ذكر ملوك مصر بعد الطوفان

536 paragraphs · vol. 1, p. 180

Page 2 of 14

  1. ثم أنهم تحاسدوا وتباغوا وكانت بينهم حروب افنتهم، فحينئذ خرب البلد وباد أهله الا بقية منازل تسمى الواحات.

    vol. 1, p. 187
  2. ويقال إنه عمل في وقته كثيراً من العجائب، فمنها قبة لها أربعة أركان في كل واحد منها كوة يخرج منها دخان ملتف (٢) في ألوان شتى في يوم معلوم في السنة من أول سنتهم.

  3. فاذا خرج الدخان أخضر دل على العمارة والخصب وحسن الزرع وصلاح

    النبات، وإن خرج الدخان أبيض دل على الجدب وقلة الخيرات، وإن خرج

    vol. 1, p. 188أحمر دل على الدماء والحروب وقصد الأعداء، وإن كان أسود دل على كثرة الأمطار والسيول وفساد بعض الأرض بذلك، وان كان أصفر دل على النيران وعلى آفات تحدث في الفلك.

  4. وما كان منه يخرج مختلط اللون دل على مظالم الناس وفساد بعضهم لبعض وإهمال ملوكهم الأمور، وأشياء تدل على هذا الضرب، وكانت هذه القبة على منارة أقامت زماناً من ملكه ثم هدمها.

  5. ومما عمل له أيضاً بالغرب في الصحراء التي تقرب منه، وكانت الوحوش قد كثرت عليهم وأفسدت زرعهم، وكذلك خنازير الماء، فعمل شجرة من نحاس أقامها في موضع فما وصل اليها من الوحش لم يستطع الحركة ولا البراح من عندها حتى تؤخذ قبضاً فيقتل، فاتسع الناس في لحوم تلك الوحوش، فوجه بعض الملوك المجاورين لمصر عن احتيال لتلك الشجرة فقلعها واحتملها ليضعها في بلده فيعمل له مثلها، فلما قلعت من موضعها بطل عملها فلم ينتفع بها، لآنهم كانوا يعملون ما يعملونه من ذلك بطالع يأخذونه فلا يزال مستقيماً الى أن يغير مكانه وينقل عنه.

  6. ومما عمل في وقته أن غراباً نقر عين صبي من أولاد الكهنة فقلعها، فعمل أبوه شجرة من نحاس عليها غراب في منقاره حية بادية الطرفين، وهو ناشر الجناحين، وكتب على ظهره كتاباً، فكان الغربان يقعن على تلك الشجرة حتى يمتن أو يؤخذن فيقتلن، فهلك كثير منها وانتفى الى الشام وغيرها من

    النواحي.

  7. ولم يزل الأمر كذلك إلى ان صار لبعض ملوكهم داء لم يكن له دواء إلا أن يطبخ له غراب فيأكل من لحمه ويشرب مرقه، فطلب له غراب فلم يكن في وجوده حيلة، فوجه الى ناحية الشام من يأتيه بغراب فأبطأ وزادت علته

    vol. 1, p. 189فاغتاظ، وأمر بنزع الشجرة فنزعت فرجعت الغربان فأخذ منها الملك ما يعالج به، فلم يعد رسوله من ناحية الشام حتى خرج الملك من علته.

  8. ومما عمل في وقته، وكانت الرمال قد كثرت عليهم من ناحية الغرب حتى ربما طمت زروعهم، فعمل لذلك صنم من صوان أسود على قاعدة منه وفي يده كالقفة فيها مسحاة ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه كتابات، ووجه به إلى المغرب، وجعل هناك فانكشفت تلك الرمال وزحفت بها الرياح إلى ورائها لتلك الآكام العالية في صحراء المغرب، فلم يزل الرمل يندفع عنهم إلى وراء ذلك الصنم حتى صار بحيث لا يؤذيهم منه شئ ولا يضرهم.

  9. فأقام البودشير مدة ثم احتجب عن الناس [وكان يتجلى لهم في صورة وجه عظيم يكون ذلك في النادر] (١) وربما خاطبهم من حيث لا يرونه وصبروا وهم في طاعته مدة طويلة، إلى أن رآه عديم ابنه وهو يامره بالجلوس مكانه على سريره [فجلس] (١) فتولى الأمر بعده وجلس على سرير ملكه ابنه عديم الملك، وكان جباراً لا يطاق عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ونحتها ليبني هرماً كما فعل الأولون.

  10. وكان في وقته الملكان اللذان أهبطا من السماء، ويقال إن عديماً استكثر من علمهما، ثم انتقلا إلى بابل.

  11. وأهل مصر والقبط يقولون إن هذين شيطانان يقال لهما مهلة ومهالة، وإن الملكين ببابل في بئر هناك يغشاها كثير من السحرة إلى أن تقوم الساعة ومن ذلك الوقت عبدت الأصنام، واتخذت الأوثان، وقال قوم كانت

    vol. 1, p. 190الشياطين تظهر فتنصبها لهم، وقال قوم بل النمرود الأول أمر بنصبها وعبادتها.

  12. وعديم الملك أول من صلب، وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات وكان لها زوج فأمر بصلبهما، على منابر وجعل ظهر كل واحد منهما إلى ظهر صاحبه، وزبر على المنابر اسميهما وما فعلاه، وتاريخ الوقت الذي عمل ذلك فيه، فانتهى الناس عن الزنا.

  13. وبنى أربع مدائن وأودعها كثيرا ًمن صنوف العجائب والطلسمات وغير ذلك، وكنز فيها كنوزاً كثيرة وعمل على البحر الشرقي مناراً، وأقام على رأسه صنماً موجهاً إلى الشرق، باسط اليدين يمنع جميع دواب البحر والرمال أن تتجاوز حده، وزبر على صدره تاريخ الوقت الذي نصبه فيه.

  14. ويقال إن هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا، ولولا هذا المنار لغلب الماء المالح على ارض مصر من البحر الشرقي.

  15. وعمل قنطرة على النيل في ارض النوبة، ونصب عليها أربعة أصنام موجهة إلى أربع جهات، في يد كل صنم منها سيف يضرب به إذا أتى آت من تلك الجهة، فأقامت على حالها مدة إلى أن تهدمت.

  16. وهو الذي عمل البربا، وهي هناك إلى اليوم، ويقال إنه عمل في إحدى

    المدائن الأربع التي ذكرنا [ها] حوضاً من صوان اسود على ماء لا ينقص مدى الدهر، ولا يتغير بما اجتلب اليه من رطوبة الهواء والماء.

  17. وعمل فيه حيلاً عجيبة، وكان أهل تلك الناحية، وأهل تلك المدينة يشربون وينفقون منه، ولا ينقص ماؤه، وعمل ذلك لهم لبعدهم من النيل وقربهم من البحر المالح.

  18. وذكر بعض كهنة مصر أن ذلك إنما تم لقربهم من البحر المالح، لأن الشمس فيما ذكروا يرتفع نحوها بخار البحر وعذوبة ما فيه.

  19. فحبس هو من البخار جزءاً بالهندسة وبالطلسمات السحرية، وجعله ينحط في ذلك الحوض، ويمده الهواء برطوبته فلا ينقص ماؤه على الدهر، ولو شرب منه العالم.

    vol. 1, p. 191
  20. وقد عمل أمام البربا حوضاً لطيفاً مدوراً وجعله على قاعدة وملأه ماء، وحبس عليه جزء من البخار الرطب، فالخلق يشربون منه ولا ينقص وهو هناك إلى هذا الوقت.

  21. وعمل أيضاً قدحاً لطيفاً على مثل العمد، وأهداه حويل الملك إلى الاسكندر اليوناني، وملكهم مائة سنة وأربعين سنة، ومات وهو ابن تسعمائة سنة وثلاثين سنة.

  22. وقيل إنه دفن في إحدى المدن ذوات العجائب في أزج من رخام ملون مبطن بزجاج أصفر، وطلي جسمه بما يمسكه، وجعل حوله كثير من ذخائره، وذلك في وسط المدينة وهي محروسة بمن يمنع منها من الروحانيين.

  23. وذكر بعض أهل القبط أن ناووس عديم عمل له في صحراء قفط على وجه الأرض، وهو قبة عظيمة من زجاج أخضر براق معقود على ثمانية آزاج

    من صنفها، وعلى رأسها كرة من ذهب عليها طائر من ذهب ناشر الجناحين موشح بجواهر تمنع من الدخول، وفي قطرها مائة ذراع في مثلها.

  24. وجعل جسده في وسطها على سرير من ذهب مشبك بجوهر عقيق، وعليه ثياب منسوجة بالذهب مكشوف الوجه.

  25. والآزاج مفتوحة، طول كل أزج منها ثمانية أذرع، وارتفاع القبة أربعون ذراعاً، يلقي نورها على ما حولها من الأرض، لصفاء لونها وبريقها، وجعل معه في القبة مائة وسبعون مصحفاً من مصاحف الحكمة، وسبع موائد عليها أوانيها منها.

  26. ومنها مائدة من ذهب عليمون أحمر يخطف الأبصار، وهو الذي يعمل منه تيجان الملوك وأوانيها منها، ومائدة من حجر الشمس المضئ وأوانيها منها، ومائدة من الزبرجد الأخضر الذي يخطف لونه البصر وله شعاع أصفر، وهو الذي إذا نظرت إليه الأفاعي سالت عيونها وآنيتها منها، ومنها مائدة من كبريت أحمر مدبر على ما ذكروه من تدبيرهم في مصاحف كتبهم وأوانيها منها، ومنها مائدة من ملح أبيض براق صاف يكاد لونها يعشي البصر وأوانيها منها، ومنها مائدة من زئبق معقود حافتاها وقوائمها زئبق اصفر معقود، وأوانيها عليها من زئبق أحمر معقود، وجعل معه في القبة جواهر كثيرة وبراني بلور مملوءة بغرائب مدبرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية، وأتراس حديد مدبر أبيض، وجعل معه تماثيل افراس سبعة من ذهب عليها اللجم، وسروج من ذهب، وسبعة توابيت من صوان أسود مملوءة من الدنانير التي كان ضربها، وصور عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقيق والسموم والأدوية المدبرة في أواني الحنتم والحجازة على ضروبها شئ

    كثير.

    vol. 1, p. 192
  27. وقد ذكر من رأى القبة أنه مشى اليها مع جماعة وأقاموا عليها أياماً، فما قدروا على دخولها، وأنهم إذا وصلوا اليها على ثمانية أذرع دارت القبة عن أيمانهم من شمائلهم، وقد رأوا ما فيها، ومتى دنوا منها دارت إلى جانب آخر.

  28. ومن عجائب شأنها أنهم كانوا يحاذونها من كل أزج، ويتأملونها أزجاً أزجاً، فلا يرون من أزج إلا ما يرون من أزج آخر على شكل واحد، ومعنى واحد وذكروا انهم راوا وجهه على قدر الذراع والنصف، ولحيته كبيرة مكشوفة، وقد رأوا بدنه بطول عشرة أذرع وزيادة، وذكروا انهم راوا

    vol. 1, p. 193فيها عجائب كثيرة وصنوفاً من الوحش لم ير مثلها.

  29. وفي كتاب القبط أنه لا يوصل اليها إلا ان يذبح لها ديك أبيض أفرق، ويبخر بريشه على بعد، وترسل البخور مع الريح على بعد حتى يصل اليها، ويكون بالكواكب النيرة على ما كانت عليه وقت نصبها، ويكون زحل والمشتري والمريخ في برج واحد والزهرة وعطارد في برج، ويتكلم عليها بصلاة الكهنة سبع مرات، فاذا وصل اليها لطخ حائطها بدم الديك الذي ذبح ويأخذ عند دخولها من المال والتماثيل ما استحسن ولا يكثر فيها من الجلوس وذكر ان هؤلاء الذين رأوها لم يكونوا من أهل الناحية، وإنما خرجوا يطلبون غيرها، وأنهم سألوا أهل قفط عنها، فما وجدوا أحداً يعرفها ولا رآها غير شيخ منهم.

  30. فانه ذكر أن ابنا له خرج في بعض الامور، ومعه جمل، وأنه رآها ولم يصل اليها فبحث عن أمرها، فعرف أن قوما من أهل المشرق جاءوا في طلب هذه القبة وأنهم أقاموا بقفط أياما وخرجوا يريدونها، فما رجع منهم أحد ولا عرف لهم خبر.

  31. وكان عديم الملك قد أوصى ابنه قبل موته أن يطوف ماشيا على أعمال بلاده، وأن ينصب في كل جزء من أجزاء عمومته منارا، ويزبر عليه اسمه ويعمل له علامات وملاعب.

  32. وعمل في صحرائها منارا، وعمل عليه صنما ذا رأسين مقترنين، وسار الى جزء إبريت فبنى به قبة على عمد وعلى أساطين بعضها فوق بعض وجعل على أعلاها صنما صغيراً من ذهب.

  33. أخبار الزمان م (١٣)

  34. وعمل هيكلا للكواكب، وكان أبوه البودشير أول من أقام للكواكب هيكلا، فتبعه ابنه على ذلك، ومضى الى جزء صابي فعمل به منارة على رأسها امرأة من أخلاط ترى الناظر اليها جميع الاقاليم.

    vol. 1, p. 194
  35. ثم رجع الى أبيه فولاه الملك بعده وعهد اليه بما أراد ووصاه، ثم مات أبوه فلما أودعه الناووس، وفرغ منه جلس على سرير الملك شدات (١) الملك، وهو الذي بنى الاعلام بالدهشور بالاحجار التي قطعت في زمان ابيه.

  36. وقال الذين ينكرون أن العادية دخلت مصر انما غلط الناس في اسم شدات فقالوا شداد بن عاد لكثرة ما يجري على ألسنتهم شداد وقلة ما يجري شدات.

  37. وما قدر أحد قط من الملوك أن يدخل مصر الا عبد لبخت نصر بما قدمه من الحيل في افساد طلسماتها.

  38. وشدات الملك هو الذي عمل مصاحف الزيجات التي يذكر فيها الملوك، ويقال انه وجد في بعض رموزهم ومصاحف كهانهم أن الملك بودشير بن قفطويم لما أجهد نفسه في عبادة الأنوار العلوية، وعرف أن روحانياتها قد صارت فيه حبب اليها نفسه، وجوعها واستغنى جسده عن الطعام والشراب، فلما أدمن ذلك اشتاقته الأنوار العلوية واشتاقها، فرفعته إلى مواضعها، وبرأته من شرور الأرض المؤلمة، وجعلته نورا سابحا داخلا في نورها، يتصرف بتصرفها، فطوبى له من كاهن عرفت له كهانته، وأكرم بها وصير ملكا، فسبيل من بعده أن يبلغ خطته ويجعل بمثابته.

  39. وهذا الكلام وشبيهه تضليل للناس لانهم كانوا يتعبدون للكواكب، فيقولون مثل هذا ترغيبا في دينهم.

  40. وقد قالوا أيضاً انهم على توحيد الله وان مدحهم لهذه الوسائط المدبرات لا يضر خالقها، وانهم يعظمونها تقربا اليه، كما قالت الهند والعرب وكثير من الامم.

    vol. 1, p. 195