فصل: تعيين قتل الساب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن قتله حد لا بد من استيفائه
10 paragraphs · vol. 4, p. 540
- vol. 4, p. 540
على مزارعها وإن فتحت عنوةً، فإنها أجلُّ وأعظم من أن يضرَب عليها الخراج، لا سيما والخراج هو جِزية الأرض، وهو على الأرض كالجزية على الرؤوس، وحَرَمُ الربِّ أجلُّ قدرًا وأكبر من أن يُضرَب عليه جزية، ومكة بفتحها عادت إلى ما وضعها الله عليه من كونها حرمًا آمنًا يشترك فيه أهل الإسلام، إذ هو موضع مناسكهم ومتعبَّدُهم وقبلةُ أهل الأرض.
-
والثاني ــ وهو قول بعض أصحاب أحمد ــ: أن على مزارعها الخراج، كما هو على مزارع غيرها من أرض العنوة. وهذا فاسد مخالف لنص أحمد ومذهبه ولفعلِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين من بعده، فلا التفات إليه، والله أعلم.
-
وقد بنى بعض الأصحاب [منعَ] (١) بيعِ رباع أهلِ (٢) مكةَ على كونها فتحت عنوةً (٣) ، وهذا بناء غير صحيح، فإن مساكن أرض العنوة تباع قولًا واحدًا فظهر بطلان هذا البناء. والله أعلم.
-
فصل (٤)
-
وفيها: تعيين قتل الساب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن قتلَه حدٌّ لا بد من استيفائه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمِّن مِقْيَس بن صُبابة وابنَ خَطَل والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه، مع أن نساء أهل الحرب لا يُقتلن كما لا تُقتل
vol. 4, p. 541الذرية، وقد أمر بقتل هاتين المرأتين (١) ، وأهدر دم أُمِّ ولد الأعمى لمَّا قتلها سيدُها لأجل سبِّها النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) ، وقتل كعب بن الأشرف اليهودي وقال: «مَن لكعبٍ، فإنه قد آذى الله ورسوله» (٣) وكان يسبه.
-
وهذا إجماع من الخلفاء الراشدين ولا يُعلَم لهم في الصحابة مخالف، فإن الصديق قال لأبي برزة الأسلمي وقد همَّ بقتل من سبه: «لم تكن هذه لأحدٍ غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (٤) ، ومرَّ عمرُ براهبٍ فقيل له: هذا يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لو سمعته لقتلته، إنَّا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا - صلى الله عليه وسلم -» (٥) .
-
ولا ريب أن المحاربة بسبِّ نبينا أعظمُ أذيةً ونكايةً لنا من المحاربة باليد
vol. 4, p. 542ومنعِ دينارِ جزيةٍ في السنة، فكيف ينتقض عهدُه ويُقتل بذلك دون السبِّ؟! وأي نسبةٍ لمفسدة منعه دينارًا في السنة إلى مفسدة مجاهرته (١) بسبِّ نبينا أقبحَ سبٍّ على رؤوس الأشهاد؟ بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسب، فأولى ما انتقض به عهده وأمانه سبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينتقض عهده بشيءٍ أعظمَ منه إلا مسبَّةَ (٢) الخالق سبحانه؛ فهذا محض القياس ومقتضى النصوص وإجماعُ الخلفاء الراشدين، وعلى هذه المسألة أكثر من أربعين دليلًا (٣) .
-
فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل عبد الله بن أُبيٍّ وقد قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل (٤) ، ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له: اعدل فإنك لم تعدل (٥) ، ولم يقتل من قال له: يقولون إنك تنهى عن الغَيِّ وتستخلي (٦) به (٧) ، ولم يقتل القائلَ له: إن هذه لقسمةٌ ما أريد بها وجه
vol. 4, p. 543الله (١) ، ولم يقتل من قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي: أن كان ابنَ عمتك (٢) ، وغير هؤلاء ممن كان يبلغه عنهم أذًى له وتنقُّص.
-
قيل: الحق كان له، فله أن يستوفيه وله أن يسقطه، وليس لمن بعده أن يُسقط حقَّه، كما أن الرب تعالى له أن يستوفي حقه وله أن يسقطه، وليس لأحد أن يسقط حقه تعالى بعد وجوبه، كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرِهم مصالحُ عظيمة في حياته زالت بعد موته مِن تأليف الناس وعدم تنفيرهم عنه، فإنهم لو بلغهم أنه يقتل أصحابه لنفروا، وقد أشار إلى هذا بعينه وقال لعمر لما أشار عليه بقتل (٣) عبد الله بن أبي: «لا يبلغ الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (٤) .
-
ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف وجمعِ القلوب عليه كانت أعظمَ عنده وأحبَّ إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبَّه وآذاه، ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل وترجحت جدًّا قتل الساب، كما فعل بكعب بن الأشرف فإنه جاهر بالعداوة والسب، فكان قتلُه أرجحَ مِن إبقائه، وكذلك قتلُ ابنِ خطل ومقيسٍ والجاريتين وأمِّ ولدِ الأعمى، فقتل للمصلحة الراجحة وكفَّ للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نُوَّابه وخلفائه لم يكن لهم أن يسقطوا حقَّه.