ذكر ملوك مصر بعد الطوفان
536 paragraphs · vol. 1, p. 180
Page 6 of 14
- vol. 1, p. 215
وجعل فيها كراسي الكهنة مصفحة بالذهب والفضة، وقرب فيها ألف
رأس من الضأن والمعز والوحش والطير، وكان يحضره يوم الزهرة ويطوف به، وكان قد فرش الهيكل وستره ععن يمين الزهرة وشمالها.
- vol. 1, p. 216
وكان في أعلى قبة الهيكل صورة رجل راكب على فرس له جناحان ومعه حربة سنانها رأس إنسان معلق، وبقي هذا الهيكل إلى زمان بخت نصر وهو الذي هدمه.
-
ويقال ان بداونس هو الذي حفر خليج بخارى (١) فارتفع له من الخراج في بلده مائة الف الف وخمسون الف الف.
-
وقصده بعض العمالقة غازيا له من الشام، فلما سمع به جيش وخرج اليه، ولقيه وهزمه ودخل فلسطين فقتل فيها وسبا خلقا كثيرا، وسبا بعض حكمائها واسكنهم مصر فهابته الملوك.
-
وعلى رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع السودان من الزنج والنوبة في ارضه، فهجموا على بعض الاطراف فعاثوا وافسدوا.
-
فأمر بجمع الجيوش من اعمال مصر، وأعد المراكب ووجه قائدا من قواده يقال له بلوطس.
-
وفي ثلاثمائة ألف بين راكب وراجل، واتبعه بقائد آخر في مثلها ووجه في البحر ثلاثمائة سفينة وجعل في كل سفينة كاهنا يعمل أعجوبة.
-
وسار هو في أثرهما فيمن بقي من الجيوش، فلقوا جيوش السودان وكانوا زهاء الف الف فهزموهم وقتل اكثرهم، فأسر منهم كثيرا، وتبعهم الجيوش حتى وصلوا إلى أرض الفيلة من أرض الزنج فأخذوا منها عدة كثيرة، وأخذ معها كثيراً من النمور والوحش وسيقت الى مصر.
-
ونصب على حدوده منارات وزبروا عليها مسيره وظهوره والوقت الذي
غزا فيه السودان، وذكر كل ما عمل في أيامه.
- vol. 1, p. 217
ولما انصرف الى مصر واستقر بها، اعتل ورأى رؤيا تدل على موته، فعمل لنفسه ناووساً ونقل اليه من أصنام الكواكب كثيراً، ومن الذهب والجوهر الملون والتماثيل الغريبة الصنعة والآلات والذخائر ما لا يعلم جودته وكثرته، فلما هلك دفن فيه وزبر على بابه في الحجارة اسمه وتاريخ الوقت الذي مات فيه، جعلت عليه طلاسم تمنع منه.
-
وكان قد عهد الى ابنه بعده مماليك الملك، وكان أديباً عاقلاً كريماً حسن الوجه مجربا مخالفا لأبيه في عبادة الكواكب والبقر، ويقال إنه موحد على دين قبطيم ومصرايم، فكانت القبط تذمه بذلك.
-
وكان سببه فيما ذكر، أنه رأى رؤيا فيما يراه النائم، كأنه أتاه رجلان لهما أجنحة فاختطفاه واحتملاه إلى الفلك، وأوقفاه حذاء شيخ أسود أبيض الرأس واللحية، فقال له هل تعرفني؟ فدخلته منه روعة لحداثته، وكان سنه نيفاً وثلاثين سنة، فقال له: ما أعرفك، فقال له أنا بشر، يعني رجلاً، فقال قد عرفتك، قال أنت إلا هي، فقال إنك وإن كنت تدعوني إلهاً فاني مربوب ملك، وإلهي وإلهك الذي خلق السموات والأرض وخلقني وخلقك، قال: فأين هو؟ قال: في العلو الاعلى، [تعالى] لا تلحقه الظنون ولا تراه العيون، ولا يشبهه شئ، وهو الذي جعلنا سببا لا قامة العالم الأسفل وتدبيره، قال: كيف نعمل إذاً؟ قال: تضمر في نفسك ربوبيته وتخلص وحدانيته تعترف بأزليته، ثم أمر الرجلين فأنزلاه الى موضعه، فاستيقظ مذعوراً وهو على فراشه.
-
فدعا رأس الكهنة فقص عليه رؤياه، فقال له: عاهدتك أن لا تتخذ الأصنام آلهة فانها لا تضر ولا تنفع، قال فمن أعبد؟ قال: الله الذي خلق السموات والأرض وخلق جميع ما فيها من أموال وغيرها.
- vol. 1, p. 218
قال وكيف أقدر على رد نفوس العالم عما هم عليه؟ قال اعقد على ذلك نيتك، وأخلص ضميرك وصف به قلبك، وإذا غبت عن عيون الناس وانفردت فاعمل ما أمكنك، ودم للناس في الظاهر على ما كان عليه جدودك، فقبل الملك ذلك القول منه واعتقده وعمل به.
-
فكان يحضر للهيكل ويسجد للصنم، منحرفاً عنه بقلبه مبغضاً له كافراً به، وهو يضمر أن سجوده لله عزوجل.
-
واستعمل كثرة الغزوات وموالاة الأسفار والجولان في البلاد، وكل ذلك لتطول غيبته عن مصر ويبعد عن الهيكل.
-
وقال بعض أهل مصر إن الله أيده بملك من الملائكة يعضده ويرشده، وربما أتاه في نومه فأمره ونهاه، وأخبره بما يريد معرفته، فأمر الناس عند ذلك باتخاذ كل جادة من الخيل وكل جيد وجميل من السلاح، وأعد الزاد، واتخذ في بحر المغرب مائتي سفينة.
-
وخرج في جيش عظيم في البر وفي البحر، فلقيه جموع البربر فهزمهم وقتل أكثرهم.
-
وبلغ أفريقية، واستأصل أكثرها، وخرج منها، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى ان غزا من ناحية الأندلس يريد الافرنجة.
-
وكان بها ملك عظيم يقال له افريوس، فحشد اليه من كل النواحي، فأقام يحاربه شهراً ثم طلب صلحه، وأهدى اليه هدايا كثيرة، فقبل ذلك منه وسار
عنه ودعا الأمم المتصلة بالبحر الأخضر فأطاعوه، ومر بأمة لها حوافر ولهم قرون صغار، ولهم شعور كشعور الذئبة، ولهم أنياب دلف بارزة من أفواههم، فقاتلوهم قتالاً شديداً حتى اثخنهم، فنفروا عنه الى غيران لهم مظلمة، فلم يمكن لهم دخولها عليهم.
- vol. 1, p. 219
والقبط تزعم أنه رأى سبعين اعجوبة سنذكر منها بعد هذا، وعمل على البحر أعلاماً وزبر عليها اسمه، وخرب مدن البربر حيث كانت، وألجأهم إلى قرون الجبال، ورجع فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو والطيب والرياحين، وفرشوا له الطرق، ودخل قصره موفوراً ظاهراً، وأخرج إليه ابنه، وكان ولد له من بعده فسر به وابتهج وكمل فرحه، واتصل خبره بالملوك فهابوه، وحملوا اليه الهدايا من كل جهة.
-
وبلغه ن قوماً من البربر والسحرة لهم تماثيل وبخورات عجيبة يضلون بها، وتخاييل وهم في مدينة لهم يقال لها قرمودة في المغرب من أرض مصر، وقد ملكوا عليهم امرأة منهم ساحرة يقال لها سطا.
-
واتصل به كثرة أذاهم للناس، فعزاهم حتى إذا قرب منهم ستروا عنهم مدينتهم وسحروه، فلم يرها وطمسوا مياههم، فلم يعرفها، فهلك كثير من أصحابه عطشاً، فلم يجد لهم حيلة في الوصول اليهم، فزال عنهم ثم صعد إلى ناحية الجنوب.
-
ثم رجع اليهم على غير الطريق الذي سار اليهم عليها أولا، فمر بهم بهيكل كانوا يحضرونه في بعض أعيادهم، فأمر بهدمه فهدم بعضه، وسقط منه موضع على جماعة من أصحابه ممن تولى هدمه فاهلكهم، فلما رأى ذلك تركهم وانصرف عنهم، وخرجوا إلى هيكلهم فبنوه وأصلحوا ما فسد منه وحرسوه
بطلسمات محكمة، ونصبوا في قبته صنما من نحاس مذهب.
-
وكان إذا قصدهم أحد صاح الصنم صياحاً عظيماً منكراً يرعب منه كل ذي روح ويبهت، فيخرجون اليه فيصطلمونه.
-
وكانت ملكتهم أحذق منهم بالسحر فقالوا لها نعمل الحيلة في افساد
vol. 1, p. 220مصر وأيذاء أهلها؟ فقالت لهم نعم، فقالوا أنت أقدر منا، فاعملي فيها ما رأيتيه.
-
فعملت لهم أدوية سحرت فيها النيل ودفعتها إلى بعضهم، وأمرتهم أن يمضوا بها الى مصر، والزرع في حقله على أن تؤخذ فيطرحون منها في النيل في أعلى مصر، ويغرق بعضهم على أقطار مصر، وحيث زروعهم الكثيرة، فيفرقونها في كل جهة، قليل غبار في كل جهة.
-
فلما فعلوا ذلك فاض النيل في غير وقته وزاد على المعهود، وأقام الماء طويلاً على مزارعهم، وأفسد زروعهم وغلاتهم، وكثر فيه التماسيح والضفادع وكثرت العلل في الناس وانبثت فيهم الثعابين والعقارب.
-
فأحضر الملك الكهنة والحكماء، وقال لهم أخبروني عن هذه الحوادث التي حدثت في بلادنا، ولم تذكروه في الطالع الذي وضعتموه لهذه السنة، فكنا نتأهب لها.
-
فاجتمعوا في دار الكهنة، ونظروا وبحثوا حتى علموا أنهم أوتوا من قبل ناحية المغرب، وأن امرأة عملته وألقته في النيل، وفرقته على الجهات.
-
فعلم الملك أنه من قبل تلك الساحرة، فقال لهم أجهدوا أنفسكم في هلاكها فقد بلغت فيكم من أذائها.
-
فاجتمعوا إلى الهيكل الذي فيه صور الكواكب وسألوه أن يحضر معهم
فلم يمكنه الخلاف، فلما أمسى لبس مسحاً، وفرش رماداً، واستقبل مصلاه، وأقبل على الدعاء والابتهال والتضرع إلى الله تعالى، وقال: يا رب أنت إله الآلهة وملك الملوك، وخالق الكل، ولا يكون شئ مما دق وجل إلا بأمرك وحولك، أسألك بجميع فضائلك وآياتك وأسمائك أن تكفينا أمر هؤلاء القوم.
- vol. 1, p. 221
فلم يزل كذلك حتى غلبته سنة من النوم، فنام مكانه فرأى كأن آتيا أتاه، فقال له قد رحم الله تضرعك، وعلم ضميرك وأجاب دعوتك، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمرهم وصارف عنك الماء المفسد والدواب المضرة، والأمراض المهلكة.
-
فلما أصبح الكهنة غدوا عليه وسألوه حضور هيكلهم على ما وجههم به.
-
فقال لهم قد كفيتم أمر عدوكم، وأزيل الماء المفسد والدواب المضرة عنكم، ولن تروا بعدها شيئاً تكرهونه، فسكتوا ونظر بعضهم إلى بعض كالمنكرين لما سمعوه، ثم قالوا له قد سررنا بما ذكره الملك دام عمره، وهم يضمرون التكذيب والاستهزاء.
-
وخرجوا عنه فقال بعضهم لبعض الرأي أن لا تقولوا شيئاً في هذا، فان كان حقاً ظهر سريعاً، وإن كان باطلا اتسع لكم اللفظ في ذمه، وسيتبين أمره.
-
فلما كان بعد يومين انكشف ذلك الماء المفسد، وجففته الشمس، وهلكت تلك الدواب المضرة فعلم القوم صدق ما أخبرهم به.
-
وأمر الملك قائداً من قواده ورجلاً من الكهنة أن يمضوا بجيش حتى يعلموا علم تلك المدينة، فخرجوا اليها فأتوها، فلم يروا مكروهاً ولا وجدوا
مانعاً.
-
فلما وصلوا اليها وجدوا حصنها قد سقط، وأهلها عن آخرهم موتى، واحترق بعضهم، واسودت وجوههم، ووجدوا بعض الأصنام ساقطة على وجوهها، وأموالهم ظاهرة بين أيديهم.
-
فطافوا المدينة وفتشوها فلم يجدوا فيها غير رجل واحد حياً، كان مخالفاً
vol. 1, p. 222لدينهم بسبب رؤيا رآها، ووجدوا من الأموال والجواهر وأصناف الذهب والتماثيل ما لا يحصى كثرة، ولا يعرف له قيمة.