز؛ فبرز له علي فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئا، حتى ضرب ساقيه فبرك، ثم دفف عليه وأخذ سلاحه.

    قال ابن إسحاق: ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر، فبرز له الزبير فقتله.

  23. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة. ورواه موسى بن عقبة -واللفظ له- قال: ثم دخلوا حصنا لهم منيعا يدعى القموص، فحاصرهم النبي ﷺ قريبا من عشرين ليلة.

  24. وكانت أرضًا وخمة شديدة الحر، فجهد المسلمون جهدا شديدا، فوجدوا أحمرة ليهود، فذكر قصتها، ونهى النبي ﷺ عن أكلها. ثم قال: وجاء عبد حبشي من أهل خيبر كان في غنم لسيده، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح، سألهم ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي. فوقع في نفسه، فأقبل بغنمه حتى عمد لرسول الله ﷺ فأسلم، وقال: ماذا لي؟ قال: "الجنة" فقال: يا رسول الله إن هذه الغنم عندي أمانة. قال له رسول الله ﷺ : "أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصباء فإن الله سيؤدي عنك أمانتك" ، ففعل؛ فرجعت الغنم إلى سيدها. ووعظ النبي ﷺ الناس، إلى أن قال: "وقتل من المسلمين العبد الأسود، فاحتملوه فأدخل في فسطاط، " فزعموا أن رسول الله ﷺ اطلع في الفسطاط، ثم أقبل على أصحابه فقال: "لقد أكرم الله هذا العبد، وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين" .

    وقال ابن وهب: أخبرني حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر بن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر، فخرجت سرية فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها، فجاؤوا به إلى رسول الله ﷺ فكلمه، فقال له الرجل: إني قد آمنت بك فكيف بالغنم فإنها أمانة، وهي للناس الشاة والشاتان، قال: "احصب وجوهها ترجع إلى أهلها" . فأخذ قبضة من حصباء أو تراب فرمى بها وجوهها، فخرجت تشتد حتى دخلت كل

    vol. 2, p. 52شاة إلى أهلها. ثم تقدم إلى الصف، فأصابه سهم فقتله. ولم يصل لله سجدة قط، قال رسول الله ﷺ : "أدخلوه الخباء" فأدخل خباء رسول الله ﷺ دخل عليه ثم خرج فقال: "لقد حسن إسلام صاحبكم، لقد دخلت عليه وإن عنده لزوجتين له من الحور العين" .

  25. وهذا حديث حسن أو صحيح.

    وقال مؤمل بن إسماعيل: حدثنا حماد، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه، منتن الريح، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: "نعم" . فتقدم فقاتل حتى قتل. فأتى عليه النبي ﷺ وهو مقتول، فقال: "لقد أحسن الله وجهك وطيب روحك وكثر مالك" . قال: وقال - لهذا أو لغيره: "لقد رأيت زوجتيه من الحور العين ينازعانه جبته عنه، يدخلان فيما بين جلده وجبته" . وهذا حديث صحيح.

    وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض أسلم، أن بعض بنى سهم من أسلم أتوا رسول الله ﷺ بخيبر، فقالوا: يا رسول الله، والله لقد جهدنا وما بأيدينا شيء، فلم يجدوا عند رسول الله ﷺ شيئا، فقال: "اللهم إنك قد علمت حالهم وأنهم ليست لهم قوة وليس بيدي ما أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصن بها غني، أكثره طعاما وودكا" . فغدا الناس ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ، وما بخبير حصن أكثر طعاما وودكا منه. فلما افتتح رسول الله ﷺ من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم، وكانا آخر حصون خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة.

  26. [ذكر صفية]

    وقال البكائي، عن ابن إسحاق، قال: وتدنى رسول الله ﷺ الأموال، يأخذها مالا مالا، ويفتحها حصنا حصنا. فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة الأنصاري أخو محمد، ألقيت عليه رحى فقتلته. ثم القموص؛ حصن ابن أبي الحقيق. وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا، منهن صفية بنت حيي بن أخطب، وبنتا عم لها، فأعطاهما دحية الكلبي.

    vol. 2, p. 53
  27. وقال يونس، عن ابن إسحاق، حدثني ابن لمحمد بن مسلمة الأنصاري عمن أدرك من أهله، وحدثنيه مكنف، قالا: حاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة، سألوا رسول الله ﷺ أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ففعل. وكان رسول الله ﷺ قد حاز الأموال كلها: الشق والنطاة والكتيبة وجميع حصونهم، إلا ما كان في ذينك الحصنين. فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ويخلون بينه وبين الأموال، ففعل. فكان ممن مشى بين يدي رسول الله ﷺ وبينهم، في ذلك، محيصة بن مسعود. فلما نزلوا على ذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم على الأموال على النصف، وقال: "نحن أعلم بها منكم وأعمر لها" . فصالحهم على النصف على أنا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. وصالحه أهل فدك على مثل ذلك. فكانت أموال خيبر فيئا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ ؛ لأن المسلمين لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.

  28. وقال حماد بن زيد، عن ثابت، وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس أن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل خيبر قتل المقاتلة وسبى الذراري، فصارت صفية لدحية الكلبي، ثم صارت لرسول الله ﷺ ، ثم تزوجها وجعل صداقها عتقها. متفق عليه.

  29. وقال يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، قال: ذكر النبي ﷺ جمال صفية، وكانت عروسًا وقتل زوجها، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فلما كنا بسد الصهباء حلت، فبنى رسول الله ﷺ : واتخذ حيسا في نطع صغير، وكانت وليمته.

  30. فرأيته يحوي لها بعباءة خلفه، ويجلس عند ناقته، فيضع ركبته فتجيء صفية فتضع رجلها على ركبته ثم تركب. فلما بدا لنا أحد قال رسول الله ﷺ : "هذا جبل يحبنا ونحبه" .

  31. أخرجه البخاري، بأطول من هذا، ومسلم.

    وقال محمد بن جعفر بن أبي كثير: أخبرني حميد، سمع أنسا، قال: أقام رسول الله ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبني عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمة رسول الله ﷺ ، ما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت، وألقي عليها التمر والأقط والسمن. فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين هي أو مما ملكت يمينه؟ قالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطأ لها خلفه، ومد الحجاب بينها وبين الناس. أخرجه البخاري.

    وقال حماد بن سلمة: حدثنا عبيد الله بن عمر- فيما أحسب- عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء

    vol. 2, p. 54والبيضاء، ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد. فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير. فقال رسول الله ﷺ لعم حيي: "ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير" ؟ قال: أذهبته النفقات والحروب. فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" . فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير، فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة، فقال عمه: قد رأيت حييا يطوف في خربة ههنا. فذهبوا فطافوا، فوجدوا المسك في الخربة. فقتل رسول الله ﷺ ابني حقيق، وأحدهما زوج صفية. وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا. وأراد أن يجليهم منها، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها. ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، فأعطاهم على النصف ما بدا لرسول الله ﷺ . فكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر. فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه فقال: يا أعداء الله تطمعوني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.

    قال: ورأى رسول الله ﷺ بعين صفية خضرة، فقال: "ما هذه" ؟ قالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرا وقع في حجري فأخبرته بذلك، فلطمني وقال: تمنين ملك يثرب؟ قالت: وكان رسول الله ﷺ من أبغض الناس إلي، قتل أبي وزوجي. فما زال يعتذر إلي ويقول: "إن أباك ألب العرب علي وفعل وفعل" ، حتى ذهب ذلك من نفسي.

  32. وكان رسول الله ﷺ يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام، وعشرين وسقا من شعير.

  33. فلما كان زمن عمر غشوا المسلمين، وألقوا ابن عمر من فوق بيت، ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر، حتى قسمها بينهم. وقال رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله ﷺ وأبو بكر. فقال له: أتراه سقط عني قول رسول الله ﷺ كيف بك إذا رقصت بك (١) راحلتك تخوم الشام يوما ثم يوما ثم يوما. وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية.

  34. استشهد به البخاري في كتابه، فقال: ورواه حماد بن سلمة.

    وقال أبو أحمد المرار بن حمويه: حدثنا محمد بن يحيى الكناني، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما فدعت (١) بخيبر قام عمر خطيبا، فقال: إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أموالها، وقال: "نقركم ما أقركم الله" ، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى خيبر، ما له هناك، فعدي عليه من الليل ففدعت يداه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، وهم تهمتنا (٢) ، وقد رأيت إجلاءهم. فلما أجمع على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق (٣) فقال: يا أمير المؤمنين، تخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا؟ فقال: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك (٤) ليلة بعد ليلة. فأجلاهم وأعطاهم قيمة مالهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك. أخرجه البخاري عن أبي أحمد (٥) .

    vol. 2, p. 55
  35. وقال ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن رجال من أصحاب رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك. وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس. أخرجه أبو داود.

  36. وقال سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار أن رسول الله ﷺ قسم خيبر ستة وثلاثين سهما، فعزل للمسلمين ثمانية عشر سهما، يجمع كل سهم مائة،

    vol. 2, p. 56والنبي ﷺ معهم وله سهم كسهم أحدهم. وعزل النصف لنوائبه وما ينزل به من أمور المسلمين، فكان ذلك الوطيح والسلالم والكتيبة وتوابعها، فلما صارت الأموال بيد النبي ﷺ والمسلمين، لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا اليهود فعاملهم.

    قال البيهقي رحمه الله : وهذا لأن بعض خيبر فتح عنوة، وبعضها صلحا. فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح لنوائبه وما يحتاج إليه في مصالح المسلمين.

    وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن خيبر يوم أشركها النبي ﷺ كان فيها زرع، ونخل فكان يقسم لنسائه كل سنة لكل واحدة منهن مائة وسق تمر، وعشرين وسق شعير لكل امرأة.

  37. رواه الذهلي، عن عبد الرزاق، فأسقط منه: ابن عمر.

    وقال ابن وهب: قال يحيى بن أيوب: حدثني إبراهيم بن سعد، عن كثير مولى بني مخزوم، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قسم لمائتي فرس يوم خيبر سهمين سهمين.

    قال ابن وهب: وقال لي يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، وصالح بن كيسان مثل ذلك.

  38. وقال ابن عيينة، حدثنا يحيى بن سعد، عن صالح بن كيسان، قال: كانوا يوم خيبر ألفا وأربع مائة، وكانت الخيل مائتي فرس.

    وقال يونس، عن ابن إسحاق: أخبرني الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: لم قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب، مشيت أنا وعثمان فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت إخوتنا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم بمنزل واحد منك. فقال: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" ، ثم شبك رسول الله ﷺ يديه إحداهما في الأخرى.

  39. استشهد به البخاري.

  40. وقال شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مغفل، قال: دلى جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته، وقلت: هذا لا أعطي أحدا منه شيئا. فالتفت فإذا النبي ﷺ يتبسم فاستحييت منه. متفق عليه.

    وقال أبو معاوية: حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قلت: أكنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف. أخرجه أبو داود.