١٦٠٩ - المأمون

60 paragraphs · vol. 8, p. 376

Page 1 of 2

  1. الخليفة أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي.

    vol. 8, p. 376
  2. ولد سنة سبعين ومائة.

  3. وقرأ العلم والأدب والأخبار، والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم وبالغ وعمل الرصد فوق جبل دمشق، ودعا إلى القول بخلق القرآن، وبالغ نسأل الله السلامة.

  4. وسمع من: هشيم، وعبيد بن العوام ويوسف بن عطية وأبي معاوية وطائفة.

  5. روى عنه: ولده الفضل، ويحيى بن أكثم، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي، وعبد الله بن طاهر الأمير، ودعبل الشاعر وأحمد بن الحارث الشيعي.

  6. وكان من رجال بني العباس حزمًا، وعزمًا ورأيًا وعقلًا، وهيبة وحلمًا ومحاسنه كثيرة في الجملة.

    قال ابن أبي الدنيا: كان أبيض ربعة حسن الوجه تعلوه صفرة قد وخطه الشيب، وكان طويل اللحية أعين ضيق الجبين على خده شامة.

  7. أتته وفاة أبيه وهو بمرو سائرا لغزو ما وراء النهر، فبايع من قبله لأخيه الأمين ثم جرت بينهما أمور وخطوب، وبلاء وحروب تشيب النواصي. إلى أن قتل الأمين، وبايع الناس المأمون في أول سنة ثمان وتسعين ومائة.

    قال الخطبي: كنيته أبو العباس فلما استخلف اكتنى بأبي جعفر، واسم أمه: مراجل ماتت في نفاسها به.

    قال: ودعي له بالخلافة في آخر سنة خمس وتسعين إلى أن قتل الأمين فاجتمع الناس عليه فاستعمل على العراق الحسن بن سهل ثم بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضى ونوه بذكره، ونبذ السواد وأبدله بالخضرة فهاجت بنو العباس، وخلعوا المأمون ثم بايعوا عمه إبراهيم بن المهدي، ولقبوه المبارك وعسكروا فحاربهم الحسن بن سهل فهزموه فتحيز إلى واسط ثم سار جيش المأمون عليهم حميد الطوسي، وعلي بن هشام فالتقوا إبراهيم فهزموه فاختفى زمانًا وانقطع خبره إلى أن ظفر به بعد ثمان سنين فعفا عنه المأمون.

  8. وكان المأمون عالما فصيحا مفوها، وكان يقول: معاوية بن أبي سفيان بعمره، وعبد الملك بحجاجه وأنا بنفسي وقد رويت هذه أن المنصور قالها.

  9. وعن المأمون أنه تلا في رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة.

  10. الحسين بن فهم: حدثنا يحيى بن أكثم قال لي المأمون: أريد أن أحدث. قلت: ومن

    vol. 8, p. 377أولى بهذا منك؟ قال: ضعوا لي منبرًا ثم صعد قال: فأول ما حدثنا عن هشيم عن أبي الجهم، عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار" (١) . ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثًا، ونزل فقال: كيف رأيت أبا يحيى مجلسنا؟ قلت: أجل مجلس تفقه الخاصة، والعامة قال: ما رأيت له حلاوة إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر.

  11. أبو العباس السراج: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال: تقدم رجل غريب بيده محبرة إلى المأمون فقال: يا أمير المؤمنين! صاحب حديث منقطع به فقال: ما تحفظ في باب كذا وكذا؟ فلم يذكر شيئًا فقال: حدثنا هشيم، وحدثنا يحيى وحدثنا حجاج بن محمد حتي ذكر الباب، ثم سأله عن باب آخر فلم يذكر شيئًا فقال: حدثنا فلان، وحدثنا فلان ثم قال لأصحابه: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة دراهم.

    قلت: وكان جواد ممدحًا معطاء ورد عنه أنه فرق في جلسة ستة وعشرين ألف ألف درهم وكان يشرب نبيذ الكوفة. وقيل: بل يشرب الخمر، فالله أعلم.

  12. وقيل: إنه أعطى أعرابيًا مدحه ثلاثين ألف دينار.

  13. مسروق بن عبد الرحمن الكندي: حدثني محمد بن المنذر الكندي جار لعبد الله بن إدريس قال: حج الرشيد فدخل الكوفة فلم يتخلف إلَّا ابن إدريس، وعيسى بن يونس فبعث إليهما الأمين، والمأمون فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث فقال المأمون: يا عم! أتأذن لي أن أعيدها حفظًا؟ قال: افعل فأعادها فعجب من حفظه، ومضيًا إلى عيسى فحدثهما فأمر له المأمون بشعرة آلاف درهم فأبى وقال: ولا شربة ماء على حديث رسول الله ﷺ .

  14. روى محمد بن عون عن ابن عيينة: أن المأمون جلس فجاءته امرأة فقالت: مات أخي وخلف ست مائة دينار فأعطوني دينارًا واحدًا، وقالوا: هذا ميراثك. فحسب

    vol. 8, p. 378المأمون وقال: هذا خلف أربع بنات. قالت: نعم قال: لهن أربع مائة دينار. قالت: نعم قال: وخلف أما فلها مائة دينار، وزوجة لها خمسة وسبعون دينارا بالله ألك اثنا عشر أخًا؟ قالت: نعم قال: لكل واحد ديناران ولك دينار.

    قال ابن الأعرابي: قال لي المأمون: خبرني عن قول هند بنت عتبة:

    نحن بنات طارق … نمشي على النمارق

    من هو طارق؟ فنظرت في نسبها فلم أجده فقلت: لا أعرف قال: إنما أرادت النجم انتسبت إليه لحسنها ثم دحا إلي بعنبرة بعتها بخمسة آلاف درهم.

  15. عن المأمون: من أراد أن يكتب كتابًا سرًا فليكتب بلبن حلب لوقته، ويرسله فيعمد إلى قرطاس فيحرقه، ويذر رماده على الكتابة فيقرأ له.

    قال الصولي: اقترح المأمون في الشطرنج أشياء، وكان يحب اللعب بها ويكره أن يقول: نلعب بها بل نتناقل بها.

  16. وعن يحيى بن أكثم قال: كان المأمون يجلس للمناظرة يوم الثلاثاء، فجاء رجل قد شمر ثيابه، ونعله في يده فوقف على طرف البساط، وقال: السلام عليكم فرد المأمون فقال: أتاذن لي في الدنو قال: ادن وتكلم قال: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه جلسته باجتماع الأمة أم الغلبة والقهر؟ قال: لا بهذا ولا بهذا بل كان يتولى أمر الأمة من عقد لي ولأخي، فلما صار الأمر إلي علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين على الرضى بي، فرأيت أني متى خليت الأمر اضطرب حبل الإسلام، ومرج عهدهم وتنازعوا وبطل الحج والجهاد، وانقطعت السبل فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يجمعوا على من يرضونه فأسلم إليه. فقال: السلام عليك ورحمة الله، وذهب فوجه المأمون من يكشف خبره فرجع فقال: مضى إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلًا في هيئته فقالوا: لقيت الرجل؟ قال: نعم وأخبرهم بما جرى فقالوا: ما نرى بما قال بأسًا، وافترقوا. فقال المأمون: كفينا مؤنة هؤلاء بأيسر الخطْب.

  17. وقيل: إن المأمون استخرج كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس وقدم دمشق مرتين.

    قال أبو معشر المنجم: كان أمارًا بالعدل محمود السيرة ميمون النقيبة، فقيه النفس يعد من كبار العلماء.

  18. وروي عن الرشيد قال: إني لأعرف في عبد الله بن حزم المنصور، ونسك المهدي وعزة الهادي ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع يعني: نفسه لفعلت، وقد قدمت محمدًا عليه وإني لأعلم أنه منقاد إلى هواه مبذر لما حوته يداه يشارك في رأيه الإماء، ولولا أم جعفر وميل الهاشميين إليه لقدمت عليه عبد الله.

    vol. 8, p. 379
  19. عن المأمون قال: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إلي بالجرائم، وأخاف أن لا أوجر فيه.

  20. وعن يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا. قيل: مر ملاح فقال: أتظنون أن هذا ينبل عندي، وقد قتل أخاه الأمين؟ فسمعها المأمون فتبسم، وقال: ما الحيلة حتى أنبل في عين هذا السيد الجليل؟.

  21. قيل: أهدى ملك الروم للمأمون نفائس، منها مائة رطل مسك، ومائة حلة سمور فقال المأمون: أضعفوها له ليعلم عز الإسلام.

  22. وقيل: أدخل خارجي على المأمون فقال: ما حملك على الخلاف؟ قال: قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ [المائدة: ٤٤] ، قال: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل. قال: صدقت السلام عليك يا أمير المؤمنين!.

  23. الغلابي: حدثنا مهدي بن سابق قال: دخل المأمون ديوان الخراج فرأى غلامًا جميلًا على أذنه قلم فأعجبه جماله فقال: من أنت؟ قال: الناشئ في دولتك، وخريج أدبك والمتقلب في نعمتك يا أمير المؤمنين حسن بن رجاء فقال: يا غلام! بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر برفع رتبته، وأمر له بمائة ألف.

  24. وعن المأمون قال: أعياني جواب ثلاثة:
  25. صرت إلى أم ذي الرياستين الفضل بن سهل أعزيها فيه، وقلت: لا تأسي عليه فإني عوضه لك قالت: يا أمير المؤمنين! وكيف لا أحزن على ولد أكسبني مثلك.

    قال: وأتيت بمتنبئ فقلت: من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران قلت: ويحك! موسى كانت له آيات فائتني بها حتى أومن بك قال: إنما أتيت بالمعجزات فرعون فإن قلت: أنا ربكم الأعلى كما قال أتيتك بالآيات.

  26. وأتى أهل الكوفة يشكون عاملهم فقال خطيبهم: هو شر عامل أما في أول سنة، فبعنا

    vol. 8, p. 380الأثاث والعقار، وفي الثانية بعنا الضياع، وفي الثالثة نزحنا وأتيناك. قال: كذبت بل هو محمود وعرفت سخطكم على العمال قال: صدقت يا أمير المؤمنين! وكذبت قد خصصتنا به مدة دون باقي البلاد فاستعمله على بلد آخر. ليشملهم من عدله وإنصافه ما شملنا فقلت: قم في غير حفظ الله قد عزلته.

  27. أول قدوم المأمون من خراسان سنة أربع، ومائتين فدخل بغداد في محمل لم يسمع بمثله.

    قال إبراهيم نفطويه: حكى داود بن علي عن يحيى بن أكثم قال: كنت عند المأمون، وعنده قواد خراسان، وقد دعا إلى القول بخلق القرآن فقال لهم: ما تقولون في القرآن؟ فقالوا: كان شيوخنا يقولون: ما كان فيه من ذكر الحمير، والجمال والبقر فهو مخلوق فأما إذ قال أمير المؤمنين: هو مخلوق فنحن نقول: كله مخلوق فقلت للمأمون: أتفرح بموافقة هؤلاء?

    قلت: وكان شيعيًا.

    قال نفطويه: بعث المأمون مناديا فنادى في الناس ببراءة الذمة ممن ترحم على معاوية، أو ذكره بخير، وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة، ومائتين فأنكر الناس ذلك واضطربوا، ولم ينل مقصوده ففتر إلى وقت.

  28. وعن المأمون قال: الناس ثلاثة: رجل منهم مثل الغذاء لا بد منه، ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض، ومنهم كالداء مكروه على كل حال.

  29. وعنه قال: لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال.

  30. وعنه: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة.

  31. وعنه: الملك يغتفر كل شيء إلَّا القدح في الملك وإفشاء السر والتعرض للحرم.

  32. وعنه: أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يدبر وإذا أدبر أن يقبل.

  33. وقيل له: أي المجالس أحسن؟ قال: ما نظر فيه إلى الناس فلا منظر أحسن من الناس.

  34. أبو داود المصاحفي: حدثنا النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون فقلت: إني قلت اليوم هذا:

    أصبح ديني الذي أدين به … ولست منه الغداة معتذرا

    حب علي بعد النبي ولا … أشتم صديقه ولا عمرا

    vol. 8, p. 381وابن عفان في الجنان مع ال … أبرار ذاك القتيل مصطبرا

    وعائش الأم لست أشتمها … من يفتريها فنحن منه برا

    قيل: إن المأمون لتشيعه أمر بالنداء بإباحة المتعة متعة النساء فدخل عليه يحيى بن أكثم، فذكر له حديث علي رضي الله عنه بتحريمها، فلما علم بصحة الحديث رجع إلى الحق، وأمر بالنداء بتحريمها.

  35. أما مسألة القرآن فما رجع عنها، وصمم على امتحان العلماء في سنة ثماني عشرة، وشدد عليهم فأخذه الله.

  36. وكان كثير الغزو وفي ثاني سنة من خلافته: خرج عليه بالكوفة محمد بن طباطبا العلوي يدعو إلى الرضا من آل محمد والعمل بالسنة، وكان مدير دولته أبو السرايا الشيباني، ويسرع الناس إليه وبادر إليه الأعراب. فالتقاه عسكر المأمون عليهم زهير بن المسيب فانهزموا، وقوي أمر العلوي ثم أصبح ميتًا فجأة فقيل: سمه أبو السرايا، وأقام في الحال مكانة أمرد علويًا ثم تجهز لحربهم جيش فكسروا، وقتل مقدمهم عبدوس المروروذي، وقوي الطالبيون، وأخذوا واسطًا والبصرة، وعظم الخطب ثم حشد الجيش عليهم هرثمة وجرت فصول طويلة، والتقوا غير مرة ثم هرب أبو السرايا والطالبيون من الكوفة، ثم قتل أبو السرايا سنة مائتين وهاجت العلوية بمكة وحاربوا، وعظم هرثمة بن أعين وأعطي إمرة الشام، فلم يرض بها وذهب إلى مرو فقتلوه.

  37. ثم في سنة إحدى ومائتين: جعل المأمون ولي عهده عليا الرضا، ولبس الخضرة، وثارت العباسية، فخلعوه، وفيها تحرك بابك الخرمي بأذربيجان وقتل وسبى، وذكر الرضا للمأمون ما الناس فيه من الحرب والفتن منذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يخفيه عنه من الأخبار، وأن أهل بيته قد خرجوا ونقموا أشياء، ويقولون: هو مسحور، وهو مجنون قال: ومن يعرف هذا؟ قال: عدة من أمرائك فاسألهم. فأبوا أن ينطقوا إلَّا بأمان من الفضل فضمن ذلك فبينوا له، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعتك وفتح الأمصار، وقاد إلى أمير المؤمنين الخلافة ثم أخرج من ذلك كله، وصير في الرقة ولو كان على العراق حاكمًا لضبطها بخلاف الحسن بن سهل. وقالوا له: فسر إلى العراق فلو رآك القواد لأذعنوا بالطاعة فقال: سيروا فلما علم الفضل ضرب بعضهم وحبس آخرين وما أمكن المأمون مبادرته، فسار من مرو الى سرخس فشد قوم علي الفضل، فقتلوه في حمام في شعبان سنة اثنتين ومائتين عن ستين سنة، فجعل المأمون لمن جاء بقاتليه عشرة آلاف

    vol. 8, p. 382دينار وكانوا أربعة من مماليك المأمون فقالوا: أنت أمرتنا بقتله فأنكر، وضرب أعناقهم.

  38. وضعف أمر إبراهيم بن المهدي بعد محاربة وبلاء.

  39. وفي سنة ٢٠٣: مات الرضى فجأة.

  40. وفي سنة أربع: وصل المأمون فتلقاه إلى النهروان بنو العباس، وبنو أبي طالب، وعتبوا عليه في لبس الخضرة فتوقف ثم أعاد السواد.