ذكر ملوك مصر بعد الطوفان

536 paragraphs · vol. 1, p. 180

Page 1 of 14

  1. أجمع اهل مصر (١) إن أول من ملك مصر بعد الطوفان مصرايم بن بيصر (٢) ابن حام بن نوح عليه السلام وذلك بدعوة سبقت له من جده.

    vol. 1, p. 180
  2. والسبب في ذلك إن فيلمون الكاهن سأل نوحاً أن يخلطه بأهله وولده، وقال له: يا نبي الله إنني تركت أهلي وولدي فاجعل لي رفقة أذكر بها بعد موتي، فزوج عليه السلام مصرايم بن بيصر بن حام بنت فيلمون، فولدت له ولدا فسماه فيلمون باسم جده.

  3. فلما أراد نوح عليه السلام قسمة الأرض بين بنيه، قال له فيلمون: ابعث معي يا نبي الله ابني، حتى أمضي به الى بلدي وأظهره على كنوزه، وأوقفه على علومه وأفهمه رموزها، فبعثه مع جماعة من أهل بيته، وكان غلاماً مراهقاً.

  4. فلما قرب من مصر بنى له عرشاً من أغصان الشجر، وستره بحشيش ثم بنى له بعد ذلك مدينة في الموضع بنفسه وسماها درمان (٣) أي باب الجنة وزرعوا وغرسوا الاشجار.

  5. وكان بين درمان الى البحر زروع وأجنة وعمارة، وكان القوم الذين كانوا مع مصرايم جبابرة، فقطعوا الصخور وبنوا المصانع والمعالم، وأقاموا

    في ارغد عيش.

    vol. 1, p. 181
  6. ونكح مصرايم بنتاً من بنات الكهنة، فولدت له ولدا فسماه قبطيما، وتزوج بعد تسعين سنة من عمره مرأة أخرى فولدت له أربعة نفر: يقطويم، واشمون، وابريت، وصابي، فكثروا وعمروا الأرض وبورك لهم فيها.

  7. وقيل ان عدد من كان مع مصرايم ثلاثون رجلاً من الجبابرة، فبنوا مدينة سموها ناقة، بلغتهم معناها ثلاثون، وهي مدينة منف.

  8. وكشف فيلمون الكاهن لمصرايم عن كنوز مصر وعلمه قراءة خط البرابي وما زبر على الحجارة، وعرض عليهم معادن الذهب والفيروزج والزبرجد وغير ذلك، ووصف لهم عمل الصنعة فجعل الملك أمرها الى رجل يقال لسنطاس (١) ثقة من اهل بيته، فكان يعملها في الجبل الشرقي، فسمي الجبل به المقطم.

  9. وعلمهم أيضاً عمل الطلسمات وكانت تخرج من البحر دواب وتفسد زروعهم، وما قارب البحر من جهاتهم فعملوا لها الطلاسم فغابت ولم تظهر بعد.

  10. وبنوا على غير البحر مدناً منها رقوده بمكان الاسكندرية، وجعلوا وسطها قبة من نحاس مذهب والقبة مذهبة.

  11. ونصبوا فوقها مرآة معموله من أخلاط شتى قطرها خمسة أشبار، وكان ارتفاع القبة من الأرض خمسمائة ذراع، فكانوا إذا قصدهم قاصديهم بأذاهم

    vol. 1, p. 182من البحر عملوا لتلك المرآة عملا فألقت شعاعها إلى ذلك القاصد ومراكبه فأحرقتهم اجمعين، ولم تزل على حالها حتى غلب عليها البحر فهدمها.

  12. ويقال ان منارة الاسكندرية إنما عملت تشبيها بها، وقد كانت أيضاً عليها مرآة يرى فيها من يقصدها من بلاد الروم، فاحتال عليها بعض الملوك، فوجه اليها من أزالها، وكانت من زجاجة مدبرة.

  13. ولما حضرت مصرايم الوفاة عهد الى ابنه، وقد كان قسم أرض مصر بين بنيه فجعل نم قفط الى اسوان لقبطيم، وجعل لا شمون من أسوان الى منف، ولا بريت الحوف كله، ولصابي ناحية البحر إلى قرب برقة والغرب، فهو صاحب افريقية وولده الافارق، وأمر كل واححد من بنيه أن يبني مدينة لنفسه في موضعه وأمرهم عند موته أن يحفروا في الأرض سرباً ويفرشوه بالمرمر، ويدفنوه فيه ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذهب والفضة والجوهر.

  14. ويزبروا على ذلك أسماء الله العظام المانعة من الحوادث.

  15. فحفروا له سرباً، طولاً مائة وخمسون ذراعاً، وجعلوا في وسطه مجلسا مصحفا بصفائح الذهب، وجعلوا للمجلس أربعة أبواب على كل باب تمثال من ذهب عليه تاج مرصع بالجوهر، جالس على كرسي من ذهب قدامه آنية زبرجد، ونقشوا في صدر كل تمثال آيات مانعة، وأجلسوا جسده في مجلس زبرجد أخضر، وزبروا عليه " مات مصرايم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة سنة مضت لايام الطوفان، مات ولم يعبد الأصنام، فصار الى حيث هو لا يوم هرم ولا سقم ولا حزن، وجعل جسده وماله في هذا السرب وحصنه باسماء الله العظام، وبما لا يصل اليه بعده إلا ملك له من جدوده سبعة ملوك يأتي في آخر الزمان، يدين للملك الديان، ويؤمن بالمبعوث بالقرآن، الداعي الى الايمان في عواقب الأزمان " .

  16. وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف

    تمثال من الجوهر النفيس، وألف برنية ذهب مملوءة درايق سماً، وألف آنية مملوءة بالصنعة الإلهية والعقاقير السرية، وجعلوا مع ذلك طلسمات عجيبة، وسبائك ذهب مكدسة بعضها على بعض، وسقفوا ذلك بالصخور العظام، وهالوا عليه التراب والرمال حتى سدوا ما بين جبلين متقابلين، وجعلوا عليه علامات لا تخفى.

    vol. 1, p. 183
  17. وولي الملك بعده ابنه قبطيم الملك، ويقال إن القبط منسوبون اليه وهو أول من عمل العجائب، واثار المعادن، وشق الأنهار، ويقال انه [لحق] (١) البلبلة، وخرج منها بهذا اللسان القبطي، وعمل ما لم يعمله أبوه من العمارات، ونصب الاعلام والمنارات والعجائب والطلسمات.

  18. وملكهم قبطيم ثمانين سنة، وهلك فاغتم عليه بنوه وأهله، ودفن في سرب تحت الجبل الكبير الداخل، وصفح بالمرمر الملون، وجعل فيه منافذ للريح فهي تتخرق فيه بدوي عظيم هائل، وجعل فيه كروس نحاس مطلية بأدوية تضئ أبداً كأنها سرج لا تطفأ، ولطخوا جسده بالمرمر والكافور والمومياء وجعلوه في جرن من ذهب وثياب منسوجة بالمرجان والدر، وكشفوا عن وجهه في جرنه تحت قبة على عمد من مرمر ملون وفي وسط القبة جوهرة معلقة تنير كالسراج، وبين كل عمودين تمثال في يده أعجوبة، وجعل تحت الجرن توابيت حجارة مملوءة جوهراً وذهباً وغير ذلك من التماثيل والصنعة، وحول ذلك مصاحف الحكمة، وسدوا عليه، وزبروا عليه كما زبروا على تابوت أبيه.

  19. وتولى الأمر بعده ابنه قفطويم الملك، وكان أكبر ولد أبيه، وكان جبارا

    vol. 1, p. 184عظيم الخلق، وهو الذي وضع أسرار الأهرام بالدهشور وغيرها، ليعمل ما عمله الأولون، وهو الذي بنى مدينة زرنده.

  20. وهلكت عاد بالريح في آخر أيامه، وأثار من المعادن ما لم يثره أحد، وكان يجد الذهب على قدر الرحى والزبرجد مثل الاسطوانة، وغرس الا سارح في صحراء الغرب مثل النخلة.

  21. وعمل من العجائب كثيراً، وعمل مناراً عالياً في جبل قفط يرى منه البحر الشرقي، ووجد هنالك معادن زئبق فعمل منه بركة عظيمة، فقيل إنها هناك الى اليوم.

  22. وفي زمانه أثار ابليس وأعوانه الأصنام التي كان الطوفان أغرقها، وزينوا أمرها وعبادتها.

  23. ويقال ان قفطويما بنى المدائن الداخلة، وعمل فيها عجائباً، منها الماء الملفوف القائم كالعمود ولا ينحل ولا يذوب ويسمى فلطيس، وصيادة الطير (١) اذا نصبها ومر عليها الطير سقط فيها ولم يقدر أن يبرح منها حتى يؤخذ.

  24. وعمل بها أيضاً عموداً من نحاس عليه صورة طائر، فاذا قرب الوحش والأسد والحيات من المدينة صفر ذلك الطائر صفيراً عالياً، فترجع تلك الدواب هاربة.

  25. وكان للمدينة أربعة أبواب جعل لها أربعة أصنام، على كل باب صنم من نحاس لا يعبر غريب الا ألقى عليه النوم والسبات، فينام عند الباب فلا يبرح نائماً حتى يأتيه أهل تلك المدينة، فينفخوا في وجهه فيقوم، فان لم يفعلوا ذلك لم يزل نائماً حتى يهلك.

  26. وعمل مناراً لطيفاً من زجاج ملون على قاعدة من نحاس، وعلى رأس المنارة

    vol. 1, p. 185صورة صنم من زجاج كبيرة، وفي يده كالقوس، وكأنه يرمي به، فان عاينه غريب وقف في موضعه ولم يبرح حتى يجيئه أهل المدينة.

  27. وكان ذلك الصنم يتوجه من ذات نفسه الى مهب الرياح الاربع، وقيل ان هذا الصنم على حاله الى اليوم، وإن الناس تحاموا تلك المدينة على ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفاً من ذلك الصنم، فاذا وقع عين انسان عليه لا يزال نائماً حتى يهلك.

  28. وقد كان بعض الملوك عزم على قلعه بما أمكنه، فهلك في ذلك خلق كثير، ولم يقدر عليه.

  29. وقيل إنه عمل في بعض المدن الداخلة مرآة يرى الانسان فيها جميع ما يسأل عنه.

  30. وعمل من خلف الجبل وبين الواحات الداخلة مدنا، وعمل فيها عجائب كثيرة، ووكل بها الروحانيين الذين يمنعون منها، فلا يستطيع أحد أن يدنو منها ولا يدخلها حتى يعمل عقداً بين أولئك الروحانيين، فيصل حينئذ اليها وياخذ من كنوزها ما أحب من غير مشقة ولا ضرر.

  31. فأقام قفطويم ملكاً أربعمائة سنة، وأكثر العجائب انما عملت في وقته ووقت أبيه.

  32. وأمر قفطويم فعمل له ناووس في الجبل الغربي قريب من المدينة مدينة العمد، وقد كان عمل لنفسه قبة قبل موته في سرب تحت الأرض معقود على أرج تحت الأرض على هيئة الدار في سعة كثيرة، وعمل حول دورها خزائن واسعة منقورة في الجبل أيضاً، وجعل في سقوفها مسارب للريح، وبلطت مع السرب وجميع الدار بالمرمر، وجعل في وسط الدار مجلساً على ثمانية

    vol. 1, p. 186أركان مصفحاً بالزجاج الملون المسبوك، وجعل في سقفه جواهر وحجارة تسرج.

  33. وفي كل ركن من أركان المجلس تمثال ذهب بيده كالبرق الذي يبرق، وعمل في وسط المجلس بركة مصفحة بالذهب، وعمل لها حواشي زبرجد وفرش حرير، وجعل على جسده بعد أن لطخ بالأدوية المجففة، وجعل حواليه ألف آنية من كافور، وأسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب ووجهه مكشوف، وعلى رأسه تاج مكلل، وعن جوانب البركة أربعة تماثيل من زجاج مسبوك في صورة النساء وفي ألوانهن، وبأيديهن كالمراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثياب سيف فاخر من أفخر الحديد قائمه من زبرجد.

  34. وجعل في تلك الخزائن من الذخائر وسبائك الذهب والتيجان والجواهر، وأواني الحكم وأصناف العقاقير، ومن الطلسمات العجيبة، والمصاحف الحاوية لجميع العلوم ما لا يحصى قدره كثرة.

  35. وجعل على باب المجلس صورة ديك من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر، وهو ناشر الجناحين مزبور عليه آيات عظام مانعة، وجعل على كل مدخل أزج صورتين من نحاس مشوهتين، بأيديهما سيفان كالبرق وبين أيديهما بلاطة تحتها لوالب لابد من وطئها إذا أراد أن يدنو منها، فاذا وطأها ضرباه بسيفهما فقتلاه.

  36. وفي كل أزج كوة فيها لطوخ مدبرة تسرج وتضئ طول الزمان، وسدت أبواب الأزج بالاساطين المرصعة ورصوا على السقف البلاطات العظام، وردموا فوقها بالرمال.

  37. وزبروا على باب الأزج الأول في حجر عظيم " هذا المدخل الى جسد

    الملك العظيم المهيب الكريم قفطويم ذي الايد والقوة والفخر والغلبة والقهر،

    vol. 1, p. 187حل هذا الموضع بجسده وبقي ذكره وعلمه فلا يوصل اليه، ولا يقدر عليه بحيلة إلا بعد مدد ودورات تمضي من السنين ".

  38. وملك بعده ابنه البودشير (١) الملك فتجبر وتكبر، وعمل بالسحر، واحتجب عن العيون، وقد كان أعمامه صابي وأبريت ملوكا على مواضعهم، إلا أنه كان أكبرهم سناً، فلذلك أذعنوا له.

  39. فيقال إنه أرسل إلى هرمس المصري فبعثه الى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته، حتى عمل له هناك هيكلاً للتماثيل من نحاس، وعمل البطيحة التي ينصب عليها ماء النيل.

  40. ويقال انه هو الذي عدل جنبي النيل، وقد كان يفيض في بعض مواضع وربما انقطع في مواضع، وأمره البودشير أن يسير مغرباً لينظر ما هناك، فوقع إلى أرض واسعة متخرقة بالمياه والعيون كثيرة العشب، فبنى بها منائر ومتنزهات واقام بها، وحول البودشير جماعة من أهل بيته، فعمروا تلك النواحي وبنوا فيها حتى صارت أرضاً عامرة كلها، وأقاموا بذلك مدة كبيرة، وخالطهم البربر ونكح بعضهم في بعض.