(١٠) ما يؤثر عنه في الصيام

١٣ فقرة، ج ١ ص ١٥١

  1. قَرأتُ في روَايةِ المُزَنِيِّ، عن الشَّافِعي أنه قال: «قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُه:

    {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] ، ثم أبان أن هذه الأيام شهر رمضان بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} إلى قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: ١٨٥] وكان بَيِّنًا في كتاب الله - عز وجل - أَلَّا يجب صومٌ، إلا صوم شهر رمضان، وكان عِلمُ شَهر رمضان- عِند مَن خُوطِب باللَّسان- أنه الذي بين شَعْبانَ وشَوَّال» (١) .

    ج ١ ص ١٥١
  2. وذكره في رواية حَرْمَلةَ عنه بمعناه، وزاد قال: «فَلَمَّا أَعْلَمَ اللهُ النَّاسَ أَنَّ فَرضَ الصَّوم عليهم: شَهر رمضان، وكانت الأَعاجِم تَعُدُّ الشُّهور بالأيام، لا بِالأهِلَّة، وتذهبُ إلى أن الحِسَاب -إذا عُدَّت الشُّهور بالأهلة- يختلف؛ فأبان اللهُ تعالى: أَنَّ الأَهِلَّةَ هي المواقِيتُ للناس والحَجِّ، وذكر الشهور، فقال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ} [التوبة: ٣٦] فَدلَّ على أن الشهور للأهِلَّة؛ إذ جَعلها المواقيتَ، لا ما ذَهَبتْ إليه الأَعاجمُ مِن العَدد بِغير الأَهلة، ثُم بَيَّن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، على ما أنزل الله - عز وجل -، وبَيَّن أَنَّ الشَّهر تِسْعٌ وعِشرون، يعني: أن الشَّهر قَد يَكونُ تِسْعًا وعِشرين، وذلك أنهم قد كانوا يعلمون أن الشَّهرَ يكون ثَلاثين، فَأعْلمَهم أنه قد يكونُ تِسْعًا وعشرين، وأعلمهم أن ذلك للأهلة» .

  3. (٦٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا العباسُ، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله تعالى -في فرض الصوم-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} إلى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٥] .

    ج ١ ص ١٥٢
  4. فبيَّن -في الآية- أنه فَرَضَ الصِّيامَ (١) عليهم عددًا، جعل لهم أن يفطروا فيها، مَرْضَي ومُسَافِرين، ويُحْصُوا حتى يُكْمِلُوا العِدَّةَ، وأخبر أنه أراد بهم اليُسْرَ، وكان قول الله - عز وجل -: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٥] يحتمل معنيين:

    أحدهما: أَنْ لا يَجْعَلَ لهُم صَومَ شَهرِ رَمَضانَ مَرضى، ولا مُسَافِرين، ويَجعلَ عليهم عددًا، إذا مَضَى السَّفَرُ والمَرضُ مِن أَيَّام أُخَر.

  5. ويحتمل: أن يكون إنما أَمَرهُم بالفِطْر في هاتين الحالتين، على الرُّخْصَة إِنْ شَاءُوا؛ لِئَلَّا يُحْرَجُوا إن فَعلُوا.

  6. وكان فَرضُ الصوم، والأمر بالفطر في المرض والسفر: في آية واحدة.

  7. ولم أعلم مخالفًا أَنَّ كُلَّ آيةٍ إنما أُنْزِلَت مُتتابِعَة، لا مُفَرَّقَة (٢) .

  8. وقد تنزل الآيتان في السُّورة مُفَرَّقَتَيْن (٣) فأما آيةٌ (٤) فلا؛ لأن معنى الآية: أنها كلام واحد غير مُنقَطع» (٥) .

    ج ١ ص ١٥٣وقال في موضع آخر من هذه المسألة: «لأن معنى الآية: معنى قطع الكلام» (١) .

  9. فإذ صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان -يعني في السفر- وفَرْضُ شهر رمضان إنما أنزل في الآية؛ عَلِمْنا أَنَّ الآية بِفِطْرِ المَريضِ والمُسَافِرِ: رُخْصَة.

    قال الشافعي - رحمه الله -: «فَمن أَفطَر أيامًا مِن رمضانَ -مِن عُذْرٍ-: قَضَاهُنَّ مُتَفرقَات، أو مجتمعات؛ وذلك أن الله - عز وجل - قال: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ولم يذكرهن متتابعات» (٢) .

  10. وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله تبارك وتعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: ١٨٤] فقيل: يُطِيقُونَه: كانوا يطيقونه ثم عجزوا عنه (٣) فعليهم -في كل يوم- طَعَامُ مِسْكِينٍ» (٤) .

  11. في كتاب الصيام -وذلك بالإجازة- (٥) قال: «والحال التي يَترُكُ بها الكبيرُ الصومَ: أن يكون يَجْهَدُهُ الجَهدَ عن المحتمل، وكذلك المَريض والحامل: إذا خافت على ولدها، وكذلك المُرضِع: إذا أَضرَّ بِلبَنِها الإضرار البَيِّن» (٦) وبسط الكلام في شرحه.

    ج ١ ص ١٥٤وقال في القديم -في رواية الزعفراني عنه-: «سمعتُ مِن أصحابنا من يَتْلُو إذا سُئِلَ عنه: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: ١٨٤] ، فكأنه يتأول إذا لم يُطِق الصَّومَ: الفِدية» .

  12. وقرأت في كتاب حَرْمَلَةَ -فيما روى عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال:

    «جِمَاعُ العُكُوفِ: ما لزم المَرءُ، فَحبَس عليه نَفْسَه مِن شيءٍ، برًّا كان أو مَأثَمًا، فهو عاكِفٌ، واحتج بقوله - عز وجل -: {فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: ١٣٨] ، وبقوله تعالى عمن رضي قوله: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: ٥٢] .

  13. قيل: فهل للاعتكاف المُتبَرَّر، أَصْلٌ في كتاب الله - عز وجل -؟ قال: يعني قال اللهُ - عز وجل -: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: ١٨٧] والعكوف في المساجد، بِرٌّ».