ذكر حكمه - صلى الله عليه وسلم - في الرضاعة وما يحرم بها وما لا يحرم، وحكمه في القدر المحرم منها، وحكمه في رضاع الكبير هل له تأثير أم لا؟

100 paragraphs · vol. 7, p. 157

Page 2 of 3

  1. قيل: هذا الأصل فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب أحمد والشَّافعيِّ، وعليه مسألة: من له أربع زوجاتٍ فأرضعن طفلةً كلُّ واحدةٍ منهنَّ رضعتين، فإنَّهنَّ لا يصرن أمًّا لها؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهنَّ لم تُرضعها خمسَ رضعاتٍ. وهل يصير الزَّوج أبًا للطِّفلة؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يصير أبًا كما لم تصر المرضعات أمَّهاتٍ، والثَّاني وهو الأصحُّ: يصير أبًا لكون الولد ارتضع من لبنه خمس رضعاتٍ. ولبن الفحل أصلٌ بنفسه غير متفرِّعٍ على أمومة المرضعة، فإنَّ الأبوَّة إنَّما تثبت بحصول الارتضاع من لبنه، لا لكون المرضعة أمَّه. ولا يجيء هذا على أصل أبي حنيفة ومالك، فإنَّ عندهما قليل الرَّضاع وكثيره محرَّمٌ، فالزَّوجات الأربع أمَّهاتٌ للمرتضع، فإذا قلنا بثبوت الأبوَّة ــ وهو الصَّحيح ــ حرمت المرضعات على الطِّفل؛ لأنَّه ربيبُهنَّ وهنَّ موطوآتُ أبيه، فهو ابنُ بعلهنَّ. وإن قلنا: لا تثبت الأبوَّة، لم يَحرُمن عليه بهذا الرَّضاع.

    vol. 7, p. 175
  2. وعلى هذا مسألة: ما لو كان لرجلٍ خمسُ بناتٍ فأرضعن طفلًا كلُّ واحدةٍ رضعةً لم يصرن أمَّهاتٍ له. وهل يصير الرَّجل جدًّا له، وأولاده الذين هم إخوة المرضعات أخوالًا له وخالاتٍ؟ على وجهين، أحدهما: يصير جدًّا وأخوهنَّ خالًا؛ لأنَّه قد كمُلَ للمرتضع خمسُ رضعاتٍ من لبن بناته فصار

    vol. 7, p. 176جدًّا، كما لو كان المرتضع بنتًا واحدةً. وإذا صار جدًّا كان أولاده الذين هم إخوة البنات أخوالًا وخالاتٍ، لأنَّهنَّ إخوةُ من كمُلَ له منهنَّ خمسُ رضعاتٍ، فنُزِّلوا بالنِّسبة إليه منزلةَ أمٍّ واحدةٍ، والآخر لا يصير جدًّا ولا أخواتهنَّ خالاتٍ؛ لأنَّ كونه جدًّا فرعٌ على كون ابنته أمًّا، وكون أخيها خالًا فرعٌ على كون أخته أمًّا، ولم يثبت الأصل فلا يثبت فرعه.

  3. وهذا الوجه أصحُّ في هذه المسألة بخلاف الَّتي قبلها؛ فإنَّ ثبوت الأبوَّة فيها لا يستلزم ثبوتَ الأمومة على الصَّحيح. والفرق بينهما: أنَّ الفرعيَّة متحقِّقةٌ في هذه المسألة بين المرضعات وأبيهنَّ فإنَّهنَّ (١) بناته، واللَّبن ليس له، فالتَّحريم هنا بين المرضعة وابنها، فإذا لم تكن أمًّا لم يكن أبوها (٢) جدًّا. بخلاف تلك، فإنَّ التَّحريم بين المرتضع وبين صاحب اللَّبن، فسواءٌ ثبتت أمومةُ المرضعة أو لا. فعلى هذا إذا قلنا: يصير أخوهنَّ خالًا، فهل تكون كلُّ واحدةٍ منهنَّ خالةً له؟ فيه وجهان، أحدهما: لا تكون خالةً؛ لأنَّه لم يرتضع من لبن أخواتها خمسَ رضعاتٍ فلا تثبت الخُؤولة. والثَّاني: تثبت؛ لأنَّه قد اجتمع من اللَّبن المحرَّم خمسُ رضعاتٍ، فكان ما ارتضع منها ومن أخواتها مثبتًا للخؤولة، ولا تَثبتُ أمومةُ واحدةٍ منهنَّ إذ لم يرتضع منها خمس رضعاتٍ. ولا يُستبعد ثبوتُ خؤولةٍ بلا أمومةٍ، كما ثبت في لبن الفحل أبوَّةٌ بلا أمومةٍ.

  4. وهذا ضعيفٌ، والفرق بينهما: أنَّ الخؤولة فرعٌ محضٌ على الأمومة،

    vol. 7, p. 177فإذا لم يثبت الأصل فكيف يثبت فرعه؟ بخلاف الأبوَّة والأمومة فإنَّهما أصلان لا يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر.

  5. وعلى هذا مسألة: ما لو كان لرجلٍ أمٌّ وأختٌ وابنةٌ وزوجةُ ابنٍ، فأرضعن طفلةً كلُّ واحدةٍ منهنَّ رضعةً، لم تَصِرْ واحدةٌ منهنَّ أمَّها. وهل تَحرُم على الرَّجل؟ على وجهين، وجههما (١) : ما تقدَّم. والتَّحريم هاهنا بعيدٌ؛ فإنَّ هذا اللَّبن الذي كمل للطِّفل لا يجعل الرَّجلَ أبًا له ولا جدًّا ولا أخًا ولا خالًا، والله أعلم.

  6. فصل

    وقد دلَّ التَّحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة من ماء الزَّاني دلالةَ الأولى والأحرى؛ لأنَّه إذا حرم عليه أن ينكح من قد تغذَّت بلبنٍ ثارَ بوطئه، فكيف يحلُّ له أن ينكح من قد خُلِق من نفس مائه بوطئه؟ وكيف يُحرِّم الشَّارع بنته من الرَّضاع لما فيها من لبنٍ كان وطءُ الرَّجل سببًا فيه، ثمَّ يُبيح له نكاحَ من خُلِقت بنفس وطئه ومائه؟ هذا من المستحيل؛ فإنَّ البعضيَّة الَّتي بينه وبين المخلوقة من مائه أكملُ وأتمُّ من البعضيَّة الَّتي بينه وبين مَن تغذَّتْ بلبنه، فإنَّ بنت الرَّضاع فيها جزءٌ ما من البعضيَّة، والمخلوقة من مائه كاسمها مخلوقةٌ من مائه، فنصفُها أو أكثرُها بعضه قطعًا، والشَّطر الآخر للأمِّ. وهذا قول جمهور المسلمين، ولا يُعرف في الصَّحابة من أباحها، ونصَّ الإمام أحمد على أنَّ من تزوَّجها قُتِل بالسَّيف، مُحصَنًا كان أو غيرَه.

  7. وإذا كانت بنته من الرَّضاعة بنتًا في حكمينِ فقط: الحرمة، والمحرميَّة، وتخلُّف سائرِ أحكام البنت عنها لم يُخرِجْها عن التَّحريم ويُوجِبْ حلَّها، فهكذا بنتُه من الزنا تكون بنتًا في التَّحريم، وتخلُّفُ أحكامِ البنت عنها لا يُوجِب حلَّها. والله سبحانه خاطب العرب بما تَعقِله في لغاتها، ولفظ «البنت» لفظٌ (١) لغويٌّ لم ينقله الشَّارع عن موضوعه (٢) الأصليِّ، كلفظ الصَّلاة والإيمان ونحوهما، فيُحمَل على موضوعه اللُّغويِّ حتَّى يثبت نقلُ الشَّارع له عنه إلى غيره، فلفظ البنت كلفظ الأخ والعمِّ والخال ألفاظٌ باقيةٌ على موضوعاتها اللُّغويَّة. وقد ثبت في «الصَّحيح» (٣) أنَّ الله سبحانه أنطقَ ابنَ الرَّاعي الزَّاني بقوله: «أبي فلانٌ الرَّاعي» ، وهذا الإنطاق لا يحتمل الكذب. وأجمعت الأمَّة على تحريم أمِّه عليه. وخلقُه من مائها وماء الزَّاني خلقٌ واحدٌ، وإثمهما فيه سواءٌ، وكونه بعضًا لها مثل كونه بعضًا له، وانقطاع الإرث بين الزَّاني والبنت لا يوجب جوازَ نكاحها.

    vol. 7, p. 178
  8. ثمَّ من العجب كيف يُحرِّم صاحب هذا القول أن يستمني الإنسان بيده، ويقول: هو نكاحٌ لِيَدِه، ويُجوِّز للإنسان أن ينكح بعضَه، ثمَّ يُجوِّز له أن يستفرش بعضَه الذي خلقه الله من مائه وأخرجه من صلبه، كما يستفرش الأجنبيَّة!

  9. فصل

    والحكم الثَّالث: أنَّه لا تُحرِّم المصَّة والمصَّتان، كما نصَّ عليه رسول الله

    vol. 7, p. 179- صلى الله عليه وسلم -، ولا يُحرِّم إلا خمسُ رضعاتٍ. وهذا موضعٌ اختلف فيه العلماء:

    فأثبتت طائفةٌ من السَّلف والخلف التَّحريمَ بقليل الرَّضاع وكثيره، وهذا يُروى عن علي (١) وابن عبَّاسٍ (٢) ، وهو قول سعيد بن المسيِّب (٣) ، والحسن، والزُّهريِّ، وقتادة (٤) ، والحكم، وحماد (٥) ، والأوزاعيِّ، والثَّوريِّ (٦) ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وزعم اللَّيث بن سعدٍ (٧) أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ قليل الرَّضاع وكثيره يُحرِّم في المهد ما يفطر به الصَّائم، وهذا روايةٌ عن الإمام أحمد.

    vol. 7, p. 180وقالت طائفةٌ أخرى: لا يثبت التَّحريم بأقلَّ من ثلاث رضعاتٍ، وهذا قول أبي ثورٍ وأبي عبيد وابن المنذر وداود بن علي (١) ، وهو روايةٌ ثانيةٌ عن أحمد.

    وقالت طائفةٌ أخرى: لا يثبت بأقلَّ من خمس رضعاتٍ، وهذا قول عبد الله بن مسعودٍ (٢) ، وعبد الله بن الزُّبير (٣) ، وعطاء وطاوسٍ (٤) ، وهو إحدى الرِّوايات الثَّلاث عن عائشة (٥) ، والرِّواية الثَّانية عنها: أنَّه لا يُحرِّم أقلُّ من سبعٍ (٦) ، والثَّالثة: لا يُحرِّم أقلُّ من عشرٍ (٧) . والقول بالخمس مذهب الشَّافعيِّ، وأحمد في ظاهر مذهبه، وهو قول ابن حزمٍ، وخالف داودَ في هذه المسألة.

  10. فحجَّة الأوَّلين أنَّه سبحانه علَّق التَّحريم باسم الرَّضاعة، فحيث وُجِد اسمها وُجِد حكمها، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَحْرُم من الرَّضاعة ما يَحْرُم من النَّسب» (٨) ، وهذا موافقٌ لإطلاق القرآن.

  11. وثبت في «الصَّحيحين» (١) عن عقبة بن الحارث: أنَّه تزوَّج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمةٌ سوداء، فقالت: قد أرضعتُكما، فذُكِر ذلك للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) ، فقال: «كيف وقد زعمتْ أن قد أرضعتْكما؟» (٣) ولم يسأل عن عدد الرَّضاع.

    قالوا: ولأنَّه فعلٌ يتعلَّق به التَّحريم، فاستوى قليله وكثيره، كالوطء الموجب له. قالوا: ولأنَّ إنشار (٤) العظم وإنبات اللَّحم يحصل بقليله وكثيره. قالوا: ولأنَّ أصحاب العدد قد اختلفت أقوالهم في الرَّضعة وحقيقتها، واضطربت أشدَّ الاضطراب، وما كان هكذا لم يجعله الشَّارع نصابًا، لعدم ضبطه والعلم به.

    قال أصحاب الثَّلاث: قد ثبت عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا تُحرِّم المصَّة والمصَّتان» ، وعن أم الفضل بنت الحارث قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُحرِّم الإملاجة والإملاجتان» . وفي حديثٍ آخر أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله هل تُحرِّم الرَّضعة الواحدة؟ قال: «لا» . وهذه أحاديث صحيحةٌ صريحةٌ، رواها مسلم في «صحيحه» (٥) ، فلا يجوز العدول عنها، فأثبتنا التَّحريم بالثَّلاث

    vol. 7, p. 182بعموم الآية، ونفينا التَّحريم بما دونها بصريح السُّنَّة. قالوا: ولأنَّ ما يُعتبر فيه العدد والتَّكرار يُعتبر فيه الثَّلاث. قالوا: ولأنَّها أوَّل مراتب الجمع، وقد اعتبرها الشَّارع في مواضع كثيرةٍ جدًّا.

    قال أصحاب الخمس: الحجَّة لنا ما تقدَّم في أوَّل الفصل من الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة، وقد أخبرت عائشة - رضي الله عنها - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفِّي والأمر على ذلك. قالوا: ويكفي في هذا قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لسهلة بنت سهيل: «أَرضِعي سالمًا خمسَ رضعاتٍ تَحرُمي عليه» (١) . قالوا: وعائشة أعلم الأمَّة بحكم هذه المسألة هي ونساء النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانت عائشة إذا أرادت أن يدخل عليها أحدٌ أمرت إحدى بنات إخوانها أو أخواتها فأرضعتْه خمس رضعاتٍ (٢) . قالوا: ونفي التَّحريم بالرَّضعة والرَّضعتين صريحٌ في عدم تعليق التَّحريم بقليل الرَّضاع وكثيره، وهي ثلاث (٣) أحاديث صحيحة صريحة، بعضها خرج جوابًا للسَّائل، وبعضها تأسيس حكمٍ مبتدأٍ. قالوا: وإذا علَّقنا التَّحريم بالخمس لم نكن قد خالفنا شيئًا من النَّصوص الَّتي استدللتم بها، وإنَّما نكون قد قيَّدنا مطلقَها بالخمس، وتقييد المطلق بيانٌ لا نسخٌ ولا تخصيصٌ. وأمَّا من علَّق التَّحريم بالقليل والكثير فإنَّه يخالف أحاديث نفي التَّحريم بالرَّضعة والرَّضعتين، وأمَّا صاحب الثَّلاث فإنَّه وإن لم يخالفها فهو مخالفٌ لأحاديث الخمس.

    vol. 7, p. 183قال من لم يقيِّده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة نقْلَ الأخبار فيُحتجُّ به، وإنَّما نقلته نقْلَ القرآن، والقرآن إنَّما يثبت بالتَّواتر، والأمَّة لم تنقل ذلك قرآنًا، فلا يكون قرآنًا، وإذا لم يكن قرآنًا ولا خبرًا امتنع إثباتُ الحكم به.

    قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نُقِل من القرآن آحادًا في فصلين، أحدهما: كونه من القرآن، والثَّاني: وجوب العمل به. ولا ريبَ أنَّهما حكمان متغايران، فإنَّ الأوَّل يوجب انعقادَ الصَّلاة به، وتحريمَ مسِّه على المُحْدِث وقراءتِه على الجنب، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التَّواتر لم يلزم انتفاء العمل به، فإنَّه يكفي فيه الظَّنُّ. وقد احتجَّ كلُّ واحدٍ من الأئمَّة الأربعة به في موضعٍ، فاحتجَّ به الشَّافعيُّ وأحمد في هذا الموضع، واحتجَّ به أبو حنيفة في وجوب التَّتابع في صيام الكفَّارة بقراءة ابن مسعودٍ: «فصيام ثلاثة أيَّامٍ متتابعاتٍ» (١) . واحتجَّ به مالك والصَّحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأمِّ أنَّه السُّدس بقراءة أبيٍّ: «وإن كان رجلٌ يُورَث كلالةً أو امرأةٌ وله أخٌ أو أختٌ من أمٍّ، فلكلِّ واحدٍ منهما السُّدس» (٢) ،

    vol. 7, p. 184فالنَّاس كلُّهم احتجُّوا بهذه القراءة، ولا مستندَ للإجماع سواها.

    قالوا: وأمَّا قولكم: إمَّا أن يكون نقله قرآنًا أو خبرًا، قلنا: بل قرآنًا صريحًا.

    vol. 7, p. 181
  12. قولكم: فكان يجب نقله متواترًا، قلنا: متى (١) ؟ إذا نُسخ لفظه أو بقي؟ أمَّا الأوَّل فممنوعٌ، والثَّاني مسلَّمٌ، وغاية ما في الأمر أنَّه قرآنٌ نُسِخ لفظه وبقي حكمه، فيكون له حكم قوله: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا فارجموهما» (٢) ممَّا اكتُفِي بنقله آحادًا وحكمُه ثابتٌ، وهذا ممَّا لا جوابَ عنه.

  13. وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان:

    أحدهما: أنَّ التَّحريم لا يثبت بأقلَّ من سبعٍ، كما سئل طاوسٌ عن قول من يقول: لا يُحرِّم من الرَّضاع دون سبع رضعاتٍ، فقال: قد كان ذلك، ثمَّ حدث بعد ذلك أمرٌ جاء بالتَّحريم، المرَّة الواحدة تُحرِّم (٣) .

  14. وهذا المذهب لا دليلَ عليه.

  15. الثَّاني: أنَّ التَّحريم إنَّما يثبت بعشر رضعاتٍ، وهذا يُروى عن حفصة (٤)

  16. وعائشة (١) .

    vol. 7, p. 185
  17. وفيها مذهبٌ آخر، وهو الفرق بين أزواج النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرهنَّ، قال طاوسٌ: كان لأزواج النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رضعاتٌ محرِّماتٌ، ولسائر النَّاس رضعاتٌ معلوماتٌ، ثمَّ تُرِك ذلك بعدُ (٢) .

  18. وقد تبيَّن الصَّحيح من هذه الأقوال، وباللَّه التَّوفيق.

  19. فصل

    فإن قيل (٣) : فما هي الرَّضعة الَّتي تنفصل من أختها، وما حدُّها؟

  20. قيل: الرَّضعة فَعْلةٌ من الرَّضاع، فهي مرَّةٌ منه بلا شكٍّ، كضربةٍ وجلسةٍ وأكلةٍ، فمتى الْتقمَ الثَّديَ فامتصَّ منه، ثمَّ تركه باختياره من غير عارضٍ، كان ذلك رضعةً؛ لأنَّ الشَّرع ورد بذلك مطلقًا، فحُمِل على العرف، والعرف هذا، والقطع العارض لتنفُّسٍ أو استراحةٍ يسيرةٍ، أو لشيءٍ يُلهِيه، ثمَّ يعود عن قربٍ= لا يُخرِجه عن كونه رضعةً واحدةً، كما أنَّ الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثمَّ عاد عن قربٍ، لم يكن ذلك أكلتين بل واحدةً. هذا مذهب الشَّافعيِّ، ولهم فيما إذا قطعت المرضعة عليه ثمَّ أعادته وجهان (٤) :

    vol. 7, p. 186أحدهما: أنَّها رضعةٌ واحدةٌ ولو قطعته مرارًا، حتَّى يقطع باختياره. قالوا: لأنَّ الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة، ولهذا لو ارتضع منها وهي نائمةٌ حسب رضعةً، فإذا قطعت عليه لم يعتدَّ به، كما لو شرع في أكلةٍ واحدةٍ أمره بها الطَّبيب، فجاء شخصٌ فقطعها عليه، ثمَّ عاد، فإنَّها أكلةٌ واحدةٌ.

  21. والوجه الثَّاني: أنَّها رضعةٌ أخرى، لأنَّ الرَّضاع يصحُّ من المرتضع ومن المرضعة، ولهذا لو أوجَرتْه وهو نائمٌ احتسب رضعةً.

  22. ولهم فيما إذا انتقل من ثدي امرأةٍ إلى ثدي غيرها وجهان:

    أحدهما: لا يعتدُّ بواحدٍ منهما، لأنَّه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرَّضعة، فلم تتمَّ الرَّضعة من إحداهما. ولهذا لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر كانا رضعةً واحدةً.

  23. والثَّاني: أنَّه يحتسب من كلِّ واحدةٍ منهما رضعةٌ، لأنَّه ارتضع وقطعَه باختياره من شخصين.

  24. وأمَّا مذهب الإمام أحمد، فقال صاحب «المغني» (١) : إذا قطع قطعًا بيِّنًا باختياره كان ذلك رضعةً، فإن عاد كانت رضعةً أخرى. فأمَّا إن قطع لضيق نفسٍ، أو للانتقال من ثديٍ إلى ثديٍ، أو لشيءٍ يُلهِيه، أو قطعت عليه المرضعة= نظرنا، فإن لم يعد قريبًا فهي رضعةٌ، وإن عاد في الحال ففيه وجهان:

    أحدهما: أنَّ الأولى رضعةٌ، فإذا عاد، فهي رضعةٌ أخرى. قال: وهذا

    vol. 7, p. 187اختيار أبي بكر، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل، فإنَّه قال: أما ترى الصَّبيَّ يرتضع من الثَّدي، فإذا أدركه النَّفس أمسك عن الثَّدي ليتنفَّس أو يستريح، فإذا فعل ذلك فهي رضعةٌ. قال الشَّيخ: وذلك أنَّ الأولى رضعةٌ لو لم يعد، فكانت رضعةً وإن عاد، كما لو قطع باختياره.

  25. والوجه الآخر: أنَّ جميع ذلك رضعةٌ، وهو مذهب الشَّافعيِّ، إلا فيما إذا قطعت عليه المرضعة، ففيه وجهان؛ لأنَّه لو حلف: لا أكلتُ اليوم إلا أكلةً واحدةً، فاستدام الأكل زمنًا، أو قطع لشرب ماءٍ، أو انتقالٍ من لونٍ إلى لونٍ، أو انتظارٍ لما يُحمل إليه من الطَّعام= لم يعدَّ إلا أكلةً. قال (١) : والوَجُور رضعةٌ، فكذا هذا.

    قلت: وكلام أحمد يحتمل أمرين، أحدهما: ما ذكره الشَّيخ، ويكون قوله: «فهي رضعةٌ» عائد (٢) إلى الرَّضعة الثَّانية. الثَّاني: أن يكون المجموع رضعةً، ويكون قوله: «فهي رضعةٌ» عائد إلى الأوَّل أو الثَّاني، وهذا أظهر محتمليه؛ لأنَّه استدلَّ بقطعه للتَّنفُّس (٣) ، أو الاستراحة على كونها رضعةً واحدةً. ومعلومٌ أنَّ هذا الاستدلال أليقُ بكون الثَّانية مع الأولى واحدةً من كون الثَّانية رضعةً مستقلَّةً، فتأمَّلْه.

  26. وأمَّا قياس الشَّيخ له على يسير السَّعوط والوَجُور، فالفرق بينهما أنَّ

    vol. 7, p. 188ذلك مستقلٌّ، ليس تابعًا لرضعةٍ قبله، ولا هو من تمامها فيقال: رضعةٌ، بخلاف مسألتنا، فإنَّ الثَّانية تابعةٌ للأولى، وهي من تمامها، فافترقا.

  27. فصل

    الحكم الرَّابع: أنَّ الرَّضاع الذي يتعلَّق به التَّحريم ما كان قبل الفِطام في زمن الارتضاع المعتاد. وقد اختلف الفقهاء في ذلك:

    فقال الشَّافعيُّ وأحمد وأبو يوسف ومحمد: هو ما كان في الحولين، ولا يُحرِّم ما كان بعدهما. وصحَّ ذلك عن عمر، وابن مسعودٍ، وأبي هريرة، وابن عبَّاسٍ، وابن عمر (١) ، وروي عن سعيد بن المسيَّب (٢) ، والشَّعبيِّ (٣) ، وابن شُبرمة (٤) . وهو قول سفيان، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن حزمٍ، وابن المنذر، وداود، وجمهور أصحابه.

    وقالت طائفةٌ (٥) : الرَّضاع المحرِّم ما كان قبل الفطام، ولم يَحُدُّوه بزمنٍ، صحَّ ذلك عن أم سلمة (٦) وابن عبَّاسٍ (٧) ، وروي عن علي (٨) ولم يصحَّ

    vol. 7, p. 189عنه، وهو قول الحسن، والزُّهريِّ، وقتادة (١) ، وعكرمة (٢) ، والأوزاعيِّ. قال الأوزاعيُّ (٣) : إن فُطِم وله عامٌ واحدٌ واستمرَّ (٤) فطامه، ثمَّ رضع في الحولين، لم يُحرِّم هذا الرَّضاع شيئًا، فإن تمادى رضاعه ولم يُفطَم، فإنه ما كان في الحولين يُحرِّم، وما كان بعدهما فإنَّه لا يُحرِّم وإن تمادى الرَّضاع.

    وقالت طائفةٌ: الرَّضاع المحرِّم ما كان في الصِّغر، ولم يُوقِّته هؤلاء بوقت، وروي هذا عن ابن عمر (٥) ، وابن المسيَّب (٦) ، وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - خلا عائشة.

    vol. 7, p. 190وقال أبو حنيفة وزفر: ثلاثون شهرًا، وعن أبي حنيفة روايةٌ أخرى كقول أبي يوسف ومحمد.

    وقال مالك في المشهور من مذهبه: يُحرِّم في الحولين وما قاربَهما، ولا حرمةَ له بعد ذلك. ثمَّ رُوي عنه اعتبار أيَّامٍ يسيرةٍ، وروي عنه شهران. وروي عنه شهرٌ ونحوه. وروى عنه الوليد بن مسلمٍ وغيره: أنَّ ما كان بعد الحولين من رضاعٍ بشهر أو شهرين أو ثلاثة فإنَّه عندي من الحولين، وهذا هو المشهور عند كثيرٍ من أصحابه.

  28. والَّذي رواه عنه أصحاب «الموطَّأ» وكان يُقرأ عليه إلى أن مات قوله فيه (١) : وما كان من الرَّضاع بعد الحولين فإنَّ قليله وكثيره لا يحرِّم شيئًا، إنَّما هو بمنزلة الماء (٢) . هذا لفظه.

    وقال: إذا فُصِل الصَّبيُّ قبل الحولين، واستغنى بالطَّعام عن الرَّضاع، فما ارتضع بعد ذلك لم يكن لرضاعه حرمةٌ (٣) .

  29. وقال الحسن بن صالحٍ، وابن أبي ذئبٍ، وجماعةٌ من أهل الكوفة: مدَّة الرَّضاع المحرِّم ثلاث سنين، فما زاد عليها لم يحرِّم.

    وقال عمر بن عبد العزيز: مدَّته إلى سبع سنين، وكان يزيد بن هارون يحكيه عنه كالمتعجِّب من قوله (٤) . وروي عنه خلاف هذا، وحكى عنه

    vol. 7, p. 191ربيعة أنَّ مدَّته حولان واثنا عشر يومًا (١) .

    وقالت طائفةٌ من السَّلف والخلف: يُحرِّم رضاع الكبير ولو أنَّه شيخٌ، فروى مالك (٢) عن ابن شهابٍ أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزُّبير بحديث أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهلة بنت سهيل برضاع سالم، ففعلتْ، وكانت تراه ابنًا لها. قال عروة: فأخذتْ بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحبُّ أن يدخل عليها من الرِّجال (٣) ، فكانت تأمر أختها أمَّ كلثوم وبناتِ أخيها يُرضِعن من أحبَّت أن يدخل عليها من الرِّجال.

    وقال عبد الرزاق (٤) : ثنا ابن جريجٍ، قال: سمعت عطاء بن أبي رباحٍ وسأله رجلٌ فقال: سقتني امرأةٌ (٥) من لبنها بعد ما كنتُ رجلًا كبيرًا، أفأنكحها؟ قال عطاء: لا تنكِحْها، فقلت له: وذلك رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة تأمر بذلك بناتِ أخيها.

  30. وهذا قولٌ ثابتٌ عن عائشة - رضي الله عنها -. ويروى عن علي (٦) وعروة بن

    vol. 7, p. 192الزُّبير (١) وعطاء بن أبي رباحٍ (٢) ، وهو قول اللَّيث بن سعدٍ (٣) ، وأبي محمد بن حزم، قال (٤) : ورضاع الكبير ولو أنَّه شيخٌ يُحرِّم كما يُحرِّم رضاع الصَّغير، ولا فرقَ.

  31. فهذه مذاهب النَّاس في هذه المسألة.

  32. ولنذكر مناظرة أصحاب الحولين، والقائلين برضاع الكبير، فإنَّهما طرفان، وسائر الأقوال متقاربةٌ.

    قال أصحاب الحولين: قال الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: ٢٣٣] ، قالوا: فجعل تمام الرَّضاعة حولين، فدلَّ على أنَّه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلَّق به التَّحريم.

    قالوا: وهذه المدَّة هي مدَّة المجاعة الَّتي ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقَصَرَ الرَّضاعة المحرِّمة عليها.

    قالوا: وهي مدَّة الثَّدي التي قال فيها: «لا رضاعَ إلا ما كان في الثَّدي» (٥) أي في زمن الثَّدي، وهذه لغةٌ معروفةٌ, العرب يقولون: فلانٌ مات في الثَّدي، أي في زمن الرَّضاع قبل الفطام، ومنه الحديث المشهور: «إنَّ إبراهيم مات في

    vol. 7, p. 193الثَّدي، وإنَّ له مُرضِعًا في الجنَّة تُتِمُّ رضاعَه» (١) , يعني إبراهيم ابنَه صلوات الله وسلامه عليه.

    قالوا: وأكَّد ذلك بقوله: «لا رضاعَ إلا ما فَتَقَ الأمعاءَ, وكان في الثَّدي قبل الفِطام» (٢) ، فهذه ثلاثة أوصافٍ للرَّضاع المحرِّم، ومعلومٌ أنَّ رضاع الشَّيخ الكبير عارٍ من الثَّلاثة.

    قالوا: وأصرحُ من هذا حديث ابن عبَّاسٍ: «لا رضاعَ إلا ما كان في الحولين» (٣) .

    قالوا: وأكَّده أيضًا حديث ابن مسعودٍ: «لا يُحرِّم من الرَّضاع إلا ما أنبتَ اللَّحم وأنشَرَ العظمَ» (٤) ، ورضاع الكبير لا يُنبِت لحمًا، ولا يُنشِر عظمًا.

    قالوا: ولو كان رضاع الكبير محرِّمًا لما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشة وتغيَّر وجهه، وكره دخولَ أخيها من الرَّضاعة عليها لمَّا رآه كبيرًا، وقال: «انظُرْنَ مَنْ إخوانُكنُّ» ، فلو حرَّم رضاع الكبير لم يكن فرقٌ بينه وبين الصَّغير، ولما كره ذلك وقال: «انظُرن مَن إخوانُكنَّ» ثمَّ قال: «فإنَّما الرَّضاعة من المجاعة» , وتحت هذا من المعنى خشيةُ أن يكون قد ارتضع في غير زمن الرَّضاع وهو زمن المجاعة، فلا ينشُر الحرمة، فلا يكون أخًا.

    vol. 7, p. 194قالوا: وأمَّا حديث سهلة في رضاع سالم فهذا كان في أوَّل الهجرة؛ لأنَّ قصَّته نزلت (١) عقيب نزول قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: ٥] ، وهي نزلت في أوَّل الهجرة. وأمَّا أحاديث اشتراط الصِّغر وأن يكون في الثَّدي قبل الفِطام، فهي من رواية ابن عبَّاسٍ وأبي هريرة، وابن عبَّاسٍ إنَّما قدِمَ المدينة قبل الفتح، وأبو هريرة إنَّما أسلم عام فتح خيبر بلا شكٍّ، كلاهما قدِمَ المدينة بعد قصَّة سالم في رضاعه من امرأة أبي حذيفة.

    قال المثبتون للتَّحريم برضاع الشُّيوخ: قد صحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - صحَّةً لا يمتري فيها أحدٌ أنَّه أمر سهلة بنت سهيل أن تُرضِع سالمًا مولى أبي حذيفة، وكان كبيرًا ذا لحيةٍ، وقال: «أَرضِعيه تَحْرُمي عليه» ، ثمَّ ساقوا الحديث وطرقه وألفاظه، وهي صحيحةٌ صريحةٌ بلا شكٍّ.

    ثمَّ قالوا: فهذه الأخبار ترفع الإشكال، وتُبيِّن مراد الله عزَّ وجلَّ في الآيات المذكورات: أنَّ الرَّضاعة الَّتي تَتِمُّ بتمام الحولين أو بتراضي الأبوين قبل الحولين إذا رأيا في ذلك صلاحًا للرَّضيع، إنَّما هي الموجبة للنَّفقة على المرأة المرضعة، والَّتي يُجبَر عليها الأبوان أحبَّا أم كَرِها. ولقد كان في الآية كفايةٌ من هذا؛ لأنَّه تعالى قال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٣] ، فأمر تعالى الوالداتِ بإرضاع المولود عامين، وليس في هذا تحريمٌ للرَّضاعة بعد ذلك، ولا أنَّ التَّحريم ينقطع بتمام الحولين، وكان قول الله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: ٢٣] ،

    vol. 7, p. 195ولم يقل في حولين، ولا في وقتٍ دون وقتٍ زائدًا على الآيات الأخر، وعمومها (١) لا يجوز تخصيصه إلا بنصٍّ يبيِّن أنَّه تخصيصٌ له, لا بظنٍّ ولا محتملٍ لا بيانَ فيه.

  33. وكانت هذه الآثار ــ يعني الَّتي فيها التَّحريم برضاع الكبير ــ قد جاءت مجيء التَّواتر، رواها نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - (٢) ، وسهلة بنت سهيل (٣) وهي من المهاجرات، وزينب بنت أم سلمة (٤) وهي ربيبة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ورواها من التَّابعين: القاسم بن محمَّدٍ (٥) ، وعروة بن الزُّبير (٦) ، وحُميد بن نافع (٧) ، ورواها عن هؤلاء: الزُّهريُّ (٨) ، وابن أبي مُليكة (٩) ، وعبد الرحمن بن القاسم (١٠) ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ (١١) ، وربيعة (١٢) , ثمَّ رواها عن

    vol. 7, p. 196هؤلاء: أيُّوب السِّختيانيُّ (١) ، وسفيان الثَّوريُّ (٢) ، وسفيان بن عيينة (٣) ، وشعبة (٤) ، ومالك (٥) ، وابن جريجٍ (٦) ، وشعيب (٧) ، ويونس (٨) ، وجعفر بن ربيعة (٩) ، ومعمر (١٠) ، وسليمان بن بلالٍ (١١) ،

    وغيرهم، ثمَّ رواها عن هؤلاء الجمُّ الغفير والعدد الكثير، فهي نقلُ كافَّةٍ لا يختلف مؤالفٌ ولا مخالفٌ في صحَّتها.

  34. فلم يبقَ من الاعتراض إلا قولُ القائل: كان ذلك خاصًّا بسالم، كما قال بعض أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن تبعهنَّ في ذلك، فليعلمْ من تعلَّق بهذا أنَّه ظنٌّ ممَّن ظنَّ ذلك منهنَّ رضي الله عنهن, هكذا في الحديث أنَّهنُّ قلن: ما نرى هذا إلا خاصًّا بسالم، وما ندري لعله رخصةٌ لسالم. فإذْ هو ظنٌّ بلا شكٍّ فإنَّ

    vol. 7, p. 197الظَّنَّ لا تُعارَض به السُّننُ الثَّابتة، قال الله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: ٣٦] . وشتَّانَ بين احتجاج أم سلمة - رضي الله عنها - بظنِّها وبين احتجاج عائشة - رضي الله عنها - بالسُّنَّة الثَّابتة، ولهذا لمَّا قالت لها عائشة: أما لكِ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ، سكتت أم سلمة، ولم تَنطِقْ بحرفٍ، وهذا إمَّا رجوعٌ منها (١) إلى مذهب عائشة، وإمَّا انقطاعٌ في يدها.

    قالوا: وقول سهلة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف أُرضِعه وهو رجلٌ كبيرٌ؟ بيانٌ جليٌّ أنَّه بعد نزول الآيات المذكورات.

    قالوا: ونعلم يقينًا أنَّه لو كان ذلك خاصًّا بسالم لقطعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإلحاقَ، ونصَّ على أنَّه ليس لأحدٍ بعده، كما بيَّن لأبي بُردة بن نِيَارٍ أنَّ جَذَعَتَه تَجزي عنه، ولا تَجزِي عن أحدٍ بعده (٢) . وأين يقع ذبح جَذَعةٍ أضحيَّةً من هذا الحكم العظيم المتعلِّق به حِلُّ الفرج وتحريمه، وثبوت المَحْرَميَّة, والخلوة بالمرأة والسَّفر بها؟ فمعلومٌ قطعًا أنَّ هذا أولى ببيان التَّخصيص لو كان خاصًّا.

    قالوا: وقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الرَّضاعة من المَجَاعة» (٣) حجَّةٌ لنا؛ لأنَّ شرب الكبير للَّبن يُؤثِّر في دفع مجاعته قطعًا، كما يُؤثِّر في الصَّغير أو قريبًا منه.

  35. فإن قلتم: فما فائدة ذكره إذا كان الكبير والصَّغير فيه سواءً؟

  36. قلنا: فائدته إبطال تعلُّق التَّحريم بالقطرة من اللَّبن، أو المصَّة الواحدة الَّتي لا تُغنِي من جوعٍ، ولا تُنبِت لحمًا، ولا تُنشِر عَظْمًا.

    قالوا: وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا رضاعَ إلا ما كان في الحولين» ، و «كان في الثَّدي قبل الفطام» (١) ليس بأبلغَ من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ربا إلا في النَّسيئة» (٢) و «إنَّما الرَّبا في النَّسيئة» (٣) ، ولم يمنع ذلك ثبوتَ ربا الفضل بالأدلَّة الدَّالَّة عليه، فكذا هذا. فأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسُننه الثَّابتة كلُّها حقٌّ يجب اتِّباعها، ولا يُضرَب بعضُها ببعضٍ، ولا يُعارَض بعضُها ببعضٍ (٤) بل يُستعمل كلٌّ منها على وجهه.

    قالوا: وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ عائشة أمَّ المؤمنين، وأفقه نساء الأمَّة هي الَّتي روتْ هذا وهذا. فهي الَّتي روتْ «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة» ، وروت حديث سهلة وأخذتْ به، فلو كان عندها حديث «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة» مخالفًا لحديث سهلة لما ذهبتْ إليه، وتركتْ حديثًا واجهها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتغيَّر وجهه، وكره الرَّجل الذي رآه عندها، وقالت: هو أخي.

    قالوا: وقد صحَّ عنها أنَّها كانت تُدخِل عليها الكبيرَ إذا أرضعته ــ في حال كِبَرِه ــ أختٌ من أخواتها الرَّضاعَ المحرِّم، ونحن نشهد بشهادة اللَّه، ونقطع قطعًا نلقاه به يوم نَلقاه (٥) ، أنَّ أمَّ المؤمنين لم تكن لِتُبِيح سِتْرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 7, p. 199بحيث ينتهكه من لا يحلُّ له انتهاكُه، ولم يكن الله عزَّ وجلَّ لِيُبِيحَ ذلك على يد الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق المبرَّأة من فوق سبع سماواتٍ، وقد عصم الله سبحانه ذلك الجنابَ الكريم والحِمى المنيع والشَّرف الرَّفيع أتمَّ عصمةٍ، وصانه أعظمَ صيانةٍ، وتولَّى صيانته وحمايته والذَّبَّ عنه بنفسه ووحيه وكلامه.

    قالوا: فنحن نُوقن ونقطع ونَبُتُّ (١) الشَّهادة لله بأنَّ فِعْلَ عائشة هو الحقُّ، وأنَّ رضاع الكبير يقع به من التَّحريم والمَحْرميَّة ما يقع برضاع الصَّغير، ويكفينا أمُّنا أفقهُ نساء الأمَّة على الإطلاق، وقد كانت تناظر في ذلك نساءه - صلى الله عليه وسلم -، ولا يُجِبْنَها بغير قولهنِّ: ما أحدٌ داخلًا علينا بتلك الرَّضاعة. ويكفينا في ذلك أنَّه مذهب ابنِ عمِّ نبيِّنا (٢) وأعلمِ أهل الأرض على الإطلاق حين كان خليفةً، ومذهب اللَّيث بن سعدٍ الذي شهد له الشَّافعيُّ بأنَّه كان أفقه من مالك إلا أنَّه ضيَّعه أصحابه، ومذهب عطاء بن أبي رباحٍ ذكره عبد الرزاق عن ابن جريجٍ عنه (٣) . وذكر مالك (٤) عن الزُّهريِّ أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فاحتجَّ بحديث سهلة بنت سهيل في قصَّة سالمٍ مولى أبي حذيفة. وقال عبد الرزاق (٥) : وأخبرني ابن جريجٍ، قال: أخبرني عبد الكريم، أنَّ

    vol. 7, p. 200سالم بن أبي الجعد مولى (١) الأشجعي أخبره [أنَّ أباه أخبره] (٢) ، أنَّه سأل عليَّ بن أبي طالبٍ فقال: أردتُ أن أتزوَّج امرأةً قد سَقَتْني من لبنها وأنا كبيرٌ تداويتُ به، فقال له علي: لا تنكِحْها، ونهاه عنها.

    vol. 7, p. 198
  37. فهؤلاء سلفنا في هذه المسألة، وتلك نصوصنا كالشَّمس صحَّةً وصراحةً.

    قالوا: وأصرحُ أحاديثكم حديث أم سلمة ترفعه: «لا يُحرِّم من الرَّضاع إلا ما فَتَقَ الأمعاءَ في الثَّدي وكان قبل الفطام» (٣) ، فما أصْرَحَه لو كان سليمًا من العلَّة! لكن هذا حديثٌ منقطعٌ؛ لأنَّه من رواية فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا؛ لأنَّها كانت أسنَّ من زوجها هشام باثني عشر عامًا، فكان مولده (٤) في سنة ستِّين (٥) ، ومولد فاطمة سنة ثمانٍ وأربعين، وماتت أم سلمة سنة تسعٍ وخمسين، وفاطمة صغيرةٌ لم تَبلُغها، فكيف أن تحفظ عنها؟ ولم تسمع من خالة أبيها شيئًا وهي في حجرها، كما حصل (٦) سماعها من جدَّتها أسماء بنت أبي بكر.

    قالوا: وإذا نظر العالم المنصف في هذا القول، ووازنَ بينه وبين قول من

    vol. 7, p. 201يَحُدُّ مدَّة الرَّضاع المحرِّم بخمسةٍ وعشرين شهرًا، أو ستَّةٍ وعشرين أو سبعةٍ وعشرين أو ثلاثين شهرًا، من تلك الأقوال الَّتي لا دليلَ عليها من كتاب اللَّه ولا سنَّة رسوله ولا قولِ أحدٍ من الصَّحابة= تبيَّن له فَصْلُ (١) ما بين القولين.

  38. فهذا منتهى أقدام الطَّائفتين في هذه المسألة، ولعلَّ الواقف عليها لم يكن يَخْطِر له أنَّ هذا القول تنتهي قوَّتُه إلى هذا الحدِّ، وأنَّه ليس بأيدي أصحابه قدرةٌ على تقريره وتصحيحه، فاجلِسْ أيُّها العالم المنصف مجلسَ الحكم بين هذين المتنازعينِ، وافصِلْ بينهما بالحجَّة والبيان، لا بالتَّقليد وقال فلان.

  39. واختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاث مسالك:

    أحدها: أنَّه منسوخٌ، وهذا مسلك كثيرٍ منهم، ولم يأتوا على النَّسخ بحجَّةٍ سوى الدَّعوى، فإنَّهم لا يُمكِنهم إثباتُ التَّاريخ المعلوم التَّأخُّر بينه وبين تلك الأحاديث. ولو قَلَبَ أصحاب هذا القول عليهم الدَّعوى، وادَّعوا نسخَ تلك الأحاديث بحديث سهلة، لكانت نظيرَ دعواهم.

  40. وأمَّا قولهم: إنَّها كانت في أوَّل الهجرة حينَ نزولِ قوله: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: ٥] ، ورواية ابن عبَّاسٍ وأبي هريرة بعد ذلك، فجوابه من وجوهٍ:

    أحدها: أنَّهما لم يُصرِّحا بسماعه من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، بل لم يسمع منه ابن عبَّاسٍ إلا دونَ العشرين حديثًا، وسائرها عن الصِّحابة.