ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة
253 paragraphs · vol. 2, p. 76
Page 1 of 7
- vol. 2, p. 76
قال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله، عن عمه ابن شهاب، قال: سار ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا إلى بني سليم، وكان عين لبني سليم معه، فلما فصل من المدينة، خرج العين إلى قومه فحذرهم. فجمعوا كثيرا. وجاءهم ابن أبي العوجاء وهم معدون. فلما رآهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ورأوا جمعهم، دعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنبل، ولم يسمعوا قولهم، فرمهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي، وأحدقوا بهم، فقاتلوا حتى قتل عامتهم، وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا في القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ ، فقدم المدينة في أول صفر.
- vol. 2, p. 76
[إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد]
-
وفيها: أسلم عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد.
قال الواقدي: أخبرنا عبد الحميد، بن جعفر، عن أبيه، قال: قال عمرو بن العاص كنت للإسلام مجانبا معاندا، حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا والخندق فنجوت، فقلت في نفسي: كم أوضع، والله ليظهرن محمد على قريش. فلحقت بمالي بالوهط. فلما كان صلح الحديبية، جعلت أقول: يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه، ما مكة بمنزل ولا الطائف، وما شيء خير من الخروج. فقدمت مكة فجمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت: تعلمون -والله- إني لأرى أمر محمد يعلو علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا. قالوا: وما هو؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون معه، فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي، أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد. وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا.
قالوا: هذا الرأى. قلت: فاجمعوا ما تهدونه له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم.
-
فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى أتيناه، فإنا لعنده؛ إذ جاء عمرو بن أمية الضمري بكتاب النبي ﷺ إلى النجاشي ليزوجه بأم حبيبة بنت أبي سفيان فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: لو دخلت على النجاشي، فسألته هذا فأعطانيه لقتلته لأسر بذلك قريشا. فدخلت عليه فسجدت له فقال: مرحبا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئا؟ قلت:
نعم أيها الملك أهديت لك أدما، وقربته إليه، فأعجبه، ففرق منه أشياء بين بطارقته، ثم قلت: إني رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا قد وترنا وقتل أشرافنا، فأعطنيه فأقتله، فغضبب ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم
vol. 2, p. 77بثيابي، فأصابني من ذلك الذل ما لو انشقت لي الأرض دخلت فيها فرقا منه. ثم قلت: أيها الملك: لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتكه. قال: فاستحيا، وقال: يا عمرو، تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى عليهما السلام لتقتله؟ قال عمرو: وغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالف أنت؟ قلت: أتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو، فأطعني واتبعه، فوالله إنه لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون. قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعني على الإسلام، ثم دعا بطست، فغسل عني الدم، وكسانى ثيابا، وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها.
-
وخرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك، وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت: كرهت أن أكلمه في أول مرة، وقلت: أعود إليه- ففارقتهم، وكأني أعمد لحاجة- فعمدت إلى موضع السفن فأجد سفينة قد شحنت تدفع. فركبت معهم، ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبية، وخرجت من الشعيبة ومعي نفقة، فابتعت بعيرا، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير، يريدان منزلا، وأحدهما داخل في خيمة، والآخر قائم يمسك الراحلتين.
-
فنظرت فإذا خالد بن الوليد. فقلت: أبا سليمان؟ قال: نعم. قلت: أين تريد؟ قال: محمدًا، دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طعم، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها. قلت: وأنا والله قد أردت محمدا وأردت الإسلام. فخرج عثمان بن طلحة، فرحب بي، فنزلنا جميعا ثم ترافقنا إلى المدينة، فما أنسى قول رجل لقينا بدير أبي عنبة يصيح: يا رباح، يا رباح. فتفاءلنا بقوله، وسرنا ثم نظر إلينا، فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين. فظننت أنه يعنيني خالد بن الوليد. وولى مدبرا إلى المسجد سريعا فظننت أنه بشر النبي ﷺ بقدومنا، فكان كما ظننت. وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا، ونودي بالعصر، فانطلقنا حتى اطلعنا عليه، وإن لوجهه تهللا، والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا. وتقدم خالد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه، فما استطعت أن أرفع طرفي إليه حياء منه، فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم يحضرني ما تأخر. فقال: "إن الإسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها" . فوالله ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد أحدا في أمر حزبه منذ أسملنا، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحال، وكان عمر على خالد كالعاتب.
vol. 2, p. 78قال عبد الحميد بن جعفر: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب، فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أوس الثقفي، عن حبيب، عن عمرو؛ نحو ذلك. فقلت ليزيد: ألم يوقت لك متى قدم عمرو خالد؟ قال: لا، إلا أنه قال: قبل الفتح. قلت: فإن أبي أخبرني أن عمرا وخالدا وعثمان قدموا المدينة لهلال صفر سنة ثمان.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب، عن حبيب بن أبي أوس، قال: حدثني عمرو بن العاص، قال: لما انصرفنا من الخندق، جمعت رجالا من قريش، فقلت: والله إني لأرى أمر محمد يعلو علوا منكرا، والله ما يقوم له شيء، وقد رأيت رأيا ما أدري كيف رأيكم فيه؟ قالوا: وما هو؟ قلت: أن نحلق بالنجاشي. فذكر الحديث، لكن فيه: فضرب بيده أنف نفسه حتى ظننت أنه قد كسره. والباقي بمعناه مختصرا.
وقال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد، قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإسلام، وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد فليس موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شي، وأن محمدًا يسظهر. فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية، خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعسفان، فأقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا، وكانت فيه خيرة، فأطلع على ما أنفسنا من الهموم، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف. فوقع ذلك منا موقعا، وقلت: الرجل ممنوع. فافترقا، وعدل عن سنن خيلنا، وأخذت ذات اليمين.
-
فلما صالح قريشا قلت: أي شيء بقي؟ أين المذهب؟ إلى النجاشي؟ فقد اتبع محمدا، وأصحابه عنده آمنون. فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى النصرانية أو اليهودية فأقيم مع عجم تابعا مع عيب ذلك؟ أو أقيم في داري فيمن بقي؟ فأنا على ذلك، إذ دخل رسول الله ﷺ في عمرة القضية، فتغيبت.
-
وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي ﷺ في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني، فكتب إلى كتابا فإذا فيه: أما بعد؛ فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام.
-
وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد؟ قد سألني رسول الله ﷺ عنك فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: ما مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع
vol. 2, p. 79المسلمين على المشركين كان خيرا له ولقدمناه على غيره، فاستدرك يا أخي ما قد فاتك. فلما جاءني كتابه، نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة جدبة، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة، قلت: إن هذه لرؤيا.
-
فلما قدمنا المدينة، قلت: لأذكرنها لأبي بكر، فذكرتها، فقال: هو مخرجك الذي هداك الله للإسلام، والضيق هو الشرك. قال: فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ ، قلت: من أصحاب إلى محمد؟ فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه، إنما كنا كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد فاتبعناه فإن شرفه لنا شرف. فأبى أشد الإباء، وقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدًا. فافترقنا وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان، فقال لي مثل ما قال صفوان. قلت: فاكتم ذكر ما قلت لك. وخرجت إلى منزلي، فأمرت براحلتي أن تخرج إلى أن ألقى عثمان بن طلحة. فقلت: إن هذا لي صديق، فذكرت له، فقال: نعم، إني عمدت اليوم، وأنا أزيد أن أغدو، وهذه راحلتي بفخ مناخة. قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج، وأدلجنا سحرا، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة، فنجد عمرو بن العاص بها، فقال: مرحبا بالقوم. فقلنا: وبك. فذكر الحديث. وقال: كان قدومنا في صفر سنة ثمان، فوالله ما كان رسول الله ﷺ من يوم أسلمت يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه.
- vol. 2, p. 79
[سرية شجاع بن وهب الأسدي]
قال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمر بن الحكم، قال: بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلًا، إلى جمع من هوازن، وأمره أن يغير عليهم. فخرج يسير الليل ويكمن النهار، حتى صبحهم غارين، فأصابوا نعمًا وشاء، فاستاقوا ذلك إلى المدينة. فكانت سهمانهم خمسة عشر بعيرًا لكل رجل منهم، وعدلوا البعير من الغنم. وغابت السرية خمس عشرة ليلة.
قال ابن أبي سبرة: فحدثت بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فقال: كذبوا، قد أصابوا في ذلك الحاضر نسوة فاستاقوهن، فكانت فيهن جارية وضيئة، فقدموا بها المدينة، ثم قدم وفدهم مسلمين، فكلموا رسول الله ﷺ في السبي. فكلم النبي ﷺ شجاعا وأصحابه في ردهن، فردوهن. قال ابن أبي سبرة: فأخبرت شيخا من الأنصار بذلك، فقال: أما الجارية الوضيئة فأخذها شجاع بثمن فأصابها، فلما قدم الوفد، خيرها فاختارت شجاعا، فقتل يوم اليمامة وهي عنده.
- vol. 2, p. 80
[سرية نجد]
-
قال نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ بعث سرية قبل نجد وأنا فيهم. فغنموا إبلا كثيرة، فبلغت سهمانهم لكل واحد اثني عشر بعيرا، ثم نفلوا بعيرا بعيرا، فلم يغير رسول الله ﷺ (١) . متفق عليه.
- vol. 2, p. 80
[سرية كعب بن عمير]
قال الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري، في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك المسلمون قاتلوهم أشد القتال، حتى قتلوا، فأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل، تحامل حتى أتى النبي ﷺ ، فهم بالبعثة إليهم، فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر، فتركهم. والله أعلم.
- vol. 2, p. 80
[غزوة مؤتة]
قال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحكم، قال: بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتابه، فلما نزل مؤتة عرض للحارث شرحبيل بن عمرو الغساني، فقال: أين تريد؟ قال: الشام. قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، فأمر به فضربت عنقه. ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره.
-
وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فاشتد عليه، وندب الناس فأسرعوا. وكان ذلك سبب خروجهم إلى غزوة مؤتة.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، قال: قدم رسول الله ﷺ من عمرة القضاء في ذي الحجة، فأقام بالمدينة حتى بعث إلى مؤتة في جمادى من سنة ثمان، وأمر على الناس زيد بن حارثة. وقال إن أصيب فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أصبت فليرتض المسلمون رجلا. فتهيؤوا للخروج، وودع الناس أمراء رسول الله ﷺ . فبكى ابن رواحة، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما
vol. 2, p. 81بي حب للدنيا، ولا صبابة إليها، ولكني سمعت الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين ودفع عنكم. فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة … وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة … بحربه تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقولوا إذا مروا على جدثي … يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
ثم إنه ودع النبي ﷺ ، وقال:
ثبت الله ما آتاك من حسن … تثبيت موسى، ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة … والله يعلم أني ثابت بصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله … والوجه منه فقد أزرى به القدر
ثم خرج القوم حتى نزلوا معان، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآرب في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة، فأقاموا بمعان يومين، وقالوا: نبعث إلى رسول الله ﷺ بخبره.
-
فشجع الناس عبد الله بن رواحة، فقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم لها تطلبون، الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا كثرة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإن يظهرنا الله به فربما فعل، وإن تكن الأخرى فهي الشهادة، وليست بشر المنزلتين. فقال الناس: والله لقد صدق فانشمر الناس، وهم ثلاثة آلاف، حتى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال له: مشارف، ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة، قرية فوق أحساء. وكانوا ثلاثة آلاف.
وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: شهدت مؤتة، فلما رآنا المشركون رأينا ما لا قبل لأحد به من العدة والسلاح والكراع والديباج والذهب. فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: مالك يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعا كثيرة؟ قلت: نعم. قال: لم تشهد معنا بدرا، إنا لم ننصر بالكثرة.
-
وقال المغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أمر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فإن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال ابن عمر: كنت معهم، ففتشناه -يعني ابن رواحة- فوجدنا فيما أقبل من جسده بضعا وسبعين، بين طعنة ورمية.
vol. 2, p. 82وقال مصعب الزبيري وغيره، عن مغيرة: بضعا وتسعين. أخرجه البخاري.
وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحكم، عن أبيه، قال: جاء النعمان بن مهص اليهودي، فوقف مع الناس. فقال النبي ﷺ : "زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل عبد الله فليرتض المسلمون رجلا فليجعلوه عليهم" . فقال النعمان: أبا القاسم، إن كنت نبيا، فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا. إن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، فقالوا: إن أصيب فلان ففلان، فلو سموا مائة أصيبوا جميعا. ثم جعل اليهودي يقول لزيد: اعهد، فلا ترجع إن كان محمد نبيا. قال زيد: أشهد أنه نبي بار صادق.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: كان على ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري. والتقى الناس، فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: حدثني أبي من الرضاعة، وكان أحد بني مرة بن عوف، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى قتل.
قال ابن إسحاق: فهو أول من عقر في الإسلام، وقال جعفر:
يا حبذا الجنة واقترابها … طيبة باردة شرابها
والروم روم قد دنا عذابها … علي إن لاقيتها ضرابها
فلما قتل أخذ الراية عبد الله بن رواحة.
-
حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، قال: أخذها عبد الله بن رواحة فالتوى بها بعض الالتواء، ثم تقدم بها على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد.
-
حدثني عبد الله بن أبي بكر، أن ابن رواحة قال عند ذلك:
أقسمت يا نفس لتنزلنه … طائعة أو سوف تكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه … ما لي أراك تكرهين الجنة
يا طالما قد كنت مطمئنه … هل أنت إلا نطفة في شنه (١)
- vol. 2, p. 83
ثم نزل فقاتل حتى قتل.
قال ابن إسحاق: وقال أيضا:
يا نفس إن لا تقتلي تموتي … هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت … إن تفعلي فعلهما هديت
وإن تأخرت فقد شقيت
فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق لحم، فقال: شد بها صلبك، فنهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة (١) في ناحية، فقال: وأنت في الدنيا؟ فألقاه من يده. ثم قاتل حتى قتل.
-
فحدثني محمد بن جعفر، عن عروة، قال: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم، فقال: اصطلحوا يا معشر المسلمين على رجل. قالوا: أنت لها. فقال: لا، فاصطلحوا على خالد بن الوليد. فحاش بالناس، فدافع وانحاز وانحيز عنه، ثم انصرف بالناس.
-
وقال حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس، قال: نعى النبي ﷺ جعفرا وزيد بن حارثة، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تذرفان.
-
أخرجه البخاري، وزاد فيه: فنعاهم، وقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة. ثم أخذ الراية بعدهم سيف من سيوف الله: خالد بن الوليد.
قال: فجعل يحدث الناس وعيناه تذرفان (٢) .
وقال سليمان بن حرب: حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير، قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري، وكانت الأنصار تفقهه، فغشيه الناس، فغشيته فيمن غشيه من الناس، فقال: حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ ، قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء، وقال: "عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة" ، فوثب جعفر فقال: يا رسول الله، ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي. قال: "فامض. فإنك لا تدري أي ذلك خير" . فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله. فصعد رسول الله ﷺ
vol. 2, p. 84المنبر، وأمر فنودي: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إلى رسول الله ﷺ فقال: "أخبركم عن جيشكم هذا: إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فقتل زيد شهيدا" ، فاستغفر له. ثم قال: "أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا" ، شهد له بالشهادة واستغفر له. "ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا" ، فاستغفر له، "ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء وهو أمر نفسه" ، ثم قال: "اللهم إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره" . فمن يومئذ سمي خالد "سيف الله" .
وقال البكائي، عن ابن إسحاق: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "أخذ الراية زيد فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل حتى قتل شهيدا" ، ثم صمت، حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بعض ما يكرهون. فقال: "ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا" ، ثم قال: "لقد رفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب. فرأيت في سرير عبد الله ازورارًا عن سريري صاحبيه. فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى" .
وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن الحارث بن فضيل، عن أبيه، قال: لما أخذ خالد الراية: قال رسول الله ﷺ : "الآن حمي الوطيس" .
قال: فحدثني العطاف بن خالد، قال: لما قتل ابن رواحة مساء، بات خالد، فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقة، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة. فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة ثم يقتلها قوم.
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. أخرجه البخاري (١) .
وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح التمار، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن النبي ﷺ قال: "لما قتل زيد أخذ الراية جعفر فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين، تمنيني الدنيا؟ ثم مضى قدما حتى استشهد" ، فصلى عليه ودعا له، وقال: "استغفروا له، فإنه دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة" .
- vol. 2, p. 85
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن ابن عمر كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر، قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. رواه البخاري (١) .
وقال عبد الوهاب الثقفي: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: لماء جاء قتل جعفر وابن حارثة وابن رواحة، جلس رسول الله ﷺ في المسجد يعرف فيه الحزن، وأنا أطلع من شق الباب، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر؛ وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن. فذهب الرجل ثم أتى فقال: قد نهيتهن. وذكر أنهن لم يطعنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب ثم أتى فقال: والله قد غلبننا. فزعمت أن رسول الله ﷺ قال: "فاحث في أفواههن التراب" . فقلت: أرغم الله أنفك، ما أنت تفعل، وما تركت رسول الله ﷺ من العناء. أخرجاه عن محمد بن المثنى، عنه (٢) .
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أم عيسى الجزار، عن أم جعفر، عن جدتها أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه، دخل علي رسول الله ﷺ وقد عجنت وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم. فقال: "ائتيني ببني جعفر" . فأتيته بهم، فشمهم، فدمعت عيناه. فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه؟ فقال: "نعم. أصيبوا هذا اليوم" . فقمت أصيح، واجتمع الناس. فرجع رسول الله ﷺ إلى أهله، فقال: "لا تغفلوا آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم" .
قال ابن إسحاق: فسمعت عبد الله بن أبي بكر، يقول: لقد أدركت الناس بالمدينة إذا مات لهم ميت؛ تكلف جيرانهم يومهم ذلك طعامهم؛ فلكأني أنظر إليهم قد خبزوا خبزا صغارا، وصنعوا لحما، فيجعل في جفنة، ثم يأتون به أهل الميت، وهم يبكون على ميتهم مشتغلين فيأكلونه. ثم إن الناس تركوا ذلك.
-
فائدة: أخرج مسلم في صحيحه، من حديث عوف بن مالك، قال: خرجت في غزوة مؤته، فرافقني مددي من أهل اليمن، ليس معه غير سيفه. فنحر رجل جزورًا فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه فاتخذه كهيئة الدرقة. ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر وعليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل يفري بالمسلمين. وقعدوا له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه. فأخذه
vol. 2, p. 86منه خالد بن الوليد، فأتيته فقلت: أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته. قلت: لتردنه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ . قال: فاجتمعنا، فقصصت على رسول الله ﷺ القصة، فقال لخالد: "ما حملك على ما صنعت" ؟ قال: استكثرته. قال: "رد عليه ذلك" . فقلت: دونك يا خالد، ألم أقل لك؟ فقال رسول الله: "ما ذاك" ؟ فأخبرته. قال: فغضب وقال: "يا خالد لا ترده عليه. هل أنتم تاركوا لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره" (١) .
وقال الواقدي: حدثني محمد بن مسلم، عن يحيى بن أبي يعلى، قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: أنا أحفظ حين دخل رسول الله ﷺ على أمي، فنعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهراقان الدموع، ثم قال: "اللهم إن جعفرا قد قدم إليك إلى أحسن ثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته" . ثم قال: "يا أسماء، ألا أبشرك" ؟ قالت: بلي، بأبي أنت وأمي. قال: "إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة" . قالت: فأعلم الناس ذلك. وذكر الحديث.
وقال الواقدي: حدثني سليمان بن بلال، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: أصيب بها ناس من المسلمين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين.
-
فكان مما غنموا خاتم جاء به رجل إلى رسول الله ﷺ ، قال: قتلت صاحبه يومئذ، فنفله رسول الله ﷺ إياه.
وقال عوف بن مالك الأشجعي: لقيناهم في جماعة من قضاعة وغيرهم من نصارى العرب، فصافوا، فجعل رجل من الروم يشتد على المسلمين، فجعلت أقول في نفسي: من لهذا؟ وقد رافقني رجل من أمداد حمير، ليس معه إلا السيف، إذ نحر رجل جزورا فسأله
vol. 2, p. 87المددي طائفة من جلده، فوهبه منه، فجعله في الشمس وأوتد في أطرافه أوتادًا، فلما جف اتخذ منه مقبضا وجعله درقة. قال: فلما رأى ذلك المددي فعل الرومي، كمن له خلف صخرة، فلما مر به خرج عليه فعرقب فرسه، فقعد الفرس على رجليه وخر عنه العلج، فشد عليه فعلاه بالسيف فقتله.
قال: وحدثني بكير بن مسمار، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، قال: حضرت مؤتة فبارزني رجل منهم، فأصبته وعليه بيضة له فيها ياقوتة، فأخذتها، فلما انكشفنا فانهزمنا رجعت إلى المدينة، فأتيت بها رسول الله ﷺ فنفلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار، فاشتريت بها حديقة نخل.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر، عن عروة، قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون معه. فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله؟ فقال النبي ﷺ : "ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله" .
-
فحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، أن أم سلمة قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ﷺ ؟ والله ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس: يا فرار، فررتم في سبيل الله، وكان في غزوة مؤتة.
-
وعن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك، مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير إذ سمعته ينشد أبياته هذه:
إذا أدنيتني وحملت رحلي … مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمى وخلاك ذم … ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وآب المسلمون وغادروني … بأرض الشام مشهور الثواء
وردك كل ذي نسب قريب … إلى الرحمن منقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع بعل … ولا نخل، أسافلها رواء
فلما سمعتهن بكيت، فخفقني بالدرة، وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل!
وقال عبد الملك بن هشام: حدثني من أثق به أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأثابه الله -تعالى- بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. وروى أنهم قتلوه بالرماح.
- vol. 2, p. 88
[ترجمة جعفر بن أبي طالب]
قلت: وكان جعفر من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين. قال له النبي ﷺ : "أشبهت خلقي وخلقي" (١) .
وقال عكرمة، عن أبي هريرة، قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر. وكنا نسميه أبا المساكين.
-
وقال مجالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، قال: ما سألت عليا رضي الله عنه شيئا بحق جعفر إلا أعطانيه.
-
وعن ابن عمر، قال: وجدت في مقدم جسد جعفر يوم مؤتة بضعا وأربعين ضربة. ولما قدم جعفر من الحبشة عند فتح خيبر، روي أن النبي ﷺ اعتنقه وقال: "ما أدري أنا أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر" ؟.
-
وقال مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر، قال: لما نعى رسول الله ﷺ جعفرا أتانا فقال: "أخرجوا إلي بني أخي" . فأخرجتنا أمنا أغيلمة ثلاثة كأنهم أفرخ: عبد الله، وعون، ومحمد.
- vol. 2, p. 89
[ترجمة زيد بن حارثة]
-
وأما أبو أسامة زيد بن حارثة شراحيل الكلبي حب رسول الله ﷺ وأول من آمن به من الموالي؛ فإنه من كبار السابقين الأولين وكان من الرماة المذكورين. آخى رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، وعاش خمسا وخمسين سنة، وهو الذي سمى الله في كتابه في قوله: ﴿تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ يعني من زينب بنت جحش: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، وكان المسلمون يدعونه زيد ابن النبي ﷺ حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ، وقال - تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] ، وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
-
روى عن زيد ابنه أسامة وأخوه جبلة.
-
واختلف في سنه، فروى الواقدي أن محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد حدثه، عن أبيه، قال: كان بين رسول الله ﷺ وبين زيد بن حارثة عشر سنين؛ رسول الله أكبر منه، وكان قصيرًا شديد الأدمة أفطس.
قال محمد بن سعد: كذا صفته في هذه الرواية، وجاءت من وجه آخر أنه كان أبيض وكان ابنه أسود. ولذلك أعجب النبي ﷺ بقول مجزز المدلجي القائف: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض" .
قلت: وعلى هذه الرواية أيضا يكون عمره خمسين سنة أو نحوها.
وقال أبو إسحاق السبيعي: إن زيد بن حارثة أغارت عليه خيل من تهامة، فوقع إلى خديجة فاشترته، ثم وهبته للنبي ﷺ . ويروى أنها اشترته بسبع مائه درهم.
وقال الزهري: ما علمنا أحد أسلم قبله.
وقال موسى بن عقبة: حدثنا سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، قال: ما كنا ندعوا زيدا إلا زيد بن محمد. فنزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] (١) .
-
وقال يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات، كان النبي ﷺ يؤمره علينا. كذا رواه الفسوي عن أبي عاصم عن يزيد.
وقال ابن عيينة: أخبرنا عبد الله بن دينار، سمع ابن عمر يقول: إن رسول الله ﷺ أمر أسامة على قوم، فطعن الناس في إمارته. فقال: "إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه، وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن ابنه هذا لأحب الناس إلي بعده" (٢) .
- vol. 2, p. 90
وقال ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن أسامة، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ لأبي: "يا زيد أنت مولاي ومني وإلي وأحب القوم إلي" .
وقال محمد بن عبيد: حدثنا إسماعيل، عن مجالد، عن عامر، عن عائشة أنها كانت تقول: "لو أن زيدا كان حيا لاستخلفه رسول الله ﷺ " (١) .
-
ورواه محمد بن عبيد مرة أخرى، فقال: حدثنا وائل بن داود، عن البهي، عن عائشة، قالت: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم، ولو بقي بعده استخلفه.