فصل في سرية عبد الله بن حذافة السهمي
7 paragraphs · vol. 4, p. 443
- vol. 4, p. 443
ثبت في «الصحيحين» (٣) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: ٥٩] في عبد الله بن حُذافة السهمي بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية (٤) .
-
وثبت في «الصحيحين» (٥) أيضًا من حديث الأعمش عن سعد (٦) بن عُبَيدة عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن علي - رضي الله عنه - قال: استعمل
vol. 4, p. 444رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال: فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا لي نارًا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النار (١) ، قال: فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا ذلك له، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها؛ إنما الطاعة في المعروف» . وهذا هو عبد الله بن حُذافة السهمي (٢) .
-
فإن قيل: فلو دخلوها لدخلوها طاعةً لله ورسوله في ظنهم فكانوا متأولين مخطئين، فكيف يخلَّدون فيها؟
-
قيل: لمَّا كان إلقاء نفوسهم في النار معصيةً يكونون بها قاتلي أنفسهم، فهمُّوا بالمبادرة إليها من غير اجتهاد منهم هل هو طاعة وقربة أو معصية= كانوا مُقْدِمين على ما هو محرَّم عليهم ولا تسوغ طاعة ولي الأمر فيه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فكانت طاعةُ مَن أمرهم بدخول النار معصيةً لله ورسوله، فكانت هذه الطاعة هي سبب العقوبة، لأنها نفس المعصية، فلو دخلوها لكانوا عصاةً لله ورسوله وإن كانوا مطيعين لولي الأمر، فلم تَدفع طاعتُهم لوليِّ الأمر معصيتَهم لله ورسوله، لأنهم قد علموا
vol. 4, p. 445أن من قتل نفسه فهو مستحق للوعيد، والله قد نهاهم عن قتل أنفسهم، فليس لهم أن يقدموا على هذا النهي طاعةً لمن لا تجب طاعته إلا في المعروف.
-
فإذا كان هذا حكمَ من عذَّب نفسه طاعةً لولي الأمر، فكيف بمن عذب مسلمًا لا يجوز تعذيبه طاعةً لولي الأمر.
-
وأيضًا فإذا كان الصحابة المذكورون لو دخلوها لما خرجوا منها مع قصدهم طاعةَ الله ورسوله بذلك الدخول، فكيف بمن حمله على ما لا يجوز من الطاعةِ الرَّغبةُ والرَّهبةُ الدُّنيوية.
-
وإذا كان هؤلاء لو دخلوها لما خرجوا منها مع كونهم قصدوا طاعة الأمير وظنوا أن ذلك طاعةٌ لله ورسوله، فكيف بمن دخلها من هؤلاء المُلبِّسين إخوانِ الشياطين، وأوهموا الجهال أن ذلك ميراثٌ مِن إبراهيم الخليل، وأن النار قد تصير عليهم بردًا وسلامًا كما صارت على إبراهيم، وخيارُ هؤلاء ملبوس عليه يظن أنه دخلها بحالٍ رحماني، وإنما دخلها بحال شيطاني؛ فإن كان لا يعلم بذلك فهو ملبوس عليه، وإن كان يعلم به فهو مُلبِّس على الناس يوهمهم أنه من أولياء الرحمن وهو من أولياء الشيطان، وأكثرهم يدخلها بحال بهتاني وتحيُّل إنساني، فهم في دخولها في الدنيا ثلاثة أصناف: ملبوس عليه، وملبِّس، ومتحيِّل؛ ونار الآخرة أشد عذابًا وأبقى (١) .