ذكر عاد
58 paragraphs · vol. 1, p. 104
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 104
وأرسل الله هوداً إلى عاد وهم باحقاف الرمل وملكهم الخلجان (١) بن الوهم، وكاونوا يعبدون ثلاثة أصنام وكذبوه، فدعا عليهم فأمسك الله عنهم
vol. 1, p. 105المطر ثلاث سنين فأجهدهم ذلك فوجهوا الى مكة رجالا يستسقون لهم في الحرم.
-
ولم تزل العرب تعظم موضع البيت، وكان موضعه بعد الطوفان ربوة حمراء، وأهله العماليق وسيدهم معاوية بن بكر، فقدم عليه وفد عاد للاستسقاء وفيهم قيل (١) بن عمرو ويزيد بن ربيعة، ونعيم بن هذال، ولقمان بن عاد، فقدموا ونزلوا على معاوية بن بكر وأقاموا عنده شهراً يأكلون ويشربون وتغنيهم الجرداتان وهما قينتان كانتا لمعاوية بن بكر، فلما طال أمرهم أشفق عليهم معاوية بن بكر لأنهم أخواله وخاف عليهم، فصنع شعراً ينبههم به ويحثهم على ما قدموا له، وأمر الجاريتين فغنتاه (٢) : ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل الله يمطرنا غماما فيسقي أرض عاد إن عاداً * قد أمسوا لا يبينون الكلاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما (٣) فانتبه القوم لما سمعوا الشعر ونهضوا يستسقون، فلما استسقوا نشأت لهم ثلاث سحائب بيضاء وسوداء وحمراء، ونودي قيل منها اختر لقومك قال البيضاء جهام قد فرغت ماءها، والحمراء ريح والسوداء غيث فاختارها فقيل
قد اخترت رماداً رمدداً لا يبقي من عاد أحداً، لا والداً ولا ولداً.
-
فدخلت الريح على عاد من واديهم، فأقامت سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، والحسوم الدائمة حتى هلكوا عن آخرهم، وتهدمت ديارهم ولم يمنعهم جدار ولا جبل حتى هلكوا عن آخرهم، ولم يبق إلا رسمهم.
- vol. 1, p. 106
و [روي أنه] لما استسقى وفدهم بمكة، ساروا في طريقهم فنودوا في طريقهم: إن عاداً قد هلكوا عن آخرهم، فاختاروا لأنفسكم، فاختار قيل أن يلحق بقومه، فسار نحوهم فلقيته الريح فأهلكته، واختار مزيد براً وصدقاً وكان مؤمناً بهود عليه السلام، فأعطى ما سأل.
-
واختار نعيم حياة ألف سنة لا يمرض ولا يهرم، ولا تصيبه حاجة فأعطي ما اختار، واختار لقمان عمر سبعة أنسر فأعطي ما اختار، وكان يأخذ النسر فرخاً يربيه حتى يهلك، ثم يأخذ عند هلاك ذلك فرخاً آخر، فيفعل به كذلك، حتى بلغ سبعة أنسر، وكان آخرها لبد، وقد ضربت العرب به الأمثال في أشعارهم قال الأعشى: ألم تر لقمان أهلكه * ما مر من سنة ومن شهر وبقي نسر كلما انقرضت * أيامه عادت إلى نسر ما مر من أمد على لبد * وعلى جميع نسوره السمر قد ابلت الأيام نضرته * وأودعت لقمان في القبر وقال النابغة الذبياني:
أمست خلاء وأمسى أهلها انقرضوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد ولما قسم نوح عليه السلام الأرض بين بنيه جعل لسام وسط الأرض، والحرم وما حوله واليمن إلى حضرموت إلى عمان والبحرين إلى عالج إلى طرف بلاد الهند، وكان هذا كله مدناً وقرى وحصوناً وقصوراً ومصانع وبساتين يتصل بعضها ببعض، الى ان سخط الله على قوم هود فأفسد كثيراً منها.
-
وجعل الله في ولد سام النبوة والبركة، وجعل لحام بعض الشام ومصر إلى أعالي النيل وبلاد النوبة والبجة، وأصناف السودان مع البحر الأحمر (١) إلى
vol. 1, p. 107بلد الحبشة والهند والقوط والسند.
-
وقسم ليافث بلاد الترك والصين، ويأجوج ومأجوج، والصقالبة والروم وإفرنجة والأعبورة والأندلس الى البحر المظلم، وسواحله.
-
وجعل ليحطون صين الصين إلى بلاد الشحر إلى ناحية اليمن، فكثروا من كل جانب وانبسطوا الى جهة بابل، وبورك فيهم فصاروا نيفاً من سبعين ألف بيت على خلق عظيم إلى أن ضرب بينهم إبليس، وكانت البلبلة فافترقوا.
-
وكان أول ملك منهم النمرود الأول بن كوش بن حام، وكان أسود أحمر العينين مشوها في جبهته كالقرن، وكان أول أسود يرى بعد الطوفان، فكان من ولده لدعاء نوح عليه السلام على ابنه حام، وذلك إن نوحا عليه السلام نام فانكشفت عورته، فرآها حام فضحك ولم يغطه، وسكت يافث، ولم ينكر عليه فصاح سام عليهما، وعلم ذلك نوح فدعا على حام أن يكون ولده سوداً مشوهين عبيداً لولد سام، ودعا على يافث أن يكون ولده عبيداً لبني سام، وأن يكونوا أشرار الناس.
-
وكان حام من أجمل البرية وأتمهم كمالا وأطيبهم ريحاً، فاجتنب امرأته أن يطأها خوفاً من دعوة أبيه، فلما مات أبوه غلبه ذلك على اعتقاده، فقرب منها فحملت بكوش بن حام وأخته، فلما رآهما حام فزع منهما، وأتى اخوته فأخبرهما وقال لهما قلت لامرأتي هل شيطان أو أحد غيري أتاك؟ فقال اخوته هذه دعوة ابيك فاغتم لذلك وترك امرأته دهراً، ثم غشيها فولدت قوطا وتوأمته، فلما رأى ذلك هرب في البلاد وغاب فلم يدر أين يذهب، ولم يكن أشد تجبرا وتكبرا وعتوا من النمرود الأسود.
-
وكان له بعض كهان فأتاه ابليس فقال له أنا كاهن من الكهان، ولم أر أحداً يعادلك في الكهانة وأنا معينك ومتمم أمرك، وجاعلك ملك الملوك،
vol. 1, p. 108على أن تذبح لي ولدك قرباناً، وتصلي لي ثلاث صلوات فأقلدك وأكون معك، وأجعلك كاهناً كاملاً تاماً وأقيمك مقامي ففعل ما أمر به فأمر إبليس الشياطين بطاعته، وليكون معه، ثم أتوه بولد سام فحاربهم وعاونه إبليس فقهرهم واستعبدهم، فانقادوا له وأطاعوه فبنى له إبليس قصراً وصفحه بالذهب (١) المكللة بالجوهر تضئ ما حوله ودفع اليه سيفاً يتألق نوراً في رأسه ثعبان يمتد إلى من يومئ اليه فيقتله، فلما رأى (٢) الناس ذلك أذعنوا له بالطاعة، ثم دعاهم إلى عبادته فأمر أن يبنى له صرح (٣) من الحجارة ومن الكلس فلم يبق احد إلا عمل فيه وقال يكون حصناً لكم.
-
وعاونته الأبالسة فبنى صرحاً عظيماً فبلغ ارتفاعه في الجو تسعمائة ذراع، ثم هندم أعلاه بأغرب بنيان وبنى فيه مجالس على أساطين غريبة، وكان عرض كل حائط من حيطانه الأربع ألف ذراع وما بين ذلك من الطبقات جعلها كلها مخازن وملأ جميعها من المال والطعام والشراب وجميع الآلات وكل
ما يخاف أن يحتاج اليه يوماً من الدهر بما يقوم به هو وأهله مدة من الدهر طويلة، وجعل مجلسه أعلاه وأمر الناس أن يعبدوه.
-
واتخذ صاحب خبره جنياً (٤) بينه وبين الناس، فاذا رفع اليه أن أحداً امتنع عن عبادته أمر به فطرح من أعلى الصرح إلى أسفله.
-
وزعم قوم أنه يكون على السحاب ويصعد إلى الفلك، وكان يركب عجلة منصوبة على ظهور الشياطين وينحدر منها إلى الأرض ففرق الناس منه وافتتنوا به وعبده كثير منهم، وعظم أمره.
-
واتصل بسام أنه يريد قتله، وقد عزم عليه فأخرج سام الأسماء التي علمه نوح عليه السلام إياها، وقال له
vol. 1, p. 109لا تدع بها إلا في مهم عظيم ففيها (١) اسم الله الأعظم، وقال: اللهم أنت الداعي لعبادك وبعينك ما هم فيه وما خرجوا من الفتنة اليه بغلبة هذا الجبار الذي قد استهوته الشياطين وانقيادهم له، وإن لم تغثهم ضلوا وهلكوا، وأنت أعلم بما يصلحهم، فاحقن دماءهم وامنع هذا الجبار منهم، وخذه بجريرته واكفنا أمره.
-
فأمر الله عزوجل الرياح الاربع فأقبلت على ذلك الصرح من جوانبه فجعلته دكا واتبع ذلك ظلمة شديدة ورجفة عظيمة تزعزعت لها الجبال.
-
فنهض العالم على وجوههم لا يرى بعضهم بعضاً، ولا يدرون أين يتوجهون وضعفت ألسنتهم عن الكلام.
-
وهلك اللعين عدو الله النمروذ، وهلك من كان يعبده، ومشى الناس في الظلمة هاربين ثلاثة أيام ثم لاحت لهم شعوب فيها نور يسير، فتشعب كل شعب فرقة هربت نحوه طلباً للنجاة، وتبع كل فرقة قوم يحثونهم، وهذا بلغة غير لغة الفرقة الأخرى، حتى خرجت كل فرقة إلى ناحية من الأرض وقد تبلبلت ألسنتهم وكثرت لغاتهم، فاذا وصلت فرقة منهم إلى موضع ناداهم مناد " هذا موضعكم الذي تكونون فيه فاعتمروا فيه وأثمروا " .
-
فخرج بنو سام لناحية اليمن إلى الشحر وحضرموت ألى آخر خط الاستواء، فمنهم العرب العاربة.
-
وخرج بنو حام إلى السند والهند وبلاد أسوان (٢) .
-
وخرج بنو يافث إلى الشمال،.
-
فمنهم الروم والخزر والترك والصقالبة والافرنج، ويأجوج ومأجوج.
-
وخرج بنو يحطون إلى الصين الاقصى وأقاصي الشرق، فنزل (٣) كل قوم في موضعهم وعمروه وتوالدوا فيه إلى اليوم.
- vol. 1, p. 110
ونذكر من أخبار آدم عليه السلام ما وقع إلينا في نقله بعض الخلاف، وفي ذكره فائدة.
-
آدم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته على ما تقدم ذكره، وأسكنه جنته بفضله، وأهبطه بذنبه إلى الأرض، وتاب عليه، وعلمه جميع العلوم، وملكه على الارض، وكثر في جميع العالم منه أفاضلهم وأشرارهم وهو أول من صام وصلى وقرأ وكتب.
-
وكان من أحسن المخلوقين وجهاً، وكان أمرد أجرد، وأنزل الله تعالى عليه إحدى وعشرين صحيفة، وتوفاه الله وهو ابن سبعمائة سنة وخمسون سنة،
وكان عمره الف سنة، فوهب لداود منها خمسين سنة لما عرضت عليه أعمارهم وصورهم فرأى عمر داود قصيراً.
-
وأوصى بعده إلى ابنه شيث، وكان فيه وفي بنيه النبوة والدين والعبادة والقيام بحقوق الله تعالى وشرائعه.
-
وأنزل الله تعالى على شيث تسعاً وعشرين صحيفة، وكان مسكنه فوق الجبل وسكن ولد قابيل أسفل الوادي، وكان عمره تسعمائة سنة واثنتي عشرة سنة واستخلف ابنه أنوشا وكان عمره تسعمائة وخمسين سنة، واستخلف ابنه قينان وهو الذي كانت الوصية إليه وقسم الأرض بين بني أبيه، فطاف وهو ابن تسعمائة وعشرين سنة، ودفع الوصية الى ابنه هطيل (١) وفي وقته بنيت الكعبة، وكان عمره ثمانمائة سنة وخمساً وتسعين سنة، وأوصى إلى ابنه يرد وعلمه وضع العلوم، وأخبره بما يجري في العالم، ويحدث بنظره في النجوم، وفي كتاب سر الملوك الذي أنزل على آدم عليه السلام.
-
وولد ليرد خنوخ وهو إدريس عليه السلام، وقد تقدم خبره مع يمحويل
vol. 1, p. 111لمللك ويقال إن يمحويل الملك بعث إلى أبيه أن يبعث اليه إدريس فامتنع، فوجه اليه جيشاً فمنعه منه أعمامه.
-
وجميع ولد شيث فلم يصل اليه، ولم يكن بعد شيث وحي، حتى نبأ الله تعالى إدريس [عليه السلام] .
-
وكان عمر يرد سبعمائة وخمسين سنة، ويقال إنه أول من استوقد واستعبد وغزا بني قابيل، ونظر في علم الفلك، ووضع المكيال والميزان، وأوتي علم الطب والنجوم، وعلم الزيجات بحساب غير حساب الهند، وسأل ربه فأراه
الصور الفلكية العالية.
-
وكانت الارواح تخاطبه، وعلم أسماء الصعود والهبوط فصعد وهبط، ودار [حول] الفلك وعرف أشكال النجوم ووقف على مسير الكواكب، وعرف كل ما يحدث في العالم، فزبره على الحجارة وعلى الطين.
-
وزيد مع ذلك كل العلوم والصناعات، وكانت له قصص تطول مع ملك الموت ومات ثم عاش ونظر إلى النار ودخل إلى الجنة ولم يخرج عنها.
-
ورفع على رأس ثلاثمائة سنة من عمره، وكان يقال له هرمس باسم عطارد، وعلم ابنه صابيا الخط فقيل لكل من كتب الخط بعده صابيا.
-
وهو الذي أخبر بالطوفان، وما يحدث في العالم ودفع الوصية، والصحف إلى ابنه متوشلخ وأمر صابيا بمعونته.
-
وكان صابيا قد بلغ مبلغاً جليلاً، وعاش متوشلخ تسعمائة سنة واثنتين وثلاثين سنة.
-
وانتقلت الوصية الى ابنه لمك فأخذ في البحث وجمع العلوم، وأقبل على بني أبيه فجمعهم وأمرهم ونهاهم وحضهم على الجور لولد قابيل ونهاهم عن قربهم وعن الاختلاط بهم، وهو الذي رأى ناراً خرجت من فيه، فأحرقت العالم.
- vol. 1, p. 112
ولما ولد له نوح عليه السلام والملك يومئذ درمشيل به يمحويل بن خنوخ ابن يحمور بن قابيل بن آدم عليه السلام، وكان قد تجبر وقهر الملوك على ما تقدم، لكنا نعيد ذكره هنا لما ورد في هذا الخبر من الزيادة والاستقصاء.
-
وكان إبليس قد استمال الملك ودعاه إلى عبادة الكواكب ودين الصابئة، وقال له هو دين أجدادك، فأجابه وعمل له الشيطان هياكل واصناماً
عبدوها.
-
ويقال إنه له يستخرج أحد من المعادن والجوهر واللؤلؤ والمرجان أكثر مما كان في وقت الدرمشيل، وكان شديداً على نوح والله تعالى يحفظه منه وعاش الملك ثلثمائة سنة.