ذكر ملوك مصر بعد الطوفان

536 paragraphs · vol. 1, p. 180

Page 5 of 14

  1. واحتجب عن الناس واستحلت الهياكل والكهنة فأبغضه العامة والخاصة وابتغوا له الغوائل، فاحتال عليه خاصته بطباخه وسقاته فسماه، فمات وهو ابن مائة وعشرين سنة، فكان ملكه خمساً وسبعين سنة.

    vol. 1, p. 209
  2. وصار الملك بعده إلى ابنه صاصا، وأكثر القبط تزعم ان صاصا هذا اخو الشاد وانه ابن مربيس الملك.

  3. ولما جلس صاصا على سرير الملك دخل الناس عليه يهنئونه، فوعدهم العدل فيهم وحسن النظر لهم، وسكن منف ونفى الملهين وأهل المجالات وأهل الشر ومن كان يصحب أباه.

  4. وأصلح الهياكل ورد الكهنة الى مراتبهم، وعمل بمنف عجائب كثيرة وطلسمات، وأجرى فيها الأنهار، ونصب العقاب الذي كان عمل قبله على موضعه وشرف هيكله ودعى اليه.

  5. وعمل بمنف مرآة يعرف بها زمان الخصب والجدب وما يحدث ببلده، وبنى داخل الواحات مدائن، وغرس فيها نخلا كثيراً، ونصب غرب البحر أعلاماً كثيرة، وعمل خلف المقطم صنماً يقال له صنم الحيلة، فكان كل من أعجزه امر أتاه يسأله، فيخبره ويبين له ما عزب عن معرفة منه.

  6. وجعل على أطراف مصر أصحاباً يرفعون له ما يجري في حدود أرضه، وعمل على غربي النيل منابر إذا قصدهم قاصد يوقد عليها فيصل اليه الخبر من ليله أو من يومه، وجعل على البحر المالح مثل ذلك، ووكل بجمعها جماعة يحرسونها.

  7. أخبار الزمان - م (١٤)

  8. وهو أول من اتخذها، ويقال إنه بنى أكثر منف، وكان له بنيان عظيم

    بالاسكندرية.

    vol. 1, p. 210
  9. ولما ملك واستولى على البلد بأسره، جمع اليه حكماء أهل بلده ونظر في النجوم وكان بها حاذقاً، ورأى أن بلده لابد له من أن يدخل اليه طوفان عظيم من نيلها فيكاد يغرقها، ورأى أنه يحدث على يدي رجل يأتي من ناحية الشام.

  10. فجمع كل فاعل بمصر وجهاتها وبنى في ألواح الأقصى مدينة، جعل طول حصنها في الارتفاع خمسين ذراعاً، وأودعها جميع الحكم والأموال، وهي المدينة التي وقع عليها موسى بن نصير في زمن بني أمية لما قلد المغرب، لانه لما دخل مصر، أخذ على الواح الأقصى بالنجوم وكان عنده علم منها.

  11. فأقام سبعة أيام يسير في رمال بين سمت الغرب والجنوب، إلى ان ظهرت له مدينة فيها حصن وأبواب حديد، فرام أن يفتح باباُ من أبوابها، فأعياه ذلك لغلبة الرمل عليها، وعلى ما حولها، فأصعد اليها الناس، فكل من صعد منهم وأشرف، وثب داخلها لا يعلم كيف يقع، ولا على ما يسقط، ولا ما يصيب.

  12. ولما لم يجد فيها حيلة تركها ومضى، وقد فقد فيها جماعة من أصحابه، وحرروا عرض حصنها عشرين ذراعاً، وهلك في طريقه منصرفا عنها جماعة من أصحابه، ولم يسمع أن أحداً قبل موسى بن نصير، ولا بعده وقع عليها.

  13. وفي تلك الصحارى اكثر متنزهاتهم ومدائنهم العجيبة وكنوزهم العظيمة، إلا أن الرمان غلبت عليها.

  14. ولم يكن لمصر ملك، الا وقد عمل للرمل طلسما يبعدها ويوقفها، ثم تفسد

    طلسماتها على تقادم الأيام ولا ينبغي لأحد أن ينكر كثرة بنيانهم ومدائنهم.

    vol. 1, p. 211
  15. وما نصبوه من الأعلام العظام.

  16. فقد كان للقوم بطش لم يكن لغيرهم، وفيما يظهر من آثارهم بيان تحقيق ما يذكر عنهم.

  17. من ذلك مثل هذه الأهرام والأعلام العظام المشهورة بالاسكندرية، وفي صحراء الغرب عجائب باقية من ذلك، وما لهم من الجبال المنحوتة التي جعلوا كنوزهم فوقها، فلا يصل أحد اليها، وكذلك الأودية المنحوتة، ومثل ما بالصعيد من مدائنهم، وما نقشوه عليها من حكمهم، فانه لو تعاطى أحد من ملوك الأرض أن يبني مثل الهرمين، أو جميعهم ما تهيأ لهم ذلك، وكذلك لو أرادوا أن ينقشوا ثوباً واحداً لطال عليهم الأمر وتركوه.

  18. وحكي عن قوم في ضياع الغرب، ان عاملاً من عمالهم عنق بهم، فدخلوا في صحراء الغرب، وحملوا معهم زاداً إلى أن تصلح أمورهم ويرجعوا إلى منازلهم، وكانوا على يوم وبعض آخر، فدلجوا الى جبل، فوجدوا عيرا أهلياً قد خرج من بعض شعابه، فتبعه نفر منهم، فأخرجه إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه وناس، فهم يسكنون تلك الناحية، ويتناسلون ويزرعون، ولا يطالبهم أحد بخراج.

  19. وأخبروهم أنهم لم يدخلوا إلى ضياع الغرب، فصاروا نحوهم بأهليهم ومواشيهم وجميع أموالهم، فأقاموا مدة يطلبون الطريق فما وجدوه، ولا عرفوه، ولا وقفوا له على خبر، ولا تأتى لهم لوصول اليهم، فرجعوا آيسين على ما فاتهم من ذلك الموضع.

  20. وحكي أيضاً عن آخرين انهم ضلوا في طريق الغرب، فوقعوا إلى مدينة كثيرة الماء والشجر والناس والمواشي والنخل والزرع، فأضافوهم وأكلوا عندهم وأباتوهم في دار فيها طاحونة يعمل فيها الخمر، فشربوا معهم حتى سكروا وناموا، فلما انتبهوا عند طلوع الشمس وجدوا أنفسهم في مدينة خراب ليس فيها أنيس ولا عمارة، فارتاعوا وخرجوا على وجوههم كالهاربين، وساروا يومهم على غير سمت حتى قرب المساء، فظهرت لهم مدينة أكبر من الأولى، وأعمر وأكثر أهلاً ودواباً ونخلاً وشجراً وزرعاً ومواشي، فأنسوا بها، ونزلوا عندهم فأخبروهم بخبر المدينة الأولى.

    vol. 1, p. 212
  21. فجعلوا يعجبون من ذلك ويضحكون منهم، وإذا لبعض أهل المدينة وليمة فانطلقوا بهم اليها فأطعموهم بها، وسقوهم وغنوهم بأصناف الملاهي، وسألوهم عن أخبارهم، فأخبروهم أنهم ضلوا عن الطريق في بعض هذه الصحاري، فقالوا لهم الطريق بين أيديكم واضح، ولا يمكن أن تغلطوا فيه فان أحببتم المسير وجهنا معكم، من يوقفكم على سمت الطريق الكبير الذي يؤديكم إلى مكانكم، وإن أحببتم أن تقيموا عندنا، أرفدناكم وزوجناكم عندنا، وكنتم أصهارنا وإخواننا، فسروا بذلك من قولهم.

  22. فأجمع بعضهم على المقام معهم، وأجمع أكثر من كان منهم له أهل وولد على أن يأخذ أهله وولده فيسير نحوهم قالوا فبتنا معهم خير مبيت، ثم نمنا فلما كان في الغد انتبهنا فوجدنا أنفسنا في مدينة عظيمة خراب قد تشعث بعض حصونها، وليس بها احد من الناس إلا أن حولها نخلا كثيرا قد تساقط ثمرها، وتكدس حولها.

  23. فلحقنا لذلك من الخوف والارتياع والوحشة ما كاد يتلفنا.

  24. فخرجنا منها مفكرين فيما عايناه، وإنا لنجد روائح الخمر معنا ومعاني السكر فينا ظاهرة، فلم نزل نسير يومنا أجمع، وليس بنا جوع ولا عطش،

    vol. 1, p. 213حتى إذا كان المساء وافينا راعياً يرعى غنما له، فسألناه عن العمارة والطريق، قال إن العمارة قريب منكم، فاذا نحن بأنهار فيها الماء، فنزلنا وشربنا منها وبتنا ثم أصبحنا، فاذا نحن في غير موضعنا الذي كنا فيه، وإذا معنا الناس والعمران، وما مشينا إلا بعض يوم حتى دخلنا مدينة الأشمون في الصعيد، فكنا نحدث الناس فلا يقبلون منا.

  25. وهذه مدائن القوم الداخلة القديمة قد غلبت عليها الجن، ومنها ما قد ستر عن العيون فلا يراه أحد.

  26. وذكر بعض القبط، أن رجلاً من بني الكهنة الذين قتلهم الشاد سار إلى الافرنجة فذكر لملكهم كثرة كنوز مصر وعجائبها، وضمن له أن يوصله إليها وإلى ملكها وأموالها، ويدفع عنها طلسماتها حتى يبلغ جميع ما يريده، ويعرفه مواضع الكنوز.

  27. فعزم ملك الافرنجة على غزو مصر وجهاتها، فلما اتصل بصاحب مصر أن ملك الافرنجة تجهز إليها، عمد إلى جبل بين البحر المالح وشرقي النيل، فأصعد إليه أكثر كنوزه، وما كان في خزائنه، وصفح ظاهرها بالرصاص.

  28. وأمر فنحتوا جوانب الجبل إلى منتهى خمسين ذراعاً، وجعلوا في آخر المنحوت منه الصور البارزة خارجة في النحت بقدر ذراع، وهو جبل مدور في جرمه إلا أنه رفيع السمك.

  29. ثم انصرف الملك إلى مصر، وتأهب بما قدر عليه، واستظهر بما أمكنه، وجعل ينتظر ملك الافرنجة.

  30. وان ملك الافرنجة حشد وجيش ما امكنه وقصد مصر، وكان لا يمر بشئ من عجائبها وطلاسمها وغرائب أعمالها ومناراتها إلا قدر عليه وغيره

    وأفسد ما صادف من أصنامها، وذلك كله أمكنه بمعونة ذلك الكاهن.

  31. حتى أتى الاسكندرية الأولى فعاث فيها وهدم كثيرا منها وغير معالمها، إلى أن دخل النيل من ناحية رشيد، وصعد إلى منف، وأهل تلك البلاد يحاربونه وهو ينتهب ما مر عليه، فوجد منفا ممتنعة بالطلسمات الشداد، والمياه العميقة والسرادقات العالية فأقام عليها أياما كثيرة فحاربها طمعاً أن يصل اليها، فلم يقدر ورأى كثرة الناس عليها، وأنهم كل يوم يزيدون وأصحابه ينقصون، فاغتاظ على الكاهن وأراد قتله فلم يمكنه.

    vol. 1, p. 214
  32. وفر إلى أهله فسيروه حتى أمر الكهان إلى أوله من الظهور فرجع إلى حاله (١) وهلك من أصحابه خلق كثير، واجتمع أهل النواحي فقصدوا مراكبه، فأحرقوا أكثرها فأجمع هو ومن معه على الهروب.

  33. ولما علم أهل مصر بذلك الكاهن الذي كان معه، انحشدوا اليه بما قدروا عليه من المراكب، وظفروا بأكثر أصحابه فقتلوهم وغرقوا مراكبهم، فكان أعظم مطالب ملكهم أن يخلص نفسه، فأسرع الهرب في مركب استجاده لمثل ذلك الحال.

  34. ففر وسلط الله على مراكبهم رياحا غرقت كثيرا منها، فما عادوا إلى الافرنجة إلا وملكهم قد ثقل بالجراحات التي أصابته، ورجع الناس إلى منازلهم وقرارهم ورجع الملك إلى مصر وترك ما كنزه في موضعه عتيداً له.

  35. ويقال انه كان هناك إلى هذا الوقت، ولم يزل بعد ذلك الوقت يغزو بلاد الروم، وأهل الجزائر، ويعيث فيها ويخربها، فهابته الملوك.

  36. وأقام ملكا سبعا وستين سنة، وهلك ودفن بمنف في ناووسه الذي كان عمل له في وسط المدينة من تحت الأرض، وجعل الدخول اليه من خارج

    vol. 1, p. 215المدينة من الجهة الغربية، وحمل اليه أموالا عظيمة، وجواهر كثيرة وطلسمات وتماثيل كما فعل أجداده من قبله.

  37. وكان فيه أربعة آلاف تمثال على صور شتى برية وبحرية، وتمثال عقاب من جوهر أخضر عند رأسه، وتمثال تنين أخضر من ذهب مسبوك عند رجليه، وزبر عليه اسمه وسيرته وجميع أموره.

  38. وعهد ابنه إلى بداونس الملك وهو أول من ملك الأجناد وصفا له ملك مصر وكان بداونس الملك محنكا مجربا ذا أيد وقوة ومعرفة بالأمور، فأظهر فيهم العدل، واقام الهياكل ورد أهلها وأكرم الكهنة، وزاد في ألطافهم، وبنى بغربي منف بيتاً عظيماً للزهرة، وزبر فيه كتبا كثيرة من العلوم وكساه الحرير وعمل عيداً كبيرا اجتمع اتليه جميع الأجناد.

  39. وكان صنم الزهرة من اللازورد موشحا بذهب يبرق مسورا بسواري زبرجد أخضر، وكان في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبر، وفي رجليها خلخالان من حجر أحمر كالياقوت، ونعلان من ذهب، وفي يدها قضيب مرجان وهي تشير بسبابتها كالمسلمة على من في الهيكل.

  40. وجعل حذاءها من الجانب الآخر بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر مموه بالذهب موشحة بحجر اللازورد ووجه البقرة محاذ إلى وجه صنم الزهرة، وجعلوا بينهما مطهرة من أخلاط الأجساد على عمود رخام مجزع فيها ماء مدبر بقوة من الزهرة يستشفى بها من كل داء، وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة تنالوها في كل سبعة أيام.