(١١) ما يؤثر عنه في الحج

٤٥ فقرة، ج ١ ص ١٥٥

الصفحة ١ من ٢

  1. (٦٤) وفيما أنبأنا أبو عبد الله الحافظ -إجازةً- أن أبا العباس (١) ، حدثهم، قال: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «الآية التي فيها بيانُ فَرْضِ الحج على مَن فُرضَ عليه (٢) = قولُ الله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] ، وقال تعالى: ... {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] .

    قال الشافعي: أخبرنا ابنُ عُيَيْنة، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن عِكْرِمَةَ، قال: «لما نزلت: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: ٨٥] الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون. فقال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: فَحُجَّهُم، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: حُجُّوا، فقالوا: لم يُكْتَب علينا، وأَبَوا أن يَحُجُّوا، قال الله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: ٩٧] . قال عكرمة: مَن كَفَر مِن أَهْل المِلَلَ؛ فإن الله غنيٌ عن العالمين» (٣) .

    قال الشَّافعيُّ: وما أشبه ما قال عكرمة بما قال واللَّهُ أَعْلَمُ؛ لأن هذا كُفرٌ بفَرْض الحَجِّ، وقد أنزله الله، والكفر بآية من كتاب الله: كُفْرٌ.

    قال الشافعي: أخبرنا مُسلمُ بنُ خَالد، وسَعيدُ بنُ سَالم، عن ابن جُرَيْج،

    ج ١ ص ١٥٦قال: قال مُجَاهِد - في قول الله: {وَمَنْ كَفَرَ} - قال: «هو فيما إنْ حَجَّ لَم يَره بِرًّا، وإنْ جَلَس لَم يَره إِثْمًا» (١) .

    ج ١ ص ١٥٥
  2. كان سعيد بن سالم (٢) ، يذهب إلى أنه كُفرٌ بِفَرض الحَجِّ.

    قال (٣) : «ومن كَفر بآية من كتاب الله - عز وجل - كان كافرًا، وهذا -إن شاء الله- كما قال مجاهد، وما قال عكرمة فيه أَوضَح، وإن كان هذا واضحًا» (٤) .

  3. (٦٥) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] والاستطاعة -في دلالة السنة والإجماع-: أن يكون الرجل يَقدِر على مَرْكَبٍ وزَادٍ يُبَلِّغُهُ ذَاهبًا وجَائِيًا، وهو يَقْوَى على المركب، أو يكون له مالٌ، فَيَستأجِر به مَن يَحُجُّ عنه، أو

    يكون له مَن إذا أَمَرهُ أنْ يَحُجَّ عنه، أطاعه» (٥) . وأطال الكلام في شرحه.

  4. وإنما أرَاد به: الاستطاعة التي هي سَببُ وُجوبِ (٦) الحَجِّ، فأما

    ج ١ ص ١٥٧الاستطاعة التي هي خَلقُ الله تعالى، مع كَسْب العَبد= فقد قال الشافعيُّ في أول كتاب «الرسالة» : «والحمدُ للهِ الذي لا يُؤدَّى شُكرُ نِعمةٍ مِن نِعَمهِ إلا بنعمةٍ منه، تُوجِب على مُؤدِّي مَاضِي نِعَمِه، بأدَائِها: نِعمَةً حَادثَةً يَجب عليه شُكرُه» (١) .

    وقال بعد ذلك: «وأستهديه بهداه (٢) الذي لا يَضِلُّ مَن أَنعَم به عليه» (٣) .

    وقال في هذا الكتاب: «الناس مُتَعبَّدون بأن يقولوا، أو يفعلوا ما أُمِرُوا به (٤) وينتهوا إليه، لا يُجَاوزُونَه؛ لأنهم لم يُعطُوا أنفسَهُم شيئًا، إنما هو عطاءُ اللهِ جَلَّ ثَناؤُهُ، فنسألُ اللهَ عطاءً مُؤدِّيًا لِحَقِّه، مُوجبًا لَمَزيدِه».

  5. وكُلُّ هذا فيما:
  6. (٦٦) أخبرنا أبو عبد الله، عن أبي العباس، عن الربيع، عن الشافعي.

  7. وله- من هذا الجنس- كلامٌ كَثيرٌ يَدُلُّ على صحة اعتقاده في التَّبَرِّي (٥) من حَوْلِه وقُوَّتِه، وأنه لا يستطيع العَبدُ أن يَعملَ بِطَاعَة الله - عز وجل -، إلا بتوفيق الله - عز وجل -، وتَوفِيقُه: نِعمتُه الحَادِثَة التي بها يُؤدَّى شُكرُ نِعمَتِه الماضية، وعطاؤه: الذي به يؤدَّى حَقُّه، وهُدَاهُ: الذي به لا يَضِّلُ من أنعم به عليه.

  8. (٦٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: ١٩٧] قال: «أَشهُر الحَجِّ، شوَّال، وذو القَعْدة، وذو الحَجَّة، وإنما (١) يُفرضُ الحَجُّ في شَوالٍ كُلِّه، وذي القَعدة كُلِّه، وتِسعٍ مِن ذي الحَجَّة، ولا يُفرَض إذا حَلَّتْ (٢) عَشرُ ذي الحَجَّة، فهو من شهور الحَجِّ، والحَجُّ في بعضه دون بعض».

    وقال - في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٦] -: «فَحَاضِرُهُ: مَن قَرُبَ منه، وهو كل مَن كان أَهلُه مِن دُون أَقرب المَواقِيت، دُون لَيْلَتَيْن» .

    ج ١ ص ١٥٨
  9. (٦٨) وأخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله - فيما بلغه- عن وَكِيع، عن شُعْبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن ... عبدِ الله بن سَلَمة، عن عَلِيٍّ، في هذه الآية: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] قال: «أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ مِن دُوَيْرة أَهلِه» (٣) .

  10. (٦٩) وأخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، حدثنا الشافعي، قال: «ولا يَجِبُ دَمُ المُتعَةِ على المُتَمَتِّع، حتى يُهِلَّ بالحَجِّ؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ثَناؤُهُ يقول: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦]

  11. وكان بَيِّنًا في كتاب الله - عز وجل - أن التَّمتُّع، هو التمتع بالإِهلال من العُمرة إلى أن يدخُلَ في الإحرام بالحَج، وأنه إذا دَخَل في الإحرام بالحج، فقد أَكمَل التَمتُّع ومضى التمتع، وإذا مضى بكماله: فقد وَجَب عليه دَمُه، وهو قول عمرو بن دينار» (١) .

    قال الشافعي: «ونحن نقول: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْي: شَاةٌ، ويرويه (٢) عن ابن عباس (٣) .

    ج ١ ص ١٥٩
  12. فإن لم يجد، فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّام فيما بين أنْ يُهِل بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يَصُم؛ صام بعد مِنى بمكة، أو في سَفَرِه، وسَبعةِ أيام بعد ذلك» (٤) .

    وقال في موضع آخر: وسبعة في المرجع (٥) .

    وقال في موضع آخر: إذا رجع إلى أهله (٦) .

  13. (٧٠) وأخبرنا أبو زكريا [ابن أبي إسحاق، حدثنا أبو العباس، حدثنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، حدثنا] (٧) هشام، عن طاوس -فيما أحسِب- أنه قال: الحِجْرُ مِن البَيْتِ، وقال الله - عز وجل -: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٢٩] وقد طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن وراء الحِجر» (٨) .

    ج ١ ص ١٦٠قال الشافعي- في غير هذه الرواية-: «سمعت عددًا مِن أهل العلم من قُريش يذكرون أَنه تُرِكَ مِن الكَعْبَة في الحِجْر، نَحوٌ مِن سِتَّة أَذرُع» (١) .

    وقال - في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: ١٩٦] -: «أما الظاهر، فإنه مأذونٌ بِحِلَاق الشعر للمرض والأذى في الرأس، وإن لم يَمرَض» (٢) .

  14. (٧١) أنبأني أبو عبد الله -إجازة- أن أبا العباس حَدَّثهم، أخبرنا الربيعُ، قال: قال الشافعي - رحمه الله - في الحج في أن للصبي حَجًّا ولم يُكْتَب عليه فَرضُه-: «إن الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ بفَضل نعمته؛ أَثابَ النَّاسَ على الأعمال أَضعَافَها، ومَنَّ على المؤمنين؛ بأن أَلْحَق بهم ذُرِّيَّاتِهم، وَوفَّر عَليهم أَعمالَهُم فقال: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: ٢١] فكما مَنَّ عَلى الذَّرارِي بإدخالهم جَنَّته بلا عَمَلٍ، كان أَنْ (٣) مَنَّ عليهم -بأن يَكْتُب لَهم (٤) عَمَلَ البِرِّ في الحَجِّ، وإن لم يَجِب عليهم- من ذلك المعنى» (٥) .

  15. ثم استدل على ذلك بالسُنَّة.

  16. (٧٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} ... إلى: ... {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) } [البقرة: ١٢٥] قال الشَّافعي: المثابة في

    ج ١ ص ١٦١كلام العرب: المَوضِعُ يَثُوب الناسُ إليه ويَئُوبُون، يَعُودُون إليه بعد الذَّهَاب عنه.

  17. وقد يُقَال: ثَابَ إليه: اجْتمع إليه. فالمثابة تُجَمِّع الاجتماع ويئوبون: يجتمعون إليه (١) : راجعين بعد ذهابهم عنه، ومبتدئين.

    قال وَرَقَةُ بنُ نَوْفَل (٢) ، يَذكُرُ البَيْتَ:

    مَثَابًا لأفْنَاءِ القَبَائِل كُلِّها ... تَخُبُّ إليْه اليَعْمَلاتُ الذَّوَابِلُ (٣)

    وقال خِدَاشُ بنُ زُهَير (٤) :

    فَمَا بَرِحَتْ بَكْرٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ... ويَلْحَقُ منهُم أَوَّلونَ وَآخِرُ (٥)

    قال الشافعي: وقال الله تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا (٦) أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: ٦٧] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: آمنًا من صار

    ج ١ ص ١٦٢إليه، لا يُتَخَطَّف اختطاف مَن حولهم.

  18. وقال الله - عز وجل - لإبراهيم خليله - عليه السلام -: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: ٢٧] .

    قال الشافعي: سمعت مَن أرضى من أهل العلم يذكر أن الله - عز وجل - لما أمر بهذا، إبراهيم - عليه السلام -: وقف على المقام، فصاح (١) صَيحةً: عبادَ الله، أجيبُوا داعِيَ الله، فاستجاب له حتى مَن في (٢) أَصْلابِ الرجال، وأَرحَامِ النساء، فَمن حَجَّ البيتَ بعد دَعوتِه؛ فَهُو مِمَّن أجاب دعوتَه، ووافاه مَن وَافاه، يقولون: لَبَّيكَ داعي رَبِّنا لَبيك» (٣) .

  19. وهذا - من قوله: «وقال لإبراهيم خليله» - إِجازَةً، وما قبله قِراءَةً (٤) .

  20. (٧٣) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَمُّ، أخبرنا الربيع، قال: سألتُ الشَّافِعيَّ عَمَّن قَتل مِنَ الصَّيد شيئًا وهو مُحْرِمٌ؟ فقال: «مَن قَتل مِن دَوَابِّ (٥) الصَّيد، شيئًا، جزاه بمثله مِنَ النَّعَم؛ لأن اللهَ تعالى يقول: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] . والمِثلُ لا يَكونُ إلا لِدَوابِّ (٦) الصَّيد، فأما الطائر، فلا مِثلَ له، ومِثلُهُ: قيمته، إلا أنَّا نَقولُ في حَمَام

    ج ١ ص ١٦٣مَكة -اتِّباعًا للآثار-: شاة» (١) .

  21. (٧٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي- في قوله - عز وجل -: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] -: «والمِثْلُ واحِدٌ، لا أمثال، فكيف زَعمتَ أنَّ عَشَرةً لو قتلوا صَيدًا؛ جَزَوْهُ بِعشْرَة أمثال» (٢) .

  22. وجرى في كلام الشافعي -في الفَرق بين المِثل وكَفَّارة القتل-أن الكفارة مُؤَقَّتة، والمِثل غير مؤقت، فهو بالدِّية والقِيمَة، أشبه، واحتج في إيجاب المثل في جزاء دوابِّ (٣) الصيد -دون اعتبار القيمة- بظاهر الآية، قال الله - عز وجل -: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] .وحَكَم عُمَرُ، وعبدُ الرحمن، وعُثمانُ، وابنُ عباس، وابنُ عمر، وغيرُهم - رضي الله عنهم - في بلدان مختلفة، وأزمان شتى-: بالمثل مِن النَّعَم، فَحكَم حَاكِمُهُم في النَّعَامة: بِبَدَنة والنعامة لا تساوي بدنة، وفي حِمار الوحش: ببقرة، وهو لا يسوي بقرة، وفي الضبع: بِكبْش، وهو لا يسوي كبشًا، وفي الغزال بِعَنْز: وقد يكون أكثر ثمنًا منها أضعافًا، ومِثلها ودُونها، وفي الأرنب: بِعَنَاق، وفي اليَربُوع: (٤) بِجَفْرَة (٥) ، وهما لا يَسْويَان عَناقًا (٦) ولا جَفْرةَ أبدًا.

  23. فهذا يَدُلُّك على أنهم إنما نظروا إلى أقرب ما قُتِل من الصيد شَبهًا بالبُدْن، لا بالقيمة، ولو حكموا بالقيمة؛ لاختلفت أحكامهم؛ لاختلاف أسعار ما يقتل في الأزمان والبلدان» (١) .

    ج ١ ص ١٦٤
  24. (٧٥) أخبرنا أبو زَكَريَّا ابنُ أبي إسْحَاقَ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سِعيدُ بن سَالِم، عن ابن جُرَيج، قال: قلت لِعَطاءٍ: قول الله - عز وجل -: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: ٩٥] . قلت (٢) : فَمَن قتله خَطأً، أيغرم؟ قال: نعم؛ يُعَظِّم بذلك حُرماتِ الله، ومَضَت به السُّننُ» (٣) .

    قال (٤) : «وأخبرنا مسلمٌ، وسَعِيدٌ، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت الناس يُغَرَّمُون في الخَطَإِ» (٥) .

  25. وروى الشافعي (٦) في ذلك حديثَ عُمَرَ، وعبدِ الرَّحمن بن عَوْفٍ - رضي الله عنهما -، في رجلين أَجْرَيا فَرسَيْهما، فأصابا ظَبيًا (٧) وهما مُحرمان، فَحكمَا عليه بِعَنْز،

    ج ١ ص ١٦٥وقرأ عمر - رضي الله عنه -: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: ٩٥] .

  26. وقاس الشَّافعيُ ذلك في الخَطإ على قتل المؤمن خطأً، قال الله تعالى:

    {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] والمَنع عَن قتلهما (١) عام، والمسلمون لم يُفرِّقُوا بين الغُرم في الممنوع مِن النَّاس والأموال في العمد والخطإ (٢) .

  27. (٧٦) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشَّافعي، قال: «أَصْلُ الصيد الذي أُمِر المُحرِم أن يَجْزيَه بدلالة القرآن والسنة والمعقول = الصَّيد الذي يُؤكلُ لَحْمُه، وإن كان غَيره يُسَمى صيدًا.

  28. ألا ترى إلى قول الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: ٤] الآية (٣) ، معقول عندهم أنه إنما يرسلونها على ما يُؤكَل، أولا ترى إلى قول الله - عز وجل -: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: ٩٤] ، وقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: ٩٦] . فدل جَلَّ ثَنَاؤُهُ على أنه إنما حَرَّم عليهم -في الإحرام- صَيدَ البَرِّ ما كان حَلالًا لهم قَبل الإحرام يَأكُلوهُ» (٤) .

  29. زاد في موضع آخر: «لأنه واللَّهُ أَعْلَم لا يُشْبِه أن يكونَ حُرِّم في الإحرام

    ج ١ ص ١٦٦خَاصَّةً، إلا ما كان مُباحًا قَبلَه، فأما ما كان مُحَرَّما على الحَلال، فالتَّحريمُ الأول كَافٍ منه» (١) .

    قال: ولولا أن هذا معناه ما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلب العَقُور، والعَقْرب، والغُرَاب، والحِدَأة، والفَأْرة يعني (٢) : في الحل والحرم، ولكنه إنما أباح لهم قَتْل (٣) ما أَضَر مِمَّا لا يُؤكَل لَحمُه. وبسط الكلام فيه.

  30. (٧٧) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم، عن ابن جُرَيج، عن عَطَاءٍ، قال: لا يَفْدِي المُحرمُ مِنَ الصَّيد، إلا ما يؤكل لحمه» (٤) .

  31. (٧٨) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازة- أن أبا العباس حدثهم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: قول الله - عز وجل -: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: ٩٥] قال: عفا الله عما كان في الجاهلية. قلت: وقوله (٥) : {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: ٩٥] وعليه في ذلك الكفارة» (٦) .

  32. وشَبَّهَ الشَّافِعيُّ - رحمه الله - ذلك: بِقَتل الآدَمي، والزِّنا وما فيهما، وفي الكُفر

    ج ١ ص ١٦٧مِن الوَعيد في قوله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} إلى قوله: ... {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: ٦٩] وما في كل واحد منهما (١) مِن الحُدود في الدُّنيا = دَلَّ هذا على أنَّ النِّقمة في الآخِرة، لا تُسقِط حُكمًا غيرها في الدنيا» (٢) .

  33. (٧٩) أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سَعيدٌ، عن ابن جُرَيج، [عن عمرو بن دِينَارٍ قال: «كُلُّ شَيءٍ في القُرآن «أَوْ، أَوْ» : له أَيُّهُ شاء (٤) . قال ابن جريج: ] (٣) إلا قولَ اللهِ - عز وجل -: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: ٣٣] فليس بِمُخَيَّر فيها» (٥) .

    قال الشافعي: كما قال ابنُ جُريج وغَيره (٦) ، في المحارب وغيره -في هذه المسألة- أقول» (٧) .

  34. ورواه أيضًا سعيدٌ، عن ابن جُرَيج، عن عَطَاءٍ: «كُلُّ شيءٍ في القُرآن «أو» ، يَختَارُ منه صَاحبُه ما شاء» (٨) .

  35. واحْتَجَّ الشافعيُّ في الفِديَة بِحديث كَعْبِ بن عُجْرَةَ (١) .

    ج ١ ص ١٦٨
  36. (٨٠) وأخبرنا أبو زكريا، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيدٌ، عن ابن جريج، قلت لعطاء: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: ٩٥] قال: «مِن أَجْل أَنَّه أصابه في حَرَمٍ -يُريدُ (٢) البيتَ- كَفَّارةُ ذلك عندَ البيت» (٣) .

  37. فأما الصوم:

    (٨١) فأخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعيُّ: «فإن جَزائه بالصوم حيث شاء؛ لأنه لا مَنفَعةَ لمساكين الحَرَم، في صِيامه» (٤) .

  38. واحْتَجَّ فيما:
  39. (٨٢) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازة- عن أبي العباس، عن الربيع، عن الشافعي، فقال: «أَذِن اللهُ للمُتَمَتِّع أن يكونَ صَومُه ثَلاثَة أَيَّام في الحَجِّ، وسَبْعَة إذا رَجَع، ولم يَكُن في الصَّوم مَنفعَةٌ لِمسَاكينَ الحَرم، وكان على بَدَن الرَّجُل، وكان عَملًا بِغَير وَقت، فيعمله حيث شاء» (١) .

    ج ١ ص ١٦٩
  40. (٨٣) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافعِيُّ، قال: «الإِحْصَارُ الذِي ذَكر اللهُ تَبارَك وتَعَالى (٢) فقال: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦] = نَزلَ يَومَ الحُدَيْبِيَة، وأُحْصِر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - (٣) ، فَمَن حَال بَينَه وبَيْن البَيتِ مَرَضٌ حَابِس، فَليْس بِداخِلٍ في مَعنى الآيَة؛ لأنَّ الآيةَ نَزلت في الحَائِل مِن العَدُوِّ واللَّهُ أَعْلَم» (٤) .