فصل في صفة السلام

8 paragraphs · vol. 3, p. 492

  1. ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجلٌ مجهولٌ. والصَّحيح عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يشير في الصَّلاة (١) , رواه أنس وجابر وغيرهما عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

    vol. 3, p. 492
  2. فصل

    وكان هديه في ابتداء السَّلام أن يقول: «السَّلام عليكم ورحمة اللَّه» ، وكان يكره أن يقول المبتدئ: عليك السَّلام.

    قال أبو جُرَي (٣) الهُجَيمي: أتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقلت: عليك السَّلام يا رسول اللَّه، فقال (٤) : «لا تَقُلْ عليك السَّلام، فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة الموتى» (٥) . حديثٌ صحيحٌ.

  3. وقد أشكل هذا الحديث على طائفةٍ، وظنُّوه معارضًا لما ثبت عنه في السَّلام على الأموات بلفظ: «السَّلام عليكم» بتقديم السَّلام، وظنُّوا أنَّ قوله «فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة الموتى» إخبارٌ (٦) عن المشروع، وغَلِطوا في ذلك غلطًا أوجب لهم ظنَّ التَّعارض. وإنَّما معنى قوله: «فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة

    vol. 3, p. 493الموتى» إخبارٌ عن الواقع، لا عن المشروع، أي (١) : أنَّ الشُّعراء وغيرهم يُحيُّون الموتى بهذه اللَّفظة، كقول قائلهم (٢) :

    عليك سلامُ الله قيسُ بنَ عاصم ... ورحمتُه ما شاء أن يترحَّما

    فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ... ولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما

    فكره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُحيَّى بتحيَّة الأموات، ومن كراهته لذلك لم يردَّ على المسلِّم (٣) .

  4. وكان يردُّ على المسلِّم «وعليك السَّلام» بالواو، وبتقديم «عليك» على لفظ السَّلام.

  5. وتكلَّم النَّاس هاهنا في مسألةٍ، وهي لو حذف الرَّادُّ الواو فقال: عليك السَّلام، هل يكون ردًّا صحيحًا؟

    فقالت طائفةٌ منهم المتولِّي وغيره (٤) : لا يكون جوابًا، ولا يسقط به فرض الردِّ، لأنَّه مخالفٌ لسنة الردِّ، ولأنَّه لا يعلم هل هو ردٌّ أو ابتداء تحيَّةٍ، فإنَّ صورته صالحةٌ لهما، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب

    vol. 3, p. 494فقولوا: وعليكم» (١) ، فهذا تنبيهٌ منه على وجوب الواو في الردِّ على أهل الإسلام، فإنَّ الواو في مثل هذا الكلام تقتضي تقرير الأوَّل وإثبات الثَّاني، فإذا أمر بالواو في الردِّ على أهل الكتاب الذين يقولون: السَّام عليكم، فقال: «إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم» = فذِكْرُها في الرَّدِّ على المسلمين أولى وأحرى.

  6. وذهبت طائفةٌ أخرى إلى أنَّ ذلك ردٌّ صحيحٌ، كما لو كان بالواو، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في كتابه الكبير (٢) ، واحتجَّ لهذا القول بقوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [الذاريات: ٢٤ - ٢٥] ، أي: سلامٌ عليكم، لا بدَّ من هذا، ولكن حَسُنَ الحذف في الردِّ لأجل الحذف في الابتداء.

  7. واحتجُّوا بما في «الصَّحيحين» (٣) عن أبي هريرة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «خلق الله آدمَ طولُه ستُّون ذراعًا، فلمَّا خلقه قال له: اذهَبْ فسلِّم على أولئك النَّفر من الملائكة، فاستمِعْ ما يُحيُّونك، فإنَّها تحيَّتك وتحيَّة ذرِّيَّتك، فقال: السَّلام عليكم، فقالوا: السَّلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة اللَّه» . فقد أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ هذا تحيَّته وتحيَّة ذرِّيَّته.

    قالوا: ولأنَّ المسلَّم عليه مأمورٌ أن يُحيِّي المسلِّمَ بمثل تحيَّته عدلًا،

    vol. 3, p. 495وأحسنَ (١) منها فضلًا، فإذا ردَّ عليه بمثل سلامه كان قد أتى بالعدل.

  8. وأمَّا قوله: «إذا سلَّم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم» ، فهذا الحديث قد اختُلِف في لفظة الواو فيه، فرُوِي على ثلاثة أوجهٍ، أحدها: بالواو. قال أبو داود (٢) : كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينارٍ، ورواه الثوريُّ عن عبد الله بن دينارٍ، وقال فيه: «فعليكم» . وحديث سفيان في «الصَّحيحين» (٣) . ورواه النَّسائيُّ (٤) من حديث ابن عيينة عن عبد الله بن دينارٍ بإسقاط الواو، وفي لفظٍ لمسلم والنَّسائيِّ (٥) : «فقُلْ: عليك» بغير واوٍ.

    قال الخطّابي (٦) : عامَّة المحدِّثين يروونه «وعليكم» بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه «عليكم» بحذف الواو، وهو الصَّواب، وذلك أنَّه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه (٧) مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدُّخول فيما قالوه، لأنَّ الواو حرف العطف والاجتماع بين الشَّيئين. انتهى كلامه.