ذكر دخولهم البلدة، وكيف خرجوا اليها ونزلوا بها وحروبهم لمن حاربهم من الملوك

269 paragraphs · vol. 1, p. 137

Page 2 of 7

  1. ويقال إن مصرام لما ركب في عرشه، وحملته الشياطين حتى انتهى الى وسط البحر، فجعل له فيه القلعة البيضاء، وجعل عليها صنما للشمس، وزبر عليه اسمه وصفة ملكه.

    vol. 1, p. 142
  2. وعمل (٢) صنما من نحاس وزبر عليه " انا مصرام الجبار، كاشف الاسرار، الغالب القهار، وضعت الطلسمات الصادقة، وأقمت الصور الناطقة، ونصبت الاعلام الهائلة، على البحار السائلة، ليعلم من بعدي انه لا

    يملك أحد ملكي ".

  3. وكل ذلك في أوقات السعادة، وقد كان عمل في جنته شجرة مولدة، تؤكل منها جميع الثمار.

  4. وعمل فيها قبة من زجاج احمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكل بها الشياطين إذا اختلط الظلام أن لا يخرج احد من ملكه إلا هلك.

    vol. 1, p. 143
  5. وهو أول من عمل الحمام، وأحب أهل مصر ان يروه فسألوا خليفته ذلك، فأمرهم أن يجتمعوا في مجلس عال كان له، فاجتمعوا وجلسوا عنده، فظهر لهم في صورة هالتهم، ملأت قلوبهم رعباً، فخروا له على وجوههم دعوا له فأمر بإحضار الطعام والشراب فأكلوا وشربوا ورجعوا إلى مواضعهم، ثم لم يروه بعد ذلك وبلغ في كهانته الى ما لم يبلغه أحد من آبائه وأجداده.

  6. وملك بعده عيقام الكاهن، فعدل فيهم، وعمل مدينة عجيبة قرب العريش وجعلها لهم حرماً، وعمل لهم طلاسم عجيبة وعجائب كثيرة، وقيل ان إدريس عليه السلام رفع في وقته ولم يطل عمره.

  7. وملك بعده ابنه عرباق بن عيقام فتجبر واقبل على صيد السباع والوحش وعمل عجائب.

  8. منها أنه عمل شجرة من حديد ذات أغصان، ولطخها بدواء مدبر، فكانت تجلب كل صنف من السباع والوحش اليها، فيتمكن من صيدها كيف شاء.

  9. وفي كتب المصريين أن هاروت وماروت كانا في وقته بمصر، فعلما أهل

    مصر أصنافاً من السحر، فنقلا بعد الطوفان إلى أرض بابل وتعلم عرباق من علمها.

  10. فاحتالت عليه امرأة من المغصوبات فسمته فهلك وبقي مدة لا يعرف خبره، وكان رسمه إذا خلا بالنساء لا يقربه أحد.

  11. فلما تأخر خبره عن الناس هجم ععليه فتى من بني بقراوس يقال له لوحيم (١)

  12. ومعه نفر من أهله، فوجدوه ملقى على فراشه جيفة، فأمر أن توقد له نار يحرق فيها فأحرقه، ثم جمع النسوة اللاتي كن في الجنة، فمن كانت من نسائه أحرقها معه، ومن كانت من المغصوبات، سرحها إلى أهلها، ففرح الناس لما نزل بهم.

    vol. 1, p. 144
  13. وملكهم لوحيم الملك فخرج ولبس تاج أبيه، وجلس على سرير الملك، وأمر بجمع الناس.

  14. فلما اجتمعوا قام فيهم خطيباً.

  15. وذكر ما كان عليه عرباق الأثيم من سوء السيرة واغتصاب النساء وسفك الدماء.

  16. ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة، وأنه لميراث أبيه وجده وأحق به من غيره وضمن للناس العدل والإحسان والقيام بأمرهم، ودفع كل أذى عنهم فرضي الناس منه بذلك، وقالوا له: أنت أحق بالملك، فلا زلت دائم السعادة، طويل العمر، وانصرفوا مسرورين.

  17. فأمر بتجديد الهياكل وتعظيمها، وقرب كثيراً من الكهان، وأكرم جميعهم، وسار في الناس بالعدل.

  18. وكانت الغربان والغرانيق (١) قد كثرت في وقته فأهلكت الزرع، فعمل اربع منارات من نحاس في جوانب أمسوس، وجعل في كل منارة صورة

    غراب فيه حية قد التوت عليه فلم يقربهم شئ من تلك الطيور إلى أن كان الطوفان، فأزال تلك المنارة.

  19. ومن ملوكهم حصليم، وكانت له أخت حكيمة، وكانت في جواريها جارية فائقة العقل والجمال، فعشقها الملك، وسأل أخته ان تهبها له، فأبت فألح عليها في طلبها، فغضبت واعتزلت، وبنت هيكلا وتعبدت فيه للزهرة

    vol. 1, p. 145مدة ثم إنها رأت الزهرة تناجيها وتكلمها، وتأمرها أن تسلم الجارية الى أخيها، وتنهاها أن تمنعه من ذلك، ففعلت ذلك.

  20. ولما صارت الجارية عند الملك حظيت عنده، وفضلها على سائر نسائه فحسدنها وولدت من الملك ولداً ذكراً لم يكن له ولد غيره، فزاد حسدهن لها، وجعلن يطلبن أذاها، ويطلبن الغوائل لها.

  21. وكان أجل وزراء الملك لما يعلم من محبة الملك لها يأتيها في كل يوم فيقضي ما عرض لها من حوائجها، إجلالا لها، فلما قصدن ضراتها (١) [إذايتها] لم يجدن أنجع من أن يرمينها بذلك الوزير، وكان ذلك حسدا وبغيا، فحققن الأمر عند الملك بما أمكنهن من الحيل، فلما وقف الملك على ذلك أمر بقتلها وقتل الوزير، ولم يشاور في ذلك أخته ولا احداً من الحكماء.

  22. فلما نفذ أمره بذلك بادر من وقف على ذلك الى أخته فاعلمها فأسرعت الى الذي امر بقتلهما تأمر باستبقائهما، حتى يرى الملك في امرهما.

  23. ودخلت على الملك فقالت له ما هذا الذي أمرت به في وزيرك وجاريتك؟ فقال اتصل بي عنهما كذا وكذا، قالت أتحدث حدثا عظيماً من القتل على ما لم تتحققه، وعن غير مشورة لأهل الحكمة والثقات من اهل المملكة؟ قال

    لم أملك صبري، قالت إن الملوك ليس لها ان تعجل حتى يتبين لهم الامر! فامر باستبقائهما، وبحث عن امرهما، فوقف على الكذب فيه، فأمر بكل من سعى فيه من ضراتها فاخرجن من القصر.

  24. وحصليم هذا هو أول من عمل مقياساً لزيادة النيل، وذلك أنه جمع اصحاب العلوم والهندسة، فعملوا بيتاً من زجاج على حافة النيل وجعل في

    vol. 1, p. 146وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون، وعلى حافة البركة عقابان (١) من نحاس ذكر وأنثى.

  25. فاذا كان في أول الشهر الذي يزيد فيه الماء، وفتح البيت وحضر الكهان بين يدي الملك، وتكلم امير الكهان بكلام حتى يصفر أحد العقابين، فان صفر الذكر كان الماء تاماً زائداً وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصاً، ثم يعبرون الماء، وكل أصبع تزيد في تلك البركة فهو زيادة ذراع في النيل، فاذا عملوا ذلك حفروا للزرع وأصلحوا الجسور وعمل على النيل القنطرة التي ببلادد النوبة اليوم، وكان يسمى ابنه هو صال أي خادم الزهرة للرؤيا التي رأتها اخته، وكفلت الغلام عمته وادبته احسن التأديب، وزوجته عشرين امرأة من بنات الملوك العظام.

  26. وبنت له مدينة وجعلت فيها عجائب كثيرة احتفلت فيها، وزينتها بأحسن النقش والزينة والعمارة، وعملت فيها حماماً على أساطين يرتفع الماء فيها اليه حاراً من غير وقيد.

  27. وهلك حصليم (٢) فدفن في ناووسه، وملك بعده ابنه هو صال الملك، وتحول هو صال إلى السرب فسكنه، وبنى مدينة هي إحدى المدائن ذوات

    العجائب، وعمل في وسطها صنماً للشمس يدور معها، ويبيت مغرباً.

  28. ويصبح مشرقاً.

  29. ويقال أنه أول من اتخذ تحت النيل سرباً، وهو أول من عمل ذلك، وخرج منه متنكراً يشق الأرض والأمم إلى أن بلغ بابل، ورأى ما عمله الملوك من الأعاجيب، وعلم حال ملكها في الوقت وسيرته، ومجاري أموره.

  30. ويقال إن نوحا عليه السلام ولد في وقته، وولد لهوصال عشرون ولداً، وجعل مع كل واحد منهم قاطراً (٣) وهو رأس الكهنة.

  31. وتقول القبط أنه من بعد مائة وسبع وعشرين سنة من ملكهم لزم الهيكل الذي كان أقطعه أبوه لا يشركه فيه غيره، وأمور الناس جارية على سداد، فأقاموا كذلك سبع سنين، ثم وقع بين الاخوة تشاجر واختلاف، فأجمع رؤس الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكا، ويقيم كل واحد منهم في قسمته، واجتمعوا لذلك في دار المملكة.

    vol. 1, p. 147
  32. وقام رأس الكهان فتكلم، وذكر هو صال وفضائله وسعادتهم في أيامه وما شملهم معه من الخير، وأخبر بما رأته الجماعة من تقليد أحدهم، فان كان هو صال حيا ورجع إليهم لم ينكر ما فعلوه، لأنهم لم يريدوا إلا حفظ ملكه، ورفع المكاره عنه، وإن لم يرجع كان الأمر على ما سلف ملك بعد ملك فاستحسن الناس ذلك القول ورضوا به رأيا، وعملوا به.

  33. فعقدوا الملك على أكبر ولده سنا وهو فدرشان (١) الملك فسار سيرة أبيه

    فحمد الناس أمره فعمل في أيامه قصراً من خشب ونقشه بأحسن النقوش وصور فيه الكواكب، وبجله بالفروش وحمله على الماء، وكان يتنزه فيه.

  34. فبينما هو فيه ذات يوم إذ هبت ريح عظيمة، وزاد النيل زيادة كبيرة فانكسر القصر وغرق الملك، وهلك وقد كان نفى إخوته إلى المدائن الداخلة.

  35. واقتصر على امرأة واحدة من بنات عمه، فولدت ولداً ولم يكن له ولد غيره، وكانت ساحرة فسحرته حتى هام بها وانفرد بحبها واستخلف بعض وزرائه على الملك، واقبل على لذاته ولهوه معها.

  36. فلما كان من أمره ما كان من هلاكه كتمته امرأته، وكان أمره ونهيه يخرج إلى الوزير عنه، فأقام الناس على طاعته تسع سنين لا يعلمون بأمره.

  37. فلما رأى إخوته طول غيبته جمعوا [عليها] جموعاً عظيمة وقدموا على أنفسهم أحدهم وهو نمرود الجبار.

    vol. 1, p. 148
  38. وساروا الى أمسوس وبلغ ذلك الساحرة امرأة قدرشان، فامرت الوزير على أمر الملك على عادتها بالخروج إليهم وبمحاربتهم، ففعل فهزموه وقتلوه وقتلوا كثيراً ممن كان معه.

  39. ودخلوا مدينة أمسوس وأتوا دار الملك فلم يروا له خبراً، فايقنوا بموته، وكانت الحيلة وقعت من امرأته الساحرة.

  40. فجلس على سرير الملك نمرود (١) بن هو صال أخوه وملك الناس ووعدهم بحسن السيرة فيهم وتقييد ما كانوا ينكرونه، من أفعال أخيه واستولى على أمواله وخزائنه ففرقها على اخوته واقطعهم جميع ما كان أخوه ادخره لنفسه.