- بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا في إثره ليقرأ (براءة) على الناس
7 paragraphs · vol. 4, p. 746
- vol. 4, p. 746
قال ابن سعد (١) : فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة، وبعث معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشرين بدنةً قلَّدها وأشعرها بيده (٢) ، عليها ناجيةُ بن جُندَب الأسلمي (٣) ، وساق أبو بكر خمس بدنات.
قال ابن إسحاق: فنزلت (بَرَاءَةٌ) في نقض ما بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه، فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العَضباء. قال ابن سعد: فلما كان بالعَرْج ــ وابنُ عائذٍ (٤) يقول: بضَجْنان (٥) ــ لحقه علي بن أبي طالب على العضباء، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ قال: لا بل مأمور، ثم مضيا.
وقال ابن سعد: فقال له أبو بكر: أستعملك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ (بَرَاءَةٌ) على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهدٍ عهدَه.
-
فأقام أبو بكر للناس حجَّهم، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذَّن في الناس عند الجمرة بالذي أمره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ونبذ إلى كل
vol. 4, p. 747ذي عهد عهده، وقال: أيها الناس! لا يدخل الجنة كافر، ولا يحجُّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو إلى مدته (١) .
وقال الحميدي (٢) : حدثنا سفيان قال: حدثني أبو إسحاق الهَمْداني عن زيد بن يُثَيع قال: سألنا عليًّا بأي شيء بُعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع مؤمن (٣) وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهدٌ فعهده إلى مدَّته، ومن لم يكن له عهد فأَجَلُه إلى أربعة أشهر».
-
وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذِّنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنًى أن «لا يحجَّ بعد هذا العام مشرك
vol. 4, p. 748ولا يطوفَ بالبيت عريانٌ»، ثم أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن بـ (براءةَ) (١) ، قال: فأذَّن معنا عليٌّ في أهل منًى يوم النحر بـ (براءةَ) ، وأن «لا يحجَّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عُريان» .
-
وفي هذه القصة دليل على أن يومَ الحج الأكبر يومُ النحر.
-
واختُلف في حجَّة الصديق هذه: هل هي التي أسقطت الفرض أو المُسقطة هي حجة الوداع مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ على قولين، أصحهما الثاني، والقولان مبنيان على أصلين:
أحدهما: هل كان الحج فُرِض قبلَ عام حجة الوداع أو لا؟
-
والثاني: هل كانت حجة الصديق في ذي الحجة أو وقعت في ذي القعدة من أجل النسيء الذي كان الجاهلية يؤخرون له الأشهر ويقدمونها؟ على قولين، والثاني قول مجاهد (٢) وغيره.
-
وعلى هذا فلم يؤخر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه، وهذا هو اللائق بهديه وحاله - صلى الله عليه وسلم -، وليس بيد من ادعى تقدُّم فرض الحج سنة ستٍّ أو سبعٍ أو ثمانٍ أو تسعٍ دليلٌ واحد. وغاية ما احتجَّ به من قال: فرض سنة ست قولُه تعالى: { (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
vol. 4, p. 749لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] ، وهي نزلت بالحديبية سنة ستٍّ. وهذا ليس فيه ابتداء فرض الحج، وإنما فيه الأمر بإتمامه إذا شرع فيه، فأين هذا من وجوب ابتدائه؟ ! وآية فرض الحج هي قولُه تعالى: {عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ} [آل عمران: ٩٧] ، وهي نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع.