ذكر عاد

58 paragraphs · vol. 1, p. 104

Page 2 of 2

  1. ونبأ الله تعالى نوحا عليه السلام وهو ابن مائة وخمسين سنة وارسله الى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان مائة سنة، وكان أول نبي بعد إدريس عليهما السلام.

    vol. 1, p. 112
  2. وكانت شريعته التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج وجهاد الأعداء، فدعا قومه الى الله تعالى وحذرهم عذابه، وكلما قام فيهم ودعاهم عنفوه وحذروه وأخفوا أمره عن الملك، وكان يحضر هياكلهم وبيوت أصنامهم، فاذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله جعلوا أصابعهم في آذانهم وادخلوا رؤوسهم في ثيابهم تبرءاً مما يقول.

  3. ولما قال لهم يوماً قولوا لا إله إلا الله وقعت الأصنام على وجوهها فقاموا اليه فضربوه حتى سقط على وجهه، وعرف الملك خبره فأحضره وقال له ما هذا الذي بلغني عنك من مخالفتك لديني وما عليه بنو أبيك وسبك لآلهتنا؟ وما هذا السحر الذي اسقطت به الأصنام عن كراسيها؟ ومن الذي علمك ذلك؟

  4. فقال له نوح عليه السلام لو كانت آلهة كما تزعم ما سقطت، وأنا عبد الله ورسوله فاتق الله تعالى ولا تشرك به شيئاً، فانه يراك فأمر بحبسه.

    vol. 1, p. 113
  5. الى أن يحضر عيد الأصنام فيذبحه تقربا اليه.

  6. وأمر برد الأصنام على كراسيها، وإصلاح ما تغير منها، وحان العيد

    وقرب فنادى في الناس أن يجتمعوا ليروا ما يصنع به، فدعا عليه نوح عليه السلام فأصابه صداع في دماغ رأسه أذهب عقله، فأقام اسبوعا ثم هلك فحمل على سرير ذهب، وطيف به في هياكل الأصنام، وهم يبكون عليه ثم دفنوه، وشتموا نوحا ونالوا منه بألسنتهم كل قبيح.

  7. وولى الملك ابن الدرمشيل فأخرج نوحا من حبسه، وزعم أنه مجنون وتقدم إليه ونهاه أن لا يعود الى ذلك الفعل فأقام إلى أن اجتمعوا في بعض أعيادهم عكوفا على أصنامهم فخرج حتى أتى جمعهم.

    فقال: قولوا لا إلا إله الله وأني عبد الله ورسوله، فتساقطت الأصنام وقاموا إلى نوح عليه السلام فضربوه وشجوه وسحبوه على وجهه، ثم أتوا به الملك فقال له الملك ألم أصفح عنك، وأسرحك من حبس ابي على أن لا تعاود؟ فقال له إني عبد مأمور بما أفعله، قال ومن أمرك؟ قال إلهي، قال ومن إلهك قال اله السموات والأرض وما فيها وخالق الخلائق اجمعين، قال وبماذا أمرك؟ قال ادعو الناس الى عبادته وحده، واخلع الأصنام، واعمل بما فرضه الله تعالى من الصلاة والزكاة والصيام قال فان لم نفعل ما تقول، قال الأمر اليه إن شاء اهلككم وإن شاء امهلكم، قال فاترك إلهك وما يريده وكف أنت عنا نفسك، قال ما ينبغي لي أن أكف ولا أقدر لأني عبد مأمور، فأمر بحبسه الى أن يتقرب به إلى الأصنام.

  8. فخرج على الملك سرنديب الكاهن الجبار، وكانت بينه وبينه حروب شغل بها عن أمر نوح عليه السلام وتشاءم بحبسه فأمر بتسريحه حتى يخلو له وجهه ثم صالح الكاهن على ناحية تركها له من عمله، وعاد الى ما كان فيه من ملكه.

    vol. 1, p. 114
  9. وكان إبليس يحرضه على قتل نوح عليه السلام، ويزينه له فيمنعه الله تعالى منه وزاد أمر نوح عليه السلام، فوجه الملك إلى جميع ممالك الأرض ليوجهوا له كل كاهن، وكل عراف لمناظرة نوح عليه السلام فشخصوا اليه من الآفاق، فناظروه فغلبهم نوح عليه السلام بالحجة والبرهان.

  10. فآمن منهم الكاهن فيملون المصري، واتبعه حتى دخل معه في السفينة، وأوحى الله تعالى آلى نوح عليه السلام ان اصنع الفلك بأعيننا، فقال كيف أصنعه؟ فأهبط الله تعالى جبريل عليه السلام حتى أراه إياها، وامره ان يبنيها على مثل صدر البطة فأقام في عملها عشر سنين، وعملها من خشب الساج، وجعل طولها ثلاثمائة ذراع وقيل دون ذلك، وجعل ارتفاعها من الأرض خمسين ذراعا، وجعلها ثلاث طبقات كما امر.

  11. وكانوا يهزؤن منه ويضحكون، وكان الرجل منهم يأتي إليه بأبنه الصغير فيحذره منه، وربما رماه الصبيان بالحجارة فآذوه، ولما فرغ من عمل السفينة جعل بابها في جنبها، وأقامت موضوعة على الأرض تسعة أشهر حتى حضر عيد لتلك الأصنام، فاجتمعوا اليه وقربوا اليه ثلاثمائة رجل ممن آمن بنوح عليه السلام، ذبحوهم بين أيديهم، فحق عليهم العذاب.

  12. وأمر الله تعالى نوحا عليه السلام أن يدخل في السفينة من كل زوجين اثنين، فقال يا رب من أين لي أن اجمع ذلك فامر الله تعالى الرياح فحشرت اليه كلما أراد، وأمر به فأدخل فيها من كل زوجين اثنين.

  13. وكانت السفينة ثلاث طبقات، فجعل الطبقة السفلى للبهائم والدواب والطير وجعل الوسطى لطعامهم، وجعل جسد آدم عليه السلام في تابوت فيها، وجعل العليا له ولمن دخل معه.

    vol. 1, p. 115
  14. وركب الملك إلى هيكل الأصنام فاقام فيها حيناً، ثم مشى إلى السفينة، وقد علم بما شحنت فيه وعزم على حرقها، فلما وقف عليها قال يا نوح واين الماء الذي يحملها؟ قال هو يأتيك في مكانك هذا، وأمر الملك فرميت السفينة بالنار، فرجعت عليه وعلى أصحابه فأحرقت بعضهم، وفار الماء على ما تقدم ذكره، وفتحت أبواب السماء بالمطر وحيل بينهم وبين صعود الجبال، ولم يدروا أين يتوجهون، وكانت المرأة تحمل ولدها على عنقها، فاذا لججها الغرق طرحته، فقيل لو رحم الله الكافر لرحم الصبي وأمه.

  15. وقال أصحاب النظر في الكواكب سلمت ثلاثة مواضع، لم يدخلها الطوفان ونحن لا نقول بذلك، والفرس لعنهم الله لا يقولون بالطوفان ولا بنبوة نوح عليه السلام، ونحن لا نقول بقولهم، والهند يزعمون أنه لم يكن ببلدهم من الطوفان شئ وكذلك أكثر [سكان] الجزائر والبحار (١) يزعمون ذلك.

  16. وقيل إن السفينة أقامت في الماء ستة أشهر، ويقال إنها سارت شرقا ًوغرباً وأتت موضع الكعبة، وكانت معهم خرزة يعرفون بها الليل، ومواقيت الصلوات.

  17. ولما نزلوا من السفينة على ما تقدم ذكره أمرهم نوح عليه السلام بالزراعة وغرس الشجر، وتفقد الكرامة فلم يجدها، وسأل عنها فعرفه جبريل عليه السلام أن إبليس سرقها، لان له فيها شركة فاقتسمها معه، فقال نوح اعطه

    vol. 1, p. 116منها الربع، قال لا يكفيه فزده، قال فاعطه النصف، قال لا يكفيه ولكن يكون له (١) الثلثان ولك الثلث، قال فنعم إذن

    قال فما طبخ من عصير الكرم بالنار حتى يذهب ثلثاه، كان حلالاً لك ولذريتك، وما نقص من ذلك كان له، ولمن كان من اتباعه.

  18. وقال إبليس لنوح عليه السلام أن لك عندي يداً أرعاها لك قال وما مكافأتك؟ قال وصية أوصيك بها، قال وما هي؟ قال إياك والحسد والحرص والعجلة فان الحسد حملني على أن عصيت ربي، وغويت آدم حتى خرج من الجنة، والحرص حمل آدم وحواء حتى أكلا من الشجرة، فغضب الله عليهما، والعجلة التي حملتك على أن دعوت على قومك فأهلكتهم جميعاً.