بحث في خضاب النبي صلى الله عليه وسلم
9 paragraphs · vol. 5, p. 543
- vol. 5, p. 543
وهمٌ فإنَّ الوسمة غير الكتَم. قال صاحب «الصِّحاح» (١) : الكتَم بالتَّحريك: نبتٌ يُخْلَط بالوَسِمة (٢) يختضب به.
-
قيل: والوَسْمة نباتٌ له ورقٌ طويلٌ يضرب لونه إلى الزُّرقة، أكبر من ورق الخِلاف، يُشبه ورقَ اللُّوبيا وأكبر منه، يؤتى به من الحجاز واليمن.
-
فإن قيل: فقد ثبت في الصَّحيح عن أنس أنَّه قال: لم يختضب النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
-
قيل: قد أجاب أحمد بن حنبلٍ عن هذا، وقال: قد شهد به غير أنس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه خضب، وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد (٤) . فأحمد أثبت خضابَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومعه جماعةٌ من المحدِّثين. ومالك أنكره (٥) .
-
فإن قيل: قد ثبت في «صحيح مسلم» (٦) النَّهيُ عن الخضاب بالسَّواد في
vol. 5, p. 544شأن أبي قحافة، لمَّا أُتي به، ورأسُه ولحيتُه كالثَّغامة بياضًا، فقال: «غيِّروا هذا بشيءٍ (١) ، وجنِّبوه السَّواد». والكتَمُ يسوِّد الشَّعر (٢) .
- فالجواب من وجهين:
-
أحدهما: أنَّ النَّهي عن التَّسويد البحت. فأمَّا إذا أضيف إلى الحنَّاء شيءٌ آخر كالكتَم ونحوه، فلا بأس به؛ فإنَّ الكتم والحنَّاء يجعل الشَّعر بين الأحمر والأسود، بخلاف الوَسِمة فإنَّها تجعله أسود فاحمًا. وهذا أصحُّ الجوابين.
-
الجواب الثَّاني: أنَّ الخضاب بالسَّواد المنهيِّ عنه خضاب التَّدليس كخضاب (٣) شَعْر الجارية والمرأة الكبيرة تغرُّ الزَّوجَ والسَّيِّدَ بذلك، وخضابِ الشَّيخ يغرُّ المرأةَ بذلك؛ فإنَّه من الغشِّ والخداع. فأمَّا إذا لم يتضمَّن تدليسًا ولا خداعًا فقد صحَّ أن الحسن والحسين (٤) كانا يخضبان بالسَّواد. ذكر ذلك ابن جريرٍ عنهما في كتاب «تهذيب الآثار» (٥) . وذكره عن
vol. 5, p. 545عثمان بن عفَّان (١) ، وعبد الله بن جعفرٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وعُقبة بن عامرٍ، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد اللَّه، وعمرو بن العاص. وحكاه عن جماعةٍ من التَّابعين، منهم: عمرو بن عثمان، وعليُّ بن عبد الله بن عبَّاسٍ، وأبو سلَمة بن عبد الرَّحمن، وعبد الرَّحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزُّهريُّ، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب.
-
وحكاه ابن الجوزيِّ (٢) عن محارب بن دثارٍ، ويزيد [الرِّشْك، والحجَّاج بن أرطاة] (٣) ، وابن جريجٍ، وأبي يوسف (٤) ، وأبي إسحاق (٥) ،