٥٥٧٤ - الناصر لدين الله

151 paragraphs · vol. 16, p. 164

Page 1 of 4

  1. الخليفة أبو العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن ابن المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي محمد ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي الهاشمي، العباسي، البغدادي.

    vol. 16, p. 164
  2. مولده في عاشر رجب، سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة.

  3. وبويع في أول ذي القعدة سنة خمس وسبعين، وكان أبيض، معتدل القامة، تركي الوجه، مليح العينين، أنور الجبهة، أقنى الأنف، خفيف العارضين، أشقر، رقيق المحاسن، نقش خاتمه: رجائي من الله عفوه.

  4. وأجاز له أبو الحسين اليوسفي، وعلي بن عساكر البطائحي، وشهدة الكاتبة، وطائفة.

    vol. 16, p. 165
  5. وقد أجاز لجماعة من الأئمة والكبراء، فكانوا يحدثون عنه في أيامه، ويتنافسون في ذلك، ويتفاخرون بالوهم.

  6. ولم يل الخلافة أحد أطول دولة منه، لكم صاحب مصر المستنصر العبيدي ولي ستين سنة، وكذا ولي الأندلس الناصر المرواني خمسين سنة.

  7. كان أبوه المستضيء قد تخوف منه، فحبسه، ومال إلى أخيه أبي منصور، وكان ابن العطار وكبراء الدولة ميلهم إلى أبي منصور، وكانت حظية المستضيء بنفشا والمجد ابن الصاحب وطائفة مع أبي العباس، فلما بويع قبض على ابن العطار، وأهلك فسحب في الشوارع ميتًا، وطغى ابن الصاحب إلى أن قتل.

    قال الموفق عبد اللطيف: كان الناصر شابًا مرحًا عنده ميعة الشباب، يشق الدروب والأسواق أكثر الليل، والناس يتهيبون لقياه، وظهر الرفض بسبب ابن الصاحب ثم انطفأ بهلاكه وظهر التسنن، ثم زال، وظهرت الفتوة والبندق والحمام الهادي، وتفنن الناس في ذلك، ودخل في الأجلاء ثم الملوك، فألبس العادل وأولاده سراويل الفتوة، وشهاب الدين الغوري صاحب غزنة والهند والأتابك سعد صاحب شيراز، وتخوف الديوان من السلطان طغريل، وجرت معه حروب وخطوب، ثم استدعوا خوارزمشاه تكش لحربه، فالتقاه على الري، واحتز رأسه، ونفذه إلى بغداد، ثم تقدم تكش نحو بغداد يطلب رسوم السلطنة، فتحركت عليه أمة الخطا، فرد إلى خوارزم ومات. وقد خطب الناصر بولاية العهد لولده الأكبر أبي نصر، ثم ضيق عليه لما استشعر منه وعين أخاه، وأخذ خط باعتراف أبي نصر بالعجز، أفسد ما بينهما النصير بن مهدي الوزير، وأفسد قلوب الرعية والجند على الناصر وبغضه إلى الملوك، وزاد الفساد، ثم قبض على الوزير، وتمكن بخراسان خوارزمشاه محمد بن تكش وتجبر واستعبد الملوك وأباد الأمم من الترك والخطا، وظلم وعسف، وقطع خطبة الناصر من بلاده، ونال منه، وقصد بغداد، ووصل بوادره إلى حلوان فأهلكهم ببلخ، دام عشرين يومًا واتعظوا بذلك، وجمع الناصر الجيش، وأنفق الأموال، واستعد، فجاءت الأخبار أن الترك قد حشدوا، وطمعوا في البلاد، فكر إليهم وقصدهم فقصدوه وكثروه إلى أن مزقوه، وبلبلوا لبه وشتتوا شمله، وملكوا الأقطار، وصار أين توجه وجد سيوفهم متحكمة فيه، وتقاذفت به البلاد، فشرق وغرب، وأنجد وأسهل، وأصحر وأجبل، والرعب قد زلزل لبه، فعند ذلك قضى نحبه.

    vol. 16, p. 166قلت: جرى له ولابنه منكوبرتي عجائب وسير، وذلك عندي في مجلد ألفه النسوي كاتب الإنشاء.

    قال الموفق: وكان الشيخ شهاب الدين السهروردي لما ذهب في الرسالة خاطب خوارزم شاه محمدًا بكل قول، ولاطفه، ولا يزداد إلَّا عتوًا، ولم يزل الناصر في عز وقمع الأعداء، ولا خرج عليه خارجي إلَّا قمعه، ولا مخالف إلَّا دمغه، ولا عدو إلَّا خذل، كان شديد الاهتمام بالملك، لا يخفى عليه كبير شيء من أمور رعيته، أصحاب أخباره في البلاد، حتى كأنه شاهد جميع البلاد دفعة واحدة، كانت له حيل لطيفة، وخدع لا يفطن إليها أحد، يوقع صداقة بين ملوك متعادين، ويوقع عداوة بين ملوك متوادين ولا يفطنون.

  8. إلى أن قال: ولما دخل رسول الله صاحب مازندران بغداد كانت تأتيه كل صباح ورقة بما فعل في الليل فصار يبالغ في التكتم، واختلى ليلة بامرأة فصبحته ورقة بذلك، فتحير، وخرج لا يرتاب أن الخليفة يعلم الغيب.

    قلت: أظنه كان مخدومًا من الجن.

    قال: وأتى رسول خوارزم شاه الرسالة مخفية وكتاب مختوم، فقيل: ارجع فقد عرفنا ما جئت به! فرجع وهو يظن أن الناصر ولي لله. وجاء مرة رسول لخوارزم شاه فحبس أشهرًا ثم أعطي عشرة آلاف دينار فذهب وصار مناصحًا للخليفة. وبعث قاصدًا يكشف له عسكر خوارزم شاه، فشوه وجهه وتجانن، وأنه ضاع حماره، فسخروا منه، وضحكوا، وتردد بينهم أربعين يومًا، ثم رد إلى بغداد، وقال: القوم مائة وتسعون ألفًا، يزيدون ألفًا أو ينقصون.

  9. وكان الناصر إذا أطعم أشبع، وإذا ضرب أوجع؛ وصل رجل ببغاء تقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هدية للناصر، فأصبحت ميتة وحزن فأتاه فراش يطلب الببغاء فبكى، وقال: ماتت. قال: عرفنا، فهاتها ميتة، وقال: كم كان أملك? قال: خمس مائة دينار، قال: خذها فقد بعثها إليك أمير المؤمنين، فإنه عالم بأمرك منذ خرجت من الهند! وكان صدرجهان قد قدم بغداد في جمع من الفقهاء، فقال واحد منهم عن فرسه: لا يقدر الخليفة أن يأخذها مني؛ قال ذلك في سمرقند، وعرف الناصر فأمر بعض الزبالين أن يتعرض له ويضربه ويأخذ الفرس منه ببغداد، ويهرب بها في الزحمة، ففعل، فجاءه الفقيه إلى الأبواب يستغيث ولا يغاث، فلما رجعوا من الحج خلع على صدرجهان وأصحابه سوى ذلك الفقيه، ثم بعد خلع عليه، وقدمت له فرسه وعليها سرج مذهب، وقيل له: لم يأخذ فرسك الخليفة، إنما أخذها زبال، فغشي عليه.

    vol. 16, p. 167قلت: ما تحت هذا الفعل طائل، فكل مخدوم وكاهن يتأتى له أضعاف ذلك.

    قال الموفق عبد اللطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث، واستناب نوابًا يروون عنه، وأجرى عليهم جرايات، وكتب للملوك والعلماء إجازات، وجمع كتابًا سبعين حديثًا وصل على يد السهروردي إلى حلب فسمعه الظاهر، وجماهير الدولة وشرخته. وسبب ميله إلى الرواية أن قاضي القضاة العباسي نسب إليه تزوير فأحضروه وثلاثة من الشهود، فعزر القاضي بتخريق عمامته، وطيف بالثلاثة على جمال بالذرة، فمات أحدهم ليلتئذ والآخر لبس لبس الفساق، والثالث اختفى وهو المحدث البندنيجي رفيقنا، واحتاج وباع في كتبه فوجد في الجزاز إجازة للناصر من مشايخ بغداد، فرفعها إليه، فخلع عليه وأعطي مائة دينار، ثم جعل وكيلًا عن الناصر في الإجازة والتسميع.

    قلت: ممن يروي عن الناصر بالإجازة عبد الوهاب بن سكينة، وابن الأخضر، وقاضي القضاة ابن الدامغاني، وولي العهد، والملك العادل، وبنوه، وشيخانا: محمود الزنجاني، والمقداد القيسي.

    قال ابن النجار: شرفني الناصر بالإجازة، ورويت عنه بالحرمين ودمشق والقدس وحلب وبغداد وأصبهان ونيسابور ومرو وهمذان.

    قال الموفق: وأقم مدة يراسل جلال الدين الصباحي صاحب الألموت يراوده أن يعيد شعار الإسلام من الصلاة والصيام مما تركوه فيزمان سنان، ويقول لهم: إنكم إذا فعلتم ذلك كنا يدًا واحدة. واتفق أن رسول خوارزم شاه قدم فزور على لسانه كتب في حق الملاحدة تشتمل على الوعيد، وعزم الإيقاع بهم، وأنه يخرب قلاعهم ويطلب من الناصر المعونة، وأحضر رجل منهم كان قاطنًا ببغداد ووقف على الكتب، وأخرج بها وبكتب من الناصر على وجه النصح نصف الليل على البريد، فقدم الألموت فأرهبهم فتظاهروا بالإسلام وإقامة الشعار، وبعثوا رسولًا معه مائتا شاب ودنانير كبارًا عليها: "لا إله إلَّا الله محمد رسول الله" ، وطاف المائتان بها يعلنون بالشهادتين.

  10. وكان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، حتى كان يرهبه أهل الهند، وأهل مصر، فأحيى هيبة الخلافة. لقد كنت بمصر وبالشام في خلوات الملوك والأكابر إذا جرى ذكره خفضوا أصواتهم إجلالًا له. ورد بغداد تاجر معه متاع دمياط المذهب، فسألوه عنه فأخفاه فأعطي علامات فيه من عدده وألوانه وأصنافه، فازداد إنكاره، فقيل له: من العلامات أنك نقمت على مملوكك فلان التركي فأخذته إلى سيف بحر دمياط وقتلته، ودفنته هناك خلوة.

    vol. 16, p. 168قال ابن النجار: دانت للناصر السلاطين، ودخل تحت طاعته المخالفون، وذلت له العتاة، وانقهرت بسيفه البغاة، واندحض أضداده، وفتح البلاد العديدة، وملك ما لم يملكه غيره، وخطب له بالأندلس وبالصين، وكان أسد بني العباس تتصدع لهيبته الجبال، وتذل لسطوته الأقيال، وكان حسن الخلق أطيف الخلق، كامل الظرف، فصيحًا بليغًا، له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة، كانت أيامه غرة في وجه الدهر، ودرة في تاج الفخر.

  11. حدثني الحاجب علي بن محمد بن جعفر قال: برز منه توقيع إلى صدر المخزن جلال الدين ابن يونس: لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن يقدموا على أمر لم ينظروا في عاقبته، فإن النظر قبل الإقدام خير من الندم بعد الفوات، ولا يؤخذ البرآء بقول الأعداء، فلكل ناصح كاشح، ولا يطالب بالأموال من لم يخن في الأعمال، فإن المصادرة مكافأة للظالمين، وليكن العفاف والتقى رقيبين عليك. وبرز منه توقيع: "قد تكرر تقدمنا إليك مما افترضه الله علينا ويلزمنا القيام به كيف يهمل حال الناس حتى تم عليهم ما قد بين في باطنها، فتنصف الرجل وتقابل العامل إن لم يفلج بحجة شرعية" .

    قال القاضي ابن واصل: كان الناصر شهمًا شجاعًا ذا فكرة صائبة وعقل رصين ومكر ودهاء، وكانت هيبته عظيمة جدًا، وله أصحاب أخبار بالعراق وسائر الأطراف يطالعونه بجزئيات الأمور حتى ذكر أن رجلًا ببغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه فطالعه صاحب الخبر، فكتب في جواب ذلك: سوء أدب من صاحب الدار وفضول من كاتب المطالعة.

    قال: وكان رديء السيرة في الرعية، مائلًا إلى الظلم والعسف، فخربت في أيامه العراق وتفرق أهلها وأخذ أملاكهم، وكان يفعل أفعالًا متضادة، ويتشيع بخلاف آبائه.

    قال: وبلغني أن رجلًا كان يرى صحة خلافة يزيد، فأحضره ليعاقبه، فسأله: ما تقول في خلافة يزيد? قال: أنا أقول لا ينعزل بارتكاب الفسق، فأعرض عنه، وأمر بإطلاقه، وخاف من المحاققة.

    قال: وسئل ابن الجوزي والخليفة يسمع: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ? قال: أفضلهم بعده من كانت بنته تحته. وهذا جواب جيد يصدق على أبي بكر وعلى علي. قيل: كتب إلى الناصر خادم اسمه يمن يتعتب، فوقع فيها: بِمَنْ يَمُنّ يُمْن، ثَمَنُ يُمْنٍ ثُمْن".

    قال سبط الجوزي: قل بصر الناصر في الآخر، وقيل: ذهب جملة، وكان خادمه رشيق قد استولى على الخلافة، وبقي يوقع عنه، وكان بالخليفة أمراض منها عسر البول والحصى، فشق ذكره مرارًا ومآل أمره منه كان الموت. قال: وغسله خالي محيي الدين.

    vol. 16, p. 169قال الموفق عبد اللطيف: أما مرض موته فسهو ونسيان؛ بقي به ستة أشهر ولم يشعر أحد من الرعية بكنه حاله حتى خفي على الوزير وأهل الدار، وكان له جارية قد علمها الخط بنفسه، فكانت تكتب مثل خطه، فكانت تكتب على التواقيع بمشهورة القهرمانة، وفي أثناء ذلك نزل جلال الدين محمد بن تكش خوارزمشاه على ضواحي بغداد هاربًا منفضًا من الرجال والمال والدواب، فأفسد بما وصلت يده إليه، فكانوا يدارونه ولا يمضون فيه أمرًا لغيبة رأي الناصر، ثم نهب دقوقا، وراح إلى أذربيجان.

  12. نقل العدل شمس الدين الجزري في "تاريخه" ، عن أبيه قال: سمعت المؤيد ابن العلقمي الوزير لما كان على الأستاذ دراية يقول: إن الماء الذي يشربه الإمام الناصر كان تجيء به الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ ويغلى سبع غلوات ثم يحبس في الأوعية أسبوعًا ثم يشرب منه، وما مات حتى سقي المرقد ثلاث مرار وشق ذكره، وأخرج منه الحصى.

    وقال ابن الأثير: بقي الناصر ثلاث سنين عاطلًا عن الحركة بالكلية، وقد ذهبت إحدى عينيه، وفي الآخر أصابه دوسنطاريا عشرين يومًا ومات، وما أطلق في مرضه شيئًا مما كان أحدثه من الرسوم.

    قال: وكان سيئ السيرة، خرب العراق في أيامه، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم. إلى أن قال: وجعل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة.

  13. ونقل الظهير الكازروني فيما أجاز لنا: إن الناصر في وسط خلافته هم بترك الخلافة وبالانقطاع إلى التعبد، وكتب عنه ابن الضحاك توقيعًا قرئ على الأعيان، وبنى رباطًا للفقراء، واتخذ إلى جانب الرباط دارًا لنفسه كان يتردد إليها ويحادث الصوفية، وعمل له ثيابًا كبيرة بزي القوم.

    قلت: ثم نبذ هذا ومل.

  14. ومن الحوادث في دولته قدوم أسرى الفرنج إلى بغداد وقد هزمهم صلاح الدين نوبة مرج العيون، ومن التحف ضلع حوت طوله عشرة أذرع في عرض ذراع، وجواهر مثمنة. وقيل: بل كان ذلك في آخر دولة المستضيء.

  15. وأهلك وزير العراق ظهير الدين ابن العطار فعرفت الغوغاء بجنازته فرجموه، فهرب الحمالون فأخرج من تابوته، وسحب، فتعرى من الأكفان، وطافوا به، نسأل الله الستر، وكان جبارًا عنيدًا.

  16. أنبأني عز الدين ابن البزوري في "تاريخه" ، قال: حكى التيمي، قال: كنت بحضرة ابن العطار، وقد ورد عليه شيخ فوعظه بكلام لطيف ونهاه، فقال: أخرجوه الكلب سحبًا، وكرر ذلك، وقيل: هو الذي دس الباطنية على الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء حتى قتلوه، وبقي الناصر يركب ويتصيد.

    vol. 16, p. 170
  17. وفي سنة ٧٨: نازل السلطان الموصل محاصرًا، فبعث إليه الخليفة يلومه.

  18. وفيها افتتح صاحب الروم مدينة للنصارى، وافتتح صلاح الدين حران وسروج ونصيبين والرقة والبيرة.

  19. وفيها تفتى الناصر إلى عبد الجبار شرف الفتوة، وكان شجاعًا مشهورًا تخافه الرجال، ثم تعبد واشتهر، فطلبه الناصر، وتفتى إليه، وجعل المعول في شرع الفتوة عليه، وبقي الناصر يلبس سراويل الفتوة لسلاطين البلاد.

  20. وفي سنة تسع وسبعين: ورد كتاب السلطان من إنشاء الفاضل فيه: "وكان الفرنج قد ركبوا من الأمر نكرًا، وافتضوا من البحر بكرًا، وشحنوا مراكب، وضربوا بها سواحل الحجاز، وظن أنها الساعة، وانتظر المسلمون غضب الله لبيته ومقام خليله وضريح نبيه، فعمر الأخ سيف الدين مراكب" ، إلى أن قال: فوقع عليها أصحابنا فأخذت المراكب بأسرها، وفر فرنجها، فسلكوا في الجبال مهاوي المهالك، ومعاطن المعاطب، وركب أصحابنا وراءهم خيل العرب يقتلون ويأسرون حتى لم يتركوا مخبرًا، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ١١] .

  21. وفيها تسلم صلاح الدين حلب.

  22. وفيها: تمكن شهاب الدين الغوري، وامتد سلطانه إلى لهاور، وحاصر بها خسروشاه من ولد محمود بن سبكتكين، فنزل إليه، فأكرمه، ثم غدر به.

  23. وبعث صلاح الدين تقدمة إلى الديوان منها شمسة يعني الجتر من ريش الطواويس عليها ألقاب المستنصر العبيدي. ثم نازل صلاح الدين الكرك حتى كاد أن يفتحها، ثم بلغه تحزب الفرنج عليه فتركها، وقصدهم، فعرجوا عنه فأتى دمشق، ووهب أخاه العادل حلب، ثم بعث بعده على نيابة مصر ابن أخيه الملك المظفر عم صاحب حماة.

  24. وفي سنة ثمانين: جعل الخليفة مشهد والجواد أمنا لمن لاذ به، فحصل بذلك بلاء ومفاسد.

  25. واستباح صلاح الدين نابلس -ولله الحمد، ونازل الكرك، فجاءتها نجدات العدو، فترحل.

    vol. 16, p. 171
  26. وفيها كان خروج علي بن غانية الملثم صاحب ميورقة، فسار وتملك بجاية عند موت يوسف بن عبد المؤمن، وكثرت عساكره، ثم هزم عسكرًا للموحدين، ثم حاصر قسطنطينية الهواء أشهرًا ثم كشف عنها الموحدون، فأقبل ابن غانية إلى القيروان، فحشد واستخدم والتفت عليه بنو سليم ورياح والترك المصريون الذين كانوا مع بوزبا وقراقوش فتملك بهم أفريقية سوى تونس والمهدية حمتهما الموحدون، وانضم إلى ابن غانية كل فاسد ومجرم، وعاثوا ونهبوا القرى وسبوا، وأقام الخطبة لبني العباس، وأخذ قفصة، فتحزب عليه الموحدون في سنة ثلاث، وأقبل سلطانهم يعقوب بن يوسف فخيم بتونس، وجهز للمصاف ستة آلاف فارس مع ابن أخيه، فهزمهم ابن غانية، ثم سار يعقوب بنفسه فالتقوا، فانهزم علي واستحر به واسترد يعقوب البلاد، وامتدت دولة ابن غانية خمسين.

  27. وجد صلاح الدين في محاصرة الكرك.

  28. وفي سنة ٥٨١: نازل صلاح الدين الموصل، وجد في حصارها، ثم سار وتسلم ميافارقين بالأمان، ثم مرض بحران مرضًا شديدًا، وتناثر شعر لحيته، ومات صاحب حمص محمد بن شيركوه، فملكها السلطان ولده أسد الدين، ولقب بالملك المجاهد.

  29. وفي سنة ٨٢: ابتداء فتنة عظيمة بين الأكراد والتركمان بالموصل والجزيرة وأذربيجان والشام وشهرزور، ودامت أعوامًا، وقتل فيها ما لا يحصى، وانقطعت السبل حتى أصلح بينهم قايماز نائب الموصل، وأصلها عرس تركماني.

  30. وفيها قال العماد: أجمع المنجمون في جميع البلاد بخراب العالم عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان بطوفان الريح في سائر البلدان، فشرع خلق في حفر مغائر وتوثيقها، وسلطاننا متنمر موقن أن قولهم مبني على الكذب، فلما كانت الليلة التي عينوها لم تتحرك نسمة.

    وقال ابن البزوري: لقد توقف الهواء في ذلك الشهر على السواد وما ذروا الغلة.

  31. وفيها جرت فتنة ببغداد بين الرافضة والسنة قتل فيها خلق كثير، وغلبوا أهل الكرخ.

  32. وكان الخلف والحرب بين الأرمن والروم والفرنج.

  33. وقتل الخليفة أستاذ داره ابن الصاحب، ووليها قوام الدين يحيى بن زبادة، وخلف ابن

    vol. 16, p. 172الصاحب من الذهب العين أزيد من ألف ألف دينار، وكان عسوفًا فاجرًا رافضيًا، ووزر جلال الدين عبيد الله بن يونس، وكان شاهدًا، فارتقى إلى الوزارة.

  34. وفيها بعث السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل السلجوقي أن تعمر له دار المملكة لينزل بها، وأن يخطب له، فهدم الناصر داره ورد رسوله بلا جواب، وكان ملكًا مستضعفًا مع الملوك، فمات البهلوان، فتمكن، وطاش.

  35. وفيها فتحت القدس وغيرها، واندكت ملوك الفرنج، وكسروا وأسروا، قال العماد: فتحت ست مدائن وقلاع في ست جمع: جبلة واللاذقية وصهيون والشغر وبكاس وسرمانية، ثم أخذ حصن برزية بالأمان ثم رحل صلاح الدين -أيده الله- إلى دربساك، فتسلمها، ثم إلى بغراس فتسلمها، وهادن صاحب أنطاكية، ودام الحصار على الكرك والمطاولة، فسلموها لجوعهم، ثم أعطوا الشوبك بالأمان، ثم نازل السلطان صفد.

  36. وفي سنة ٨٤: كان صلاح الدين لا يفتر ولا يقر عن قتال الفرنج.

  37. وسار عسكر الناصر عليهم الوزير ابن يونس فعمل المصاف مع السلطان طغرل، فانهزم عسكر الناصر، وتقاعسوا، وثبت ابن يونس في نفر، بيده مصحف منشور وسيف مشهور، فأخذ رجل بعنان فرسه وقاده إلى مخيم فأنزله، فجاء إليه السلطان ووزيره فلزم معهم قانون الوزارة، ولم يقم، فعجبوا، ولم يزل محترمًا حتى رد، وأما صاحب المرآة فقال: أحضر ابن يونس بين يدي طغرل، فألبسه طرطورًا بجلاجل، وتمزق العسكر، وسار قزل أخو البهلوان فهزم طغرل، ومعه ابن يونس فسار إلى خلاط، فأنكر عليه بكتمر ما فعله، قال: هم يؤوني، قال: فأطلق الوزير، فما قدر يخالفه، فجهزه بكتمر بخيل ومماليك، فرد ذلك، وأخذ بغلين برجلين، وسار معه غلامه في زي صوفي إلى الموصل متنكرًا، ثم ركب إلى بغداد في سفينة.

  38. وفي سنة خمس وثمانين: نفذ طغرل تحفًا وهدايا، واعتذر واستغفر.

  39. وظهر ابن يونس، فولي نظر المخزن، ثم عزل بعد أشهر.

  40. وفيها وفي المقبلة: كان الحصار الذي لم يسمع بمثله أبدًا على عكا، كان السلطان قد افتتحها وأسكنها المسلمين، فأقبلت الفرنج برًا وبحرًا من كل فج عميق، فأحاطوا بها، وسار صلاح الدين فيدفعهم فما تزعزعوا ولا فكروا بل أنشأوا سورًا وخندقًا على معسكرهم، وجرت غير وقعة، وقتل خلق كثير يحتاج بسط ذلك إلى جزء، وامتدت المنازلة والمطاولة والمقاتلة نيفًا وعشرين شهرًا، وكانت الأمداد تأتي العدو من أقصى البحار، واستنجد صلاح

    vol. 16, p. 173الدين بالخليفة وغيره حتى أنه نفذ رسولًا إلى صاحب المغرب يعقوب المؤمني يستجيشه، فما نفع، وكل بلاء النصارى ذهاب بيت المقدس منهم.

    قال ابن الأثير: لبس القسوس السواد حزنًا على القدس، وأخذهم بترك القدس، وركب بهم البحر يستنفرون الفرنج، وصوروا المسيح وقد ضربه النبي ﷺ وجرحه، فعظم هذا المنظر على النصارى، وحشدوا وجمعوا من الرجال والأموال ما لا يحصى، فحدثني كردي كان يغير مع الفرنج بحصن الأكراد أنهم أخذوه معهم في البحر، قال: فانتهى بنا الطواف إلى رومية، فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني الأربعة فضة.

    قال ابن الأثير: فخرجوا على الصعب والذلول برًا وبحرًا، ولولا لطف الله بإهلاك ملك الألمان، وإلا لكان يقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين.

    قلت: كانت عساكر العدو فوق المائتي ألف، ولكن هلكوا جوعًا ووباء، وهلكت دوابهم وجافت الأرض بهم، وكانوا قد ساروا فمروا على جهة القسطنطينية ثم على ممالك الروم تقتل وتسبي، والتقاه سلطان الروم فكسره ملك الألمان، وهجم قونية فاستباحها، ثم هادنه ابن قلج رسلان ومروا على بلاد سيس، ووقع فيهم الفناء فمات الملك وقام ابنه.

    قلت: قتل من العدو في بعض المصافات الكبيرة التي جرت في حصار عكا في يوم اثنا عشر ألفا وخمس مائة، والتقوا مرة أخرى، فقتل منهم ستة آلاف، وعمروا على عكا برجين من أخشاب عاتية، البرج سبع طبقات فيها مسامير كبار يكون المسمار نصف قنطار، وصفحوا البرج بالحديد، فبقي منظرًا مهولًا، ودفعوا البرج ببكر تحته حتى ألصقوه بسور عكا، وبقي أعلى منها بكثير، فسلط عليه أهل عكا المجانيق حتى خلخلوه، ثم رموه بقدرة نفط، فاشتعل مع أنه كان عليه لبود منقوعة بالخل تمنع عمل النفط، فأوقد، وجعل الملاعين يرمون نفوسهم منه، وكان يومًا مشهودًا، ثم عملوا كبشًا عظيمًا، رأسه قناطير مقنطرة من حديد؛ ليدفعوه على السور فيخرقه، فلما دحرجوه وقارب السور، ساخ في الرمل لعظمه، وهد الكلاب بدنة وبرجًا فسد المسلمون ذلك وأحكموه في ليلة، وكان السلطان يكون أول راكب وآخر نازل في هذين العامين، ومرض، وأشرف على التلف، ثم عوفي.

    قال العماد: حزر ما قتل من العدو، فكان أكثر من مائة ألف.