٥٥٧٤ - الناصر لدين الله

151 paragraphs · vol. 16, p. 164

Page 2 of 4

  1. ومن إنشاء الفاضل إلى الديوان وهم على عكا: يمدهم البحر بمراكب أكثر من أمواجه، ويخرج لنا أمر من أجاجه، وقد زر هذا العدو عليه من الخنادق دروعًا، واستجن من الجنونات

    vol. 16, p. 174بحصون، فصار مصحرًا ممتنعًا حاسرًا مدرعًا، وأصحابنا قد أثرت فيهم المدة الطويلة في استطاعتهم لا في طاعتهم، وفي أجوالهم لا في شجاعتهم فنقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة، ونرجو على يد أمير المؤمنين الإجابة، وقد حرم باباهم -لعنة الله- كل مباح، واستخرج منهم كل مذخور، وأغلق دونهم الكنائس، ولبسوا الحداد، وحكم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة، فيا عصبة نبينا ﷺ اخلفه في أمته بما تطمئن به مضاجعه، ووفه الحق فينا، فها نحن عندك ودائعه، ولولا أن في التصريح ما يعود على العدالة بالتجريح لقال الخادم ما يبكي العيون وينكي القلوب، ولكنه صابر محتسب وللنصر مرتقب، رب لا أملك إلَّا نفسي وهاهي في سبيلك مبذوله، وأخي وقد هاجر هجرة نرجوها مقبولة، وولدي وقد بذلت للعدو صفحات وجوههم، ونقف عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد".

    vol. 16, p. 173
  2. ومن كتاب إلى الديوان: قد بلي الإسلام منهم بقوم استطابوا الموت، وفارقوا الأهل طاعة لقسيسهم، وغيرة لمعبدهم، وتهالكًا على قمامتهم، حتى لسارت ملكة منهم بخمس مائة مقائل التزمت بنفقاتهم، فأخذها المسلمون برجالها بقرب الإسكندرية، فذوات المقانع مقنعات دارعات تحمل الطوارق والقبطاريات، ووجدنا منهم عدة بين القتلى، وبابا رومية حكم بأن من لا يتوجه إلى القدس فهو محرم لا منكح له ولا مطعم، فلهذا يتهافتون على الورود ويتهالكون على يومهم الموعود، وقال لهم: إنني واصل في الربيع جامع على استنفار الجميع، وإذا نهض فلا يقعد عنه أحد، ويقبل معه كل من قال: لله ولد.

  3. ومن كتاب: ومعاذ الله أن يفتح الله علينا البلاد ثم يغلقها، وأن يسلم علي يدينا القدس ثم ننصره، ثم معاذ الله أن نغلب عن النصر أو أن نغلب عن الصبر: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] .

    ولست بقرم هازم لنظيره … ولكنه الإسلام للشرك هازم

    إلى أن قال: والمشهور الآن أن ملك الألمان خرج في مائتي ألف، وأنه الآن في دون خمسة آلاف.

  4. وخرج جيش الخليفة عليهم نجاح إلى دقوقا؛ لحرب طغرل، فقدم بعد أيام ولد طغرل صبي مميز يطلب العفو عن أبيه.

  5. سنة سبع وثمانين اشتدت مضايقة العدو عكا وأمدادهم متواترة، فوصل ملك الإنكيتر، وقد مر بقبرص، وغدر بصاحبها، وتملكها كلها، ثم سار إلى عكا في خمس وعشرين قطعة، وكان ماكرًا، داهية، شجاعًا، فخارت قوى من بها من المسلمين، وضعفوا بخروج أميرين

    vol. 16, p. 175منها في شيني، وقلقوا، فبعث إليهم السلطان: أن اخرجوا كلكم من البلد على حمية، وسيروا مع البحر واحملوا عليهم وأنا أجيئهم من ورائهم، وأكشف عنكم. فشرعوا في هذا فما تهيأ ثم خرج أمير عكا ابن المشطوب إلى ملك الفرنج وطلب الأمان فأبى، قال: فنحن لا نسلم عكا حتى نقتل جميعًا ورجع، فزحف العدو عليها، وأشرفوا على أخذها فطلب المسلمون الأمان على أن يسلموا عكا ومائتي ألف دينار وخمس مائة أسير وصليب الصلبوت فأجيبوا، وتملك العدو عكا في رجب ووقع البكاء والأسف على المسلمين، ثم سارت الفرنج تقصد عسقلان، فسار السلطان في عراضهم، وبقي اليزك يقتتلون كل وقت، ثم كانت وقعة نهر القصب، ثم وقعة أرسوف، فانتصر المسلمون، وأتى صلاح الدين عسقلان فأخلاها، وشرع في هدمها، وهدم الرملة ولد، وشرعت الفرنج في عمارة يافا، وطلبوا الهدنة، ثم جرت وقعات صغار، وقصدت الملاعين بيت المقدس وبها السلطان، فبالغ في تحصينها.

  6. وفيها ولي الأستاذ دارية ابن يونس الذي كان وزيرًا.

  7. وفيها ظهر السهروردي الساحر بحلب، وأفتى الفقهاء بقتله، فقتل بالجوع، وأحرقت جثته، وكان سيماويًا فيلسوفًا منحلًا.

  8. وفي سنة ثمان وثمانين وخمس مائة شرعت الفرنج في بناء عسقلان.

  9. والتقى شهاب الدين الغوري عساكر الهند، فهزمهم، وقتل ملكهم في الوقعة.

  10. وكبس الإنكيتر في الرمل عسكرًا من المصريين، وقفلا فاستباحهم، فلله الأمر، ثم انعقدت الهدنة ثلاث سنين وثمانية أشهر، ودخل فيها السلطان وهو يعض يده حنقًا، ولكن كثرت عليه الفرنج ومل جنده وحلف على الصلح عدة من ملوك المسلمين مع السلطان، وعدة من ملوك الفرنج.

  11. وفيها قتل صاحب الروم قلج أرسلان السلجوقي، وقتل بكتمر صاحب خلاط على يد الإسماعيلية.

  12. وسار السلطان طغرل، فبدع في الري، وقتل بها خلقًا من المسلمين، وعاد إلى همذان، فبطل نصفه.

  13. وفيها افتتح سلطان غزنة شهاب الدين في بلاد الهند.

    قال ابن الأثير: انقض كوكبان عظيمان اضطرما، وسمع صوت هزة عظيمة، وغلب ضوؤهما ضوء القمر والنهار، وذلك بعد طلوع الفجر.

  14. وفيها توفي السلطان صلاح الدين، وكانت دولته أزيد من عشرين.

    vol. 16, p. 176
  15. وفي سنة تسعين: كانت الحرب تستعر بين شهاب الدين الغوري وبين سلطان الهند بنارس، قال ابن الأثير: فالتقوا على نهر ماخون، وكان مع الهندي سبع مائة فيل، ومن العسكر على ما قيل: ألف ألف نفس، وفيهم عدة أمراء مسلمين، فنصر شهاب الدين، وكثر القتل في المشركين حتى جافت منهم الأرض، وقتل بنارس، وعرف بشد أسنانه بالذهب، وغنم شهاب الدين تسعين ألفًا فيها فيل أبيض، ومن خزائن بنارس ألفًا وأربع مائة حمل.

  16. وبعث الناصر إلى خوارزم شاه، ليحارب طغرل، فبادر والتقاه فهزمه، وقتله ونهب خزانته، وهزم جيشه، ونفذ الرأس إلى بغداد.

    قال ابن الأثير: وسير الناصر لخوارزم شاه نجدة وسير له مع وزيره المؤيد ابن القصاب خلع السلطنة، فبعث إليه المؤيد بعد الوقعة: احضر إلى لتلبس الخلعة، وترددت الرسل، وقيل لخوارزشاه: إنها حيلة لتمسك، فأقبل ليأخذ ابن القصاب، ففر إلى جبل حماه.

  17. وعزل من الأستاذ دارية ابن يونس، وحبس إلى أن مات، وولي مكانه التاج بن رزين.

  18. وقتل ألب غازي متولي الحلة.

  19. وفيها افتتح ابن القصاب بلاد خوزستان.

  20. ووقع الرضى عن بني الشيخ عبد القادر، وسلم ابن الجوزي إلى أحدهم، فذهب به إلى واسط فسجنه بها خمس سنين.

  21. وتملك مصر بعد السلطان ابنه عبد العزيز، ودمشق ابنه الأفضل، وحلب ابنه الظاهر، والكرك وحران ومواضع أخوه العادل.

  22. وفيها جاء يحاصر الأفضل بدمشق، ثم جاء عمهما ليصلح بينهما، وكان داهية، فلعب بها إلى أن مات العزيز، فتملك هو مصر، وطرد عن دمشق الأفضل إلى سميساط فقنع بها، ولولا أن الظاهر كان زوج بنته لأخذ منه حلب، وكان الأفضل صاحب شرب وأغان، ثم إنه أصبح يومًا تائبًا أراق الخمور ولبس الخشن وتعبد وصام وجالس الصلحاء، ونسخ مصحف، ولكنه كان قليل السعادة.

  23. وفي سنة إحدى وتسعين: استولى ابن القصاب على همذان فضربت الطبول ببغداد، وعظم ابن القصاب ونفذ إليه خوارزم شاه يتوعد لما عاث بأطراف بلاده، ثم مات ابن القصاب، وأقبل خوارزم شاه فهزم جيش الخليفة ونبش الوزير موهمًا أنه قتل في المصاف.

  24. وفيها حدد العزيز هدنة مع كندهري طاغية الفرنج فما لبث الكلب أن سقط من موضع بعكا، فمات، واختلت أحوال الفرنج قليلًا، وأقبل الأفضل على التعبد ودبر ملكه ابن الأثير ضياء الدين، فاختلت به الأحوال.

    vol. 16, p. 177
  25. وكانت بالأندلس الملحمة العظمى، وقعة الزلاقة بين يعقوب وبين الفنش الذي استولى على بلاد الأندلس، فأقبل اللعين في مائتي ألف، وعرض يعقوب جنده فكانوا مائة ألف مرتزقة، ومئة ألف مطوعة، عدوا البحر إلى الأندلس فنزل النصر ونجا قليل من العدو؛ قال أبو شامة: عدة القتلى مائة ألف وستة وأربعون ألفًا، وأسر ثلاثون ألفًا، وأخذ من خيامهم مائة ألف خيمة وخمسون ألفًا، ومن الخيل ثمانون ألف رأس، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير التي لأثقالهم أربع مائة ألف، وبيع الأسير بدرهم، والحصان بخمسة، وقسم السلطان الغنيمة على الشريعة، واستغنوا. وكانت الملحمة يوم تاسع شعبان.

  26. وفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة: فيها أطلق طاشتكين أمير الحاج وأعطي خوزستان.

  27. وفيها حاصر العزيز دمشق ثالثًا، ومعه عمه فتملكها وذل الأفضل. وأقبل خوارزم شاه ليتملك بغداد.

  28. وفيها التقى الفونش، ويعقوب ثانيًا فانكسر الفنش، وساق يعقوب خلفه إلى طليطلة ونازلها وضربه بالمنجنيق، ولم يبق إلَّا أخذها، فخرج إليه أم الفنش وبناته يبكين فرق لهن ومن عليهن وهادن الفنش، لأن ابن غانية غلب على أطراف المغرب فتفرغ يعقوب له.

  29. وفيها كتب الفاضل إلى القاضي محيي الدين ابن الزكي:

    ومما جرى بأس من الله طرق ونحن نيام، وظن أنه الساعة، ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم محرفًا والقول مجزفًا، فالأمر أعظم؛ أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة، وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، قوى ألهوبها، واشتد هبوبها، وارتفعت لها صعقات، ورجفت الجدر، واصطفقت وتلاقت واعتنقت، وثار عجاج فقيل: لعل هذه على هذه قد انطبقت، ففر الخلق من دورهم يستغيثون، قد انقطعت علقهم، وعميت عن النجاة طرقهم، فدامت إلى الثلث الأخير، وتكسرت عدة مراكب. إلى أن قال: والخطب أشق، وما قضيت بغير الحق.

  30. وفيها أخذت الفرنج بيروت، وهرب متوليها سامة.

  31. وفي سنة ٩٤: تملك خوارزم شاه بخارى، أخذها من صاحب الخطا بعد حروب عظيمة.

    vol. 16, p. 178
  32. وفي سنة ٩٥: حاصر خوارزم شاه الري، وكان عصى عليه نائبه بها، فظفر به، ونفذ إليه الناصر تقليدًا بالسلطنة، فلبس الخلعة، وحاصر ألموت، فوثب باطني على وزيره فقتله، وقتلوا رئيس الشافعية صدر الدين ابن الوزان.

  33. ومات سلطان المغرب يعقوب، فتملك ولده محمد.

  34. ومات صاحب مصر الملك العزيز صلاح الدين، وأقبل الأفضل من صرخد إلى مصر، فدبر دولة علي ابن العزيز، ثم سار بالجيش، ونازل عمه العادل بدمشق، وأحرق الحواضر، وكاد أن يملك، وضايق البلد أشهرًا، وجاءت النجدة العادل فكسبوا المصريين، وضعف أمر الأفضل.

  35. سنة ٩٦: مات السلطان علاء الدين تكش بن آتسز خوارزمشاه، وتسلطن بعده ابنه محمد.

  36. واشتد الحصار على دمشق، وتمحقت خزائن العادل على العسكر، واستدان، واشتد الغلاء والبلاء بدمشق، وأقبل الشتاء، فترحل الأفضل والظاهر، فبادر العادل وقصد الأفضل فأدركه بالغرابي، ودخل القاهرة وتمكن ورد الأفضل منحوسًا إلى صرخد بعد مصاف بينه وبين عمه، ثم استناب العادل بمصر ولده الكامل، وعزل المنصور علي ابن العزيز، وقال: هذا صبي يريد المكتب.

  37. ونقص النيل ووقع القحط، وهلك أهل مصر، وكان ذلك من الآيات الكبار فإن النيل كسر من ثلاثة عشر ذراعًا سوى ثلاثة أصابع.

  38. ودخلت سنة سبع، والبلاء شديد، وأكلوا الجيف، ولجوم الآدميين، وجرى ما لا يعبر عنه.

    قال الموفق عبد اللطيف: وعدم البيض، ولما وجد بيعت البيضة بدرهم، وبيع فروج بمائة، وبيع مديدة بدينار، والذي دخل تحت قلم الحشرية من الموتى في اثنين وعشرين شهرًا مائة ألف وأحد عشر ألفًا إلَّا شيئًا يسيرًا وهو نزر في جنب ما هلك بمصر والحواضر، وكله نزر في جنب ما هلك بالإقليم، وسمعنا من ثقات عن الإسكندرية أن الإمام صلى يوم الجمعة على سبع مائة جنازة. ثم ساق عدة حكايات في أكل لحوم بني آدم، وتمت زلزلة فكانت حركتها كالغربلة في جوف الليل، قال: فصح عندي أنها حركت من قوص إلى الشام،

    vol. 16, p. 179وتعفت بلاد كثيرة، وهلك أمم لا تحصى، وأنكت في بلاد الفرنج أكثر، وسمعنا أنها وصلت إلى خلاط، وجاءني كتاب من الشام فيه: كادت لها الأرض تسير سيرًا والجبال تمور مورًا، وما ظننا إلَّا أنها زلزلة الساعة، وأتت دفعتين: الأولى مقدار ساعة أو أزيد، والثانية دون ذلك لكن أشد. وفي كتاب آخر: دامت بقدر ما قرأ سورة الكهف، وأن صفد لم يسلم بها سوى ولد صاحبها .. ".

    قلت: في هذا الكتاب خسف وإفك، وفيه أن عرقة وصافيثا خسف بهما.

    وقال أبو شامة: في شعبان جاءت زلزلة عمت الدنيا في ساعة واحدة، فهدمت نابلس، فمات تحت الهدم ثلاثون ألفًا، وهدمت عكا وصور وجميع قلاع الساحل.

    قلت: وهذه مجازفة ظاهرة.

    قال: ورمت بعض المنارة الشرقية، وأكثر الكلاسة والمارستان وعامة دور دمشق، وهرب الناس إلى الميادين، وسقط من الجامع ستة عشر شرفة، وتشققت قبة النسر. إلى أن قال - والعهدة عليه: وأحصي من هلك في هذه السنة فكان ألف ألف ومائة ألف إنسان. ثم قال: نقلت ذلك من تاريخ أبي المظفر سبط ابن الجوزي.

  39. وكانت خراسان في هيج وحروب على الملك، والتقى جيش السلطان غياث الدين الغوري كفار، فانهزم الكفار.

  40. وأنبأني ابن البزوري في تاريخه، قال: زلزلت الجزيرة والشام ومصر، فتخربت أماكن كثيرة جدًا بدمشق وحمص وحماة، واستولى الخراب على صور وعكا ونابلس وطرابلس، وانخسفت قرية، وخربت عدة قلاع.