ذكر دخولهم البلدة، وكيف خرجوا اليها ونزلوا بها وحروبهم لمن حاربهم من الملوك
269 paragraphs · vol. 1, p. 137
Page 7 of 7
- vol. 1, p. 174
فلما خرجوا من عنده تكلموا بينهم وقالوا إنكم تعلمون كثرة علم أجناس وشدة سحره، وانا ما لنا به طاقة، ومناوس الملك هو الذي نقض عهده، وتعدى عليه وغصبه امرأته، فينبغي لنا أن نخلص أنفسنا منه، فأجمعوا أمرهم على أن ينصرفوا إلى الملك واستأذنوه في الذهاب إليه ومداراته وتوبيخه والرفق به حتى يأتوا به الملك بأمان يأخذونه له منه، فيجدد العهد بينه وبين الملك، ففعلوا ذلك وأجابهم الملك إلى ما سألوه من ذلك، ثم مضوا إلى أجناس ولطفوا به، وقالوا له إنا ما نجهل حقك وعظم أمرك وإنا بقدرك
vol. 1, p. 175وكثرة علمك عارفون، ولم يكن في قدر الجناية التي جنت عليك قدر ما فعلته من الأضرار بأهل بلدك الذي أنت منهم، ولا في الواجب أن تهلك عالماً كثيراً من الناس لجناية جناها عليك مناوس، ولا يجب على ملكنا وملك اليوم الذي عهده لازم لنا ولك من فعل أبيه بك وبسواك عقوبة.
-
ولسنا نأمن أن تسلب علمك وتصير إلى أقبح عملك، فتهلك مذموماً وتمضي غير مفقود، فلم يزالوا به حتى أجابهم إلى ما أرادوه، وكتبوا بذلك
إلى الملك فكتب له أماناً وجدد له عهداً ورجع إلى ما كان من طاعة الملك وحسن رأيه فيه.
-
وردت إليه امرأته فأكرمها وردها إلى قصر الملك وعرفهم أنه لا يرى في دينه أن يلامس امرأة لامسها الملك على حال من الأحوال، لما كانوا يرعون من طاعة الملوك ويعظمون من حقوقهم، فسر الناس بذلك وعجبوا من عقله وحكمه وصلح الملك والناس وعمل لهم أجناس هذا عجائب وطلسمات كثيرة.
-
وملكهم افراؤس أربعاً وستين سنة، وهلك وليس له ولد ولا أخ، فدفن في الهرم وجعلت معه أمواله وذخائره وجوهره والصنائع التي عملت في وقته.
-
واجتمع الناس على تمليك رجل من أهل المملكة يقال له ارمافيوس (١) فلما ملك أمر بجمع الناس إليه، فلما اجتمعوا بين بديه قال لهم: إني أرى من حولكم من الأمم مسارعة إليكم وغالبة على عداوتكم وأنا مانع بلدكم منهم وحام دياركم ودماءكم وقد تطرفت نواحيكم ويوشك أن تسير إليكم وأنا أريد
vol. 1, p. 176منعهم بعدوهم وأقصدهم في بلادهم وتخويلكم إياهم، فأحتاج إلى معرفة حكمائكم بالأعمال الهائلة والتماثيل العجيبة فشكروه ودعوا له بالتوفيق والسعادة الكاملة، وقالت الحكماء: نحن نخرج مع الملك ونبلغه محابه فيما يريده من أعدائه، ونحن نخدم الجيش مكانه، ونبذل أنفسنا دونه، فشرع في ذلك.
-
وخرج في جيش عظيم، وحارب تلك الامم، فنكاهم نكاية شديدة، ورجع غانماً، وخلف في وجوهها جيشاً، فتألفت تلك الأمم على ذلك الجيش
من كل جانب فهزمته، ورجع أصحابه مغلوبين فغاظه ذلك.
-
وقد كان أصابته علة في سفره من تغير الأهوية وتبديل الماء، فأنفذ ابن عم له يقال له فرعان بن ميسون، وكان أحد الجبابرة الذين لا يطاقون وهو أول فرعون تسمى بهذا الاسم، وتسمى به بعده من تشبه به.
-
وقال أصحاب التاريخ من أهل مصر، ان أول من تسمى بفرعون غلام الوليد ابن دمع العماليقي، يقال له فرعون كان قد هرب من مولاه لما رجع من طلب النيل، وبنى المدينة التي يقال لها مدينة العقاب وتحصن بها، فقيل له فرعون وسنذكر خبره في موضعه.
-
فانفذ الملك ابن عمه فرعان في جيش عظيم، فأجلى تلك الأمم ونفاها إلى أطراف البحر وكر راجعاً ومعه رؤس كثيرة وخلق كثير أسارى.
-
فأمر الملك بنصب الرؤس حول المدينة، وقتل من صلح للقتل، وكان فيهم كاهن منهم فأمر أن ينشر بمنشار، وهو أول من فعل ذلك.
-
وأعظم الملك ابن عمه فرعان وأكرمه وألبسه حللا منظومة بالجوهر، وأمر أن يطاف به ويذكر فضله، ثم أنزله في بعض قصوره.
-
وأن امرأة من نساء الملك عزيزة عليه عشقت فرعان، فأرسلت اليه
vol. 1, p. 177تدعوه الى نفسها فامتنع من ذلك خوفاً من الملك، ولأن التخطي كان عندهم إلى نساء الملك عظيما.
-
فلما طال عليها شوقها اليه أحضرت امرأة ساحرة من نساء الكهنة ولا طفتها حتى أنست بها، فذكرت أمر فرعان وما تجده من سببه وامتناعه عليها، فضمنت لها بلوغ محبتها منه، فسحرته بدخن كان عندها عملته له حتى اهتاج اليها وقدم على ودها وسهل عليه ما صعب من أمره، ودست اليه
فأجابها واجتمع بها وتمكن حب كل واحد منهما من صاحبه، ودام الأمر بينهما وتمادى الانس إلى أن ذاكرته أمر الملك وأنها لا تأمن أن يصل خبرهما به فيهلكا، وقالت له اعمل الحيلة في قتله، وأنت ابن عمه فيكون [لك] الملك من بعده ونأمن على أنفسنا، فلشدة حبه لها استحسن ذلك واستدعى بسم فدفعه اليها، فدسته في شراب الملك فمات لوقته، ودفن في الهرم مع الملوك.
-
وجلس فرعان الملك على سرير الملك، ولبس التاج ولم ينازعه أحد، وفرح الناس بمكانه لما كان عليه من الشدة والجرأة.
-
وأن فرعان علا في الأرض وتجبر، وهو الذي كان الطوفان في وقته، وغصب الناس أموالهم وعمل في طريق الظلم ما لم يعمله أحد، وأسرف في القتل وامتثل أصحابه فعله، فهابته الملوك، وأقروا له، وهو الذي كتب إلى الدرمشيل بن يمحويل ملك بابل يشير عليه بقتل نوح عليه السلام.
-
وذلك أن الدرمشيل كتب الى الآفاق يستعلم أهلها هل يعرفون آلهة غير الأصنام؟ ويذكر قصة نوح عليه السلام، وأنه يريد تغيير ما هم عليه من عبادة الأصنام، ويزعم أن له إلهاً غيرها لا يرى فكل أنكر ذلك.
-
أخبار الزمان - م (١٢)
- vol. 1, p. 178
ولما أخذ نوح عليه السلام في عمل السفينة كتب فرعان يأمره بقتل نوح وحرقها فأشار عليه بعض وزرائه ان لا يفعل وأن يدعها فان كان ما ذكره نوح حقاً ركبها الملك واهل بيته فقبل رأيه وتركها وهم بقتل نوح فمنعه الله منه.
-
وكان عند أهل مصر علم الطوفان، ولم يقدروا كثرته ولا طول مقامه على وجه الأرض، فاتخذوا السراديب تحت الأرض وصفحوها بالزجاج
وحبسوا الريح فيها بتدبيرهم، وأتخذ الملك فيلمون رأس الكهنة مع نفسه، عدة له ولأهل بيته.
-
وقد كان فرعان أقصى الكهان وباعدهم، فرأى فيلمون الكاهن ليلة في منامه كأن مدينة أمسوس قد انقلبت (١) بأهلها وكأن الاصنام قد انقلبت (١) على وجوهها وكأن ناسا من السماء ينزلون ومعهم مقامع يضربون بها الناس، وكأنه تعلق بأحدهم، وقال لهم: لاي شئ تفعلون بالناس ولا ترحمونهم؟ قال: لانهم كفروا بإلههم بالذي خلقهم، قال: أما لهم خلاص؟ قال: نعم من أراد الخلاص فعليه بصاحب السفينة.
-
فانتبه مرعوبا وقام حيرانا لا يدرى ما يصنع، وكان له امرأة وولدان ذكر واثنى وسبع تلاميذ فأجمع على أن يلحق بنوح عليه السلام.
-
ثم نام أيضاً فرأى في نومه كأنه في روضة خضراء، وكأن فيها طيوراً بيضاء يفوح منها رياح المسك، وكأنه كان يعجب من حسنها، إذ تكلم بعض الطيور فقال سيروا بنا لعلنا ننجو مع المؤمنين، فقال له ومن هم المؤمنون؟ قال أصحاب السفينة.
-
فانتبه مرعوبا واخبر أهله وتلاميذه بذلك واستكتمهم إياه ثم نظر في تخفيف اثقاله، وفي بيع ما يجب بيعه مستتراً بذلك كله.
- vol. 1, p. 179
فلما فرغ مما أراده دخل على الملك وقال له إن رأى الملك أن ينفذني إلى الدرمشيل لأرى هذا الرجل الذي عمل السفينة وأناظره وأجادله على ما جاء به من هذا الدين لذي يظهره، وأتبين حقيقة أمره فليفعل، فعسى أن يكون سبب هلاكه ودفعه عما يدعيه، فأعجب الملك منه وأمره بالخروج،
وكتب معه إلى الدرمشيل.
-
فسار فيلمون بأهله وولده ومضى معه تلاميذه حتى انتهوا الى أرض بابل فقصد نوحاً فأخبره بما قصده، وسأله أن يشرح له دينه ففعل نوح عليه السلام ذلك، فآمن به فيلمون وجميع من معه، ولم يقصد فيلمون إلى الدرمشيل ولم يدفع إليه كتاب فرعان ولا رآه.
-
فقال نوح عليه السلام " من أراد الله به خيراً لم يصرف عنه ذلك " فلم يزل الكاهن مع نوح عليه السلام يخدمه هو وتلاميذه وولده إلى ان ركبوا السفينة.
-
وأقام فرعان الملك متمكناً في ضلاله وظلمه، مدمناً على لهوه وقد استخف بالهياكل، فضاقت أرضهم بها، وكثر الظلم والهرج وفسدت الزروع واجدبت الأرض من كل ناحية، وظلم الناس بعضهم بعضاً، ولم ينكر ذلك عليهم، وسدت الهياكل والبرابي وطبقت أبوابها، فجاءهم الطوفان وأقبل عليهم المطر في اربع وعشرين من الشهر.
-
وكان فرعان سكراناً فلم يقم إلا والماء قد عظم، فوثب مبادراً يريد الهرم فتخلخلت الأرض به، وسبق يريد الأبواب فخانته رجلاه وسقط على وجهه، وجعل يخور كما يخور الثور إلى أن أهلكه الطوفان ومن دخل منهم الأسراب مات بغمها (١) ولحق الماء من [أعلى] (٢) الاهرام إلى حد التربيع، وأثره ظاهر عليه إلى الآن.
- vol. 1, p. 180
وقد ذكر أن مواضع سلمت من الطوفان يذكر ذلك الفرس، وتزعم أنها
لا تعرف الطوفان، وكذلك الهند تزعم أنها لا تعرفه وليس بين أهل التاريخ اختلاف في عموم الطوفان لجميع الأرض.