- كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل نجران بشروط الصلح والجزية
6 paragraphs · vol. 4, p. 799
- vol. 4, p. 799
عدَّة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن فيض، قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يَرِدوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرًا مقبلًا، والله إن كان هذا الرجل مَلِكًا مبعوثًا فكنا أول العرب طعنًا في عينه وردَّ عليه أمرَه، لا يذهب لنا من صدره ولا من صُدور قومه حتى يصيبونا بجائحة وإنَّا لأدنى العرب (١) منهم جوارًا، وإن كان هذا الرجل نبيًّا مرسلًا فلاعنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شَعرةٌ ولا ظفر إلا هلك! فقال له صاحباه: فما الرأي؟ فقد وضعتك الأمورُ على ذراعٍ فهاتِ رأيك، فقال: رأيي أن أحكِّمه فإني أرى رجلًا لا يحكم شَطَطًا أبدًا، فقالا له: أنت وذاك. فلقي شرحبيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني قد رأيت خيرًا من ملاعنتك، فقال: «وما هو؟» قال شرحبيل: حكمك اليوم إلى الليل وليلتَك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لعل وراءك أحدًا يُثرِّب عليك» ، فقال شرحبيل له: سل صاحبيَّ، فسألهما فقالا: ما يَرِد الوادي ولا يصدُر إلا عن رأي شرحبيل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كافر ــ أو قال: جاحد ــ موفق» .
-
فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلاعنهم، حتى إذا كان من الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران: إذ كان عليهم حكمُه في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كلَّه على ألفَي حُلَّةٍ حُلَلِ الأواقي (٢) ، في كل رجبٍ ألفُ حلة وفي كل صفرٍ ألفُ حلة وكلُّ حلةٍ أوقية،
vol. 4, p. 800ما زادت على الخَرْج (١) أو نقصت عن الأواقي فبحسابٍ، وما قضوا من دروعٍ أو خيلٍ أو ركابٍ أو عَرَضٍ أُخِذ منهم بحساب. وعلى نجران مثواةُ رسلي ومُتْعَتُهم ما (٢) عشرين فدونه، ولا يُحبَس رسول فوقَ شهر. وعليهم عاريةُ ثلاثين دِرعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا إذا كان كَيدٌ باليمن ذو مغدرةٍ (٣) ، وما هلك مما أعاروا رسولي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسولي حتى يؤديه إليهم. ولنجران وحاشيتها (٤)
-
جوار الله وذمَّةُ محمدٍ النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبِيَعهم (٥) ، وأن لا يُغيَّروا مما كانوا عليه ولا يُغيَّر حقٌّ مِن حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغيَّر أُسقُفٌ من أسقفيَّته ولا راهب من رهبانيته ولا
vol. 4, p. 801واقِهٌ (١) عن وقاهيته، وكلُّ ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية، ولا يُحشَرون ولا يُعشَرون، ولا يطأ أرضَهم جيشٌ. ومن سأل فيهم حقًّا فبينهم النَّصَف غير ظالمين ولا مظلومين. ومن أكل ربًا مِن ذي قَبَلٍ (٢) فذمتي منه بريئة. ولا يؤخذ منهم رجل بظلمِ آخرَ. وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي رسولِ الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين (٣) بظلم.
-
شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرٍو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة وكتب» (٤) .
-
حتى إذا قبضوا كتابهم وانصرفوا (٥) إلى نجران فتلقَّاهم الأسقف ووجوه نجران على مسيرة ليلةٍ، ومع الأسقف أخ له من أمِّه وهو ابن عمه من النسب يقال له: بِشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب
vol. 4, p. 802رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الأسقف، فبينا هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبَّت ببشرٍ ناقتُه فتعَّس بِشرٌ (١) ــ غير أنه لا يكني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ (٢) ، فقال له الأسقف عند ذلك: قد واللهِ تعَّستَ نبيًّا مرسلًا! فقال بشر: لا جَرَم واللهِ لا أحُلُّ عنها عقدًا حتى آتيه، فضرب وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الأسقف ناقته عليه فقال له: افهم عنِّي، إنما قلت هذا ليَبلُغَ (٣) عني العربَ مخافةَ أن يقولوا: إنا أخذنا حمقةً (٤) أو بَخَعْنا (٥) لهذا الرجل بما لم تَبْخَع به العرب ونحن أعزهم وأجمعهم دارًا، فقال له بِشر: لا واللهِ لا أُقيلك ما خرج من رأسك أبدًا، فضرب بِشرٌ ناقتَه وهو موَلٍّ ظهره للأسقف وهو يقول:
إليك تغدو قَلِقًا وَضِينُها ... معترضًا في بطنها جنينُها
مخالفًا دين النصارى دينُها
حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يزل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى استشهد أبو علقمة بعد ذلك.
-
ودخل الوفد نجران فأتى الراهبَ ابنَ أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعة له، فقال له: إن نبيًّا قد بُعِث بتهامة وإنه كتب إلى الأسقف فأجمع رأيَ أهل الوادي أن يُسيِّروا إليه شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن فيض، فيأتونهم بخبره، فساروا حتى أتوه فدعاهم إلى المباهلة