(١٣) ما يؤثر عنه في قسم الفيء، والغنيمة، والصدقات
١٨ فقرة، ج ١ ص ١٨٣
- ج ١ ص ١٨٣
(٩٦) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازةً- أنَّ أبا العباس حدَّثهُم
أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: ٤١] ، وقال تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} إلى قوله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر: ٦ - ٧] .
قال الشافعي: فَالْفَيءُ والغَنِيمَة يَجتمعان في أَنَّ فِيهِما الخُمْس مِن جميعهما، لِمَن سَمَّاه اللهُ له، ومَن سَمَّاه الله له في الآيتين معًا سواء مُجتمعين غَير مُتفرقين.
-
ثم يَفترقُ الحُكم في الأربعة الأَخْماس، بما بَيَّن اللهُ تبارك وتعالى على لِسانِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - وفي فعله، فإنه قَسم أَربعة أَخْمَاس الغَنيمة، والغنيمةُ: هي المُوجَف عَليها بالخَيْل والركاب لِمن حَضَر مِن غَنِيٍّ وفقير، والفَيء هُو: ما لم يُوجَف عَليه بِخَيْل ولا رِكَاب.
-
فكانت سُنةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في قُرى عُرَينة (١) -التي أفاءها الله عليه-: أنَّ أربعةَ أَخمَاسِها لِرسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خَاصة دُون المُسلمين، يَضَعُه رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
ج ١ ص ١٨٤حيثُ أَراه اللهُ تعالى» (١) .
-
وذَكر الشافعيُّ هاهنا حديثَ عُمرَ بن الخَطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «كانت أموالُ بني النَّضِير مِمَّا أفاء اللهُ عَلى رسوله، مِمَّا لم يُوجِف عَليه المُسلمون بِخَيل ولا رِكَاب، فكانت لِرسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّة (٢) دون المسلمين، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُنفِقُ منها على أهله نَفَقةَ سَنَة، فَما فَضل جَعلَه في الكُراع والسِّلاح عُدَّة في سَبيل اللهِ - عز وجل -» (٣) .
قال الشافعي - رحمه الله -: «هذا كلامٌ عَربيٌّ، إنما يعني عمرُ - رضي الله عنه -: لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة، ما كان يكون للمسلمين المُوجِفِين، وذلك أربعة أخماس، فاستدللتَ بخبر عُمر عَلَى أَنَّ الكُلَّ ليس لأهل الخُمُس، واسْتَدللتُ بقول الله تبارك وتعالى في الحشر: {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر: ٧] = على أَنَّ لهم الخُمس، وأنَّ الخُمُسَ إذا كان لهم، فلا يُشَك (٤) أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَلَّمَهُ لهُم.
- ج ١ ص ١٨٥
واستدللنا إذ كان حكم الله في الأنفال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: ٤١] فاتَّفق الحُكْمان، في سُورة الحَشر وسورة الأنفال، لقوم موصوفين، أَنَّ ما لَهُم مِن ذلك الخُمس، لا غيره (١) » (٢) .
-
وبسط الكلام في شرحه.
قال الشافعي: «[وَوجَدتُ اللهَ - عز وجل - حَكَم في الخُمُس: بِأنَّه عَلى خَمسَة؛ لأن قول الله - عز وجل -: {لِلَّهِ} مِفْتَاحُ كَلامِ: لله كل شيء، وله الأمرُ مِن قَبل، ومِن بعد» (٤) .
قال الشافعي: ] (٣) «وقد مضى من كان (٥) يُنفِقُ عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم أعلم أن أحدًا مِن أهل العِلْم قال: لورثتهم تلك النفقة، ولا خالف في أَن تُجْعَل تِلك النفقات حيثُ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَجعل فُضُول غَلات تِلك الأموال، مِمَّا فيه صَلاحُ الإِسلامِ وأَهلِه» (٦) . وبسط الكلام فيه.
قال الشافعي - رحمه الله -: «ويُقْسَم سَهمُ ذِي القُربى على بَني هَاشِم وبَني المُطَّلِب» (٧) .
- ج ١ ص ١٨٦
واسْتدَلَّ بحديث جُبَيْر بن مُطْعِم في قِسمَة رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَهْمَ ذِي القُربى، بَيْن بني هاشم وبَني المُطَّلِب، وقوله: «إنما بَنو هَاشِم وبَنو المُطَّلِب شَيءٌ واحِد» (١) .
-
وهو مذكور بشواهده في موضعه من كتاب «المبسوط» ، و «المعرفة» (٢) ، و «السنن» (٣) .
قال الشافعي - رحمه الله -: «كُلُّ مَا حُصِّل مِمَّا غُنِم مِن أَهْل دَار الحَرب
قَسْمٌ كُلُّه، إلا الرِّجال البَالَغِين، فالإمام فيهم بالخيار، بَين أَن يَمُنَّ على مَن رَأى مِنهُم أو يَقْتُل، أو يُفَادِي، أو يَسْبِي.
-
وسَبيلُ ما سَبى (٤) ، ومَا أَخَذ مِمَّا فَادَى: سَبيلُ ما سِواه مِن الغَنيمَة» (٥) .
-
واحتج في القديم بقول الله - عز وجل -: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: ٤] وذلك -في بيان اللغة- قبل انقطاع الحرب.
قال: وكذلك فَعَل رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في أُسَارى بدر، مَنَّ عَليهم، وفَدَاهُم،
ج ١ ص ١٨٧والحَرب بينه وبين قُريش قَائِمَة، وعَرَض على ثُمَامَة بنِ (١) أُثَال -وهو يَومِئذٍ وقَومُه أهل اليمامة حَربٌ لِرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ يَمُنَّ عليه.
-
وبسط الكلام فيه (٢) .
-
(٩٧) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، حدثنا أبو العَباسِ محمدُ بن يَعقُوبَ، أخبرنا الربيعُ بن سليمان، قال: قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: ٦٠] الآية.
-
فَأحْكَم اللهُ فَرْضَ الصَّدقاتِ في كتابه ثم أَكَّدها، فقال: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [التوبة: ٦٠] فليس لأحد أن يَقْسِمها على غير ما قَسمها الله - عز وجل -، وذلك ما كانت الأَصنافُ مَوجُودة؛ لأنه إنما يُعطِي مَن وَجَد، كقوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: ٧] الآية، وكقوله: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: ١٢] وكقوله: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: ١٢] فَمَعقولٌ -عن الله - عز وجل - فَرضُ هذا لِمَن كان موجودًا يَومَ يموتُ المَيِّت، وكان معقولًا أنَّ هذه السُّهمان لِمن كان موجودًا يَومَ تُؤْخَذ الصَّدَقة وتُقْسَم، فإذا (٣) أُخِذَت صَدقَةُ قَومٍ فَقُسِمَت على مَن مَعَهُم في دارهم مِن أهل السهمان ولم تَخْرُج مِن جِيرانهم حتى لا يبقى مِنهُم أحد يَسْتَحِقُّها» (٤) .
- ج ١ ص ١٨٨
ثم ذكر تفسير كل صِنف مِن هؤلاء الأصناف الثمانية وهو:
(٩٨) فيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازة- قال: حدثنا أبو العباس محمدُ بن يعقوب، أخبرنا الربيعُ بن سليمان، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «فأهل السُّهمان يجمعهم (١) : أَنهُم أهلُ حَاجَة إلى ما لهم منها كُلُّهم، وأسبابُ حَاجتهم مختلفة، وكذلك أسباب اسْتحْقَاقِهم بِمعانٍ مختلفة يَجمعُها الحاجة، ويُفَرِّق بينها صِفاتُها، فإذا اجتمعوا، فالفَقُراءُ الزَّمْنَى (٢) الضِّعَاف الذين لا حِرْفَة لهُم، وأهلُ الحِرْفَة الضَّعِيفة الذين لا تَقَع حِرفَتُهُم مَوقِعًا مِن حَاجَتِهم، ولا يسألون النَّاس، والمَسَاكِينُ السُّؤَّال، ومَن لا يَسْأل مِمَّن له حِرفة تَقَع منه موقعًا، ولا تُغنِيه ولا عِيالَه» (٣) .
وقال في كتاب فرض الزكاة: «الفقير (٤) واللَّهُ أَعْلَم: مَن لا مَالَ له، ولا حِرفة تَقعُ منه مَوقِعًا، زَمِنًا كان أو غَيرَ زَمِنٍ، سائِلًا كان أو مُتَعَفِّفًا، والمسكين: مَن له مَالٌ، أو حِرفَةٌ تَقَعُ منه مَوقعًا، ولا تُغْنِيه، سَائِلًا كَان أو غَيرَ سَائِلٍ.
قال الشافعي: والعَامِلُون عليها: المُتَوَلُّون لِقَبضِها مِن أَهلها مِن السُّعَاة، ومَن أَعَانهم مِن عَرِيفٍ، ومَن لا يُقْدَر عَلى أَخْذِها إلا بِمَعُونَتِه، سواءٌ كانوا أَغنياء، أو فقراء» (٥) .
وقال في موضع آخر: «مَن وَلَّاهُ الوَالِي (٦) قَبْضَها، وقَسْمَها.
- ج ١ ص ١٨٩
ثم ساق الكلام، إلى أن قال: يَأخُذُ مِن الصَّدَقة، بِقَدْر غِنَائِه لا يُزَاد عَليه» (١) .
-
وأَطَالَ الشافعيُّ الكلامَ في المُؤَلَّفَة قُلوبُهم، وقال في خلال ذلك: «وللمُؤَلَّفة قلوبهم في قَسْم الصدقات سَهمٌ، والذي أحفظ فيه -مِن مُتَقَدِّم الخَبر-أَنَّ عَديَّ بنَ حَاتِم، جَاء أبا بَكر الصِّديق - رضي الله عنه - أحسبه قال-: بِثَلاثِمَائة مِن الإبل مِن صَدَقاتِ قَومِه، فأعطاه (٢) أبو بكر - رضي الله عنه - منها ثَلاثِينَ بعيرًا وأَمَره أَن يَلْحَق بِخَالِد بنِ الوَلِيد، بِمَن أَطَاعَهُ مِن قَومِه، فجاءه (٣) بِزُهَاء أَلف رَجُل، وأَبلى بلاءً حَسنًا.
قال: ولَيس في الخَبر-في إِعْطَائِه إِيَّاها- مِن أين أَعطَاه إِيَّاها، غير أن الذي يكاد أَن يعرف القلبُ بالاستدلال بالأخبار واللَّهُ أَعْلَمُ أنه أعطاه إياها، مِن سَهم المؤلفة قلوبهم، فإما (٤) زادَه لِيُرَغِّبه فيما صَنع، وإِمَّا أَعطَاه إيَّاه لِيتَأَلَّف به غَيرَه مِن قَومِه، مِمَّن لا يَثِقُ منه، بِمثل ما يَثِقُ به مِن عَدي بن حَاتِم.
قال: فأرى أَن يُعْطَى مِن سَهْم المُؤَلَّفَةِ قلوبهم-في مثل هذا المعنى- إِنْ نَزلَت بالمُسْلِمين نَازِلَةٌ، ولَن تَنزِلَ إن شاء الله تعالى» (٥) .
-
ثم بسط الكلام في شرح النازلة (٦) .
ج ١ ص ١٩٠قال: «والرِّقَاب: المُكَاتَبُونَ مِن جِيرانِ الصَّدَقَة.
قال: والغَارمُون: صِنْفان: صِنفٌ دَانُوا في مَصْلَحَتِهم، أو مَعرُوف، وغير مَعْصِية، ثم عَجزوا عن أَدَاء ذَلك في العَرَض (١) والنَقْد، فَيُعْطَون في غُرمِهم لِعَجزِهم، وصِنف: دانوا في حَمَالاتٍ، وصلاحِ ذَاتِ بَيْن، ومَعروفٍ، ولهم عُرُوض تَحْمِلُ حَمَالاتهم، أو عَامَّتَها، وإنْ بِيعَت أَضَرَّ ذلك بهم، وإن لم يَفْتَقِروا، فَيُعْطَى هَؤلاء حتى يَقْضُوا غُرْمَهُم» (٢) .
قال: «وسَهمُ سَبيلِ اللهِ: يُعْطَى مِنه، مَن أَرَادَ الغَزْوَ مِن جِيرانِ الصَّدَقة، فَقِيرًا كان أو غَنِيًّا.
قال: وابن السَّبيل: مِن جِيرَانِ الصَّدَقَة، الذين يُريدُون السَّفَرَ في غَير مَعْصِية، فَيَعْجزون عن بُلوغ سَفرِهِم، إلا بِمَعُونة عَلى سَفَرهم» (٣) .
وقال في القديم: قال بعض أصحابنا: هو لِمَن مَرَّ بِمَوضِع المُصَّدِّق
مِمَّن يَعْجز عَن بُلُوغِ حَيثُ يُريد، إلا بمعونة.
قال الشافعي: وهذا مذهب واللَّهُ أَعْلَمُ.
-
والذي قاله في القديم- في غير روايتنا-: إنما هو في رواية الزعفراني، عن الشافعي (٤) .