فصل في ملابسه
57 paragraphs · vol. 2, p. 132
Page 2 of 2
- vol. 2, p. 143
ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقوامًا يرون أن لبس الصوف دائمًا أفضل من غيره، فيتحرَّونه، ويمنعون أنفسهم من غيره. وكذلك يتحرَّون زيًّا واحدًا من الملابس، ويتحرَّون رسومًا وأوضاعًا وهيئاتٍ يرون الخروج عنها منكرًا؛ وليس المنكر إلا التقيُّد بها، والمحافظة عليها، وترك الخروج عنها.
-
والصواب: أن أفضل الطرق طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي سنَّها، وأمَر بها، ورغَّب فيها، وداوم عليها. وهي أنَّ هديه في اللباس أن يلبس ما تيسَّر من اللباس من الصوف تارةً، والقطن تارةً، والكتَّان تارةً.
-
ولبِس البرود اليمانية، والبرد الأخضر. ولبِس الجبة والقبَاء، والقميص والسراويل، والإزار والرداء، والخفَّ والنعل. وأرخى الذؤابة من خلفه تارةً، وتركها تارةً. وكان يتلحَّى بالعمامة تحت الحنَك.
-
وكان إذا استجدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه، وقال: «اللهمَّ أنتَ كسوتني هذا القميصَ أو الرداء أو العمامة، أسألك خيرَه وخيرَ ما صُنِع له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنِع له» (٢) .
- vol. 2, p. 144
وكان إذا لبس قميصه (١) بدأ بميامنه (٢) .
-
ولبس الشَّعر الأسود، كما روى مسلم في «صحيحه» (٣) عن عائشة قالت: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعليه مِرْطٌ مرحَّلٌ (٤) من شَعر أسود.
-
وفي «الصحيحين» (٥) عن قتادة: قلنا لأنس: أيُّ اللِّباس كان أحبَّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: «الحِبَرة» . والحِبَرة: من (٦) برود اليمن، فإن غالب لباسهم كان من نسج اليمن لأنها قريبة منهم. وربما لبسوا ما يُجلب من الشام ومصر كالقَباطيِّ المنسوجة من الكتَّان التي كانت تنسِجها القبط.
-
وفي «سنن النسائي» (٧) عن عائشة أنها جعلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - بردةً من صوف فلبسها، فلما عرِق فوجد ريحَ الصوف طرَحها، وكان يحبُّ الريح الطيِّبة.
- vol. 2, p. 145
وفي «سنن أبي داود» (١) عن عبد الله بن عباس قال: لقد رأيت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسنَ ما يكون من الحُلَل.
-
وفي «سنن النسائي» (٢) عن أبي رِمْثة قال: «رأيت النبيَّ (٣) - صلى الله عليه وسلم - يخطب وعليه بردان أخضران». والبرد الأخضر: هو الذي فيه خطوط خُضْر، وهو كالحُلَّة الحمراء سواء. فمن فهم من الحُلَّة الحمراء الأحمرَ البحتَ فينبغي أن يقول: إنَّ البرد الأخضر أخضر بحتًا؛ وهذا لا يقوله أحد.
-
وكان (٤) مِخدَّته - صلى الله عليه وسلم - من أدَمٍ حشوُها ليف (٥) . فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهُّدًا وتعبُّدًا، بإزائهم طائفةٌ قابلوهم، فلم يلبسوا إلا أشرف الثياب، ولم يأكلوا إلا ألين الطعام، فلا يرون لُبسَ الخشن ولا أكلَه تكبُّرًا وتجبُّرًا. وكلا الطائفتين (٦) هديُه مخالفٌ لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال
vol. 2, p. 146بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي والمنخفض (١) .
-
وفي «السنن» (٢) عن ابن عمر يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن لبِس ثوبَ شهرةٍ ألبسه الله يومَ القيامة ثوبَ مَذَلَّةٍ، ثم تُلهَّب فيه النار» (٣) . وهذا لأنه قصد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقيض ذلك، فأذلَّه؛ كما عاقب (٤) من أطال ثيابه خُيَلاء بأن خسَف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (٥) .
-
وفي «الصحيحين» (٦) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من جرَّ ثوبه خُيَلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة» .
-
وفي «السنن» (٧) أيضًا عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الإسبالُ في الإزار،
vol. 2, p. 147والقميص، والعمامة. من جرَّ شيئًا منها خُيَلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة».
-
وفي «السنن» (١) عن ابن عمر أيضًا قال: ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإزار فهو في القميص.
-
وكذلك لُبْس الدنيء من الثياب يُذَمُّ في موضع، ويُحمَد في موضع. فيُذَمُّ إذا كان شهرةً وخيلاء، ويُمدَح إذا كان تواضعًا واستكانةً؛ كما أنَّ لُبْس الرفيع من الثياب يُذَمُّ إذا كان تكبُّرًا وفخرًا وخيلاء، ويُمدَح إذا كان تجمُّلًا وإظهارًا لنعمة الله.
-
ففي (٢) «صحيح مسلم» (٣) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ حبَّة خَردل من كِبْر، ولا يدخل النارَ من كان في قلبه مثقالُ حبَّة خَردل من إيمان» ، فقال رجل: يا رسول الله، إني أُحِبُّ أن يكون ثوبي حسنًا ونعلي حسنةً (٤) ، أفمن الكبر ذاك؟ فقال: «لا،