(١٤) ما يؤثر عنه في النكاح، والصدقات، وغير ذلك

٧٩ فقرة، ج ١ ص ١٩١

الصفحة ١ من ٢

  1. (٩٩) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازةً-، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «وكان مِمَّا خَصَّ اللهُ به نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم -، قوله تعالى: ... {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: ٦] . وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: ٥٣] ، فَحَرَّم نِكَاحَ نِسَائِه مِن بَعدِه على العَالَمِين، وليس هكذا نِسَاءُ أَحَدٍ غَيرِه.

    وقال الله - عز وجل -: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [الأحزاب: ٣٢] ، فَأبَانَهُنَّ (١) به مِن نِساء العَالَمين.

    ج ١ ص ١٩١
  2. وقوله: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} مِثل ما وَصَفت من اتِّساع لسان العرب، وأن الكلمة الواحدة تَجمعُ معاني مُخْتَلِفة.

  3. ومِمَّا وَصفتُ مِن أَنَّ اللهَ أَحْكَم كثيرًا مِن فَرائِضِه بِوَحْيهِ، وسَنَّ شَرائعَ واختلافها، عَلى لِسان نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، وفي فعله، فقوله: {أُمَّهَاتُهُمْ} يعني: في معنى دون معنى، وذلك أنه لا يَحِلُّ لهم نِكَاحُهُنَّ بِحَال، ولا يحرم عليهم نِكَاح بَناتٍ لَو كُنَّ لَهُنَّ، كما يَحرُم عليهم نِكاح بَناتِ أُمَّهَاتِهم اللاتي ولدنهم، أو أرضعنهم» (٢) .

  4. وذكر الحُجَّة في هذا.

    ج ١ ص ١٩٢ثم قال: «وقد ينزلُ القُرآنُ في النَّازلة، ينزلُ عَلى ما يَفْهمه مَن أُنزلَت فيه، كالعامة في الظاهر، وهي يُراد بها الخاص، والمَعنى دون ما سِواه.

  5. والعربُ تقولُ للمَرأة تَرُبُّ أَمْرَهُم: أُمَّنا، وأم العيال. وتقول ذلك للرجل يَتَولَّى أَن يَقُوتَهُم: أم العيال، يعني: أَنه وَضَع نفسَه مَوضِع الأُمِّ التي تَرُبُّ أَمر العِيَال.

  6. قال تَأَبَّطَ شَرًّا وهو يَذكُر غَزَاةٍ غَزاها، ورَجُلٌ مِن أَصحَابه وَلِيَ قُوتَهُم:

    وأُمَّ (١) عِيالٍ قَد شَهِدْتُ تَقُوتُهم.

  7. وذكر باقي (٢) البيت، وبيتين آخرين معه (٣) .

    قال الشافعي - رحمه الله -: وقلت (٤) : الرَّجُل يُسمَّى أُمًّا، وقد تقول العرب للناقة، والبقرة، والشاة، والأرض: هذه أُمُّ عِيالِنا على معنى: التي تقوت عيالنا. وقال الله - عز وجل -: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [المجادلة: ٢] يعني: أن اللائي ولدنهم أُمَّهاتُهم بكل حال الوارثات الموروثات، المُحَرَّمات بأنفسهن، والمُحَرَّم بِهِن غَيرُهُن

    ج ١ ص ١٩٣اللائِي لم يَكُنَّ قَط إلا أمهات، ليس اللائي يُحدِثْن رَضَاعًا للمولود، فَيكُنَّ به أُمَّهات، ولا أمهات المؤمنين اللائي حَرُمْن بأنهن أَزواج النَّبيِ - صلى الله عليه وسلم -» (١) .

  8. وأطال الكلام فيه.

    ثم قال: «وفي هذا دَلالَةٌ على أَشباهٍ له مِن (٢) القرآن، جَهِلَها مَن قَصُر عِلْمُه باللسانِ والفْقه» (٣) .

  9. وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «وذكر عبدًا أكرمه، فقال: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} [آل عمران: ٣٩] . والحَصُور: الذي لا يأتي النساء» (٤) .

  10. وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «حَتْمٌ لازِمٌ لأولياء الأَيَامَى (٥) ، الحَرَائِر البَوالِغ إذا أَرَدْن النكاح، ودعون إلى رَضِي (٦) مِن الأزواج = أن يُزَوِّجُوهُن؛ لقول الله - عز وجل -: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٢] . فإن شُبِّه على أَحَدٍ بِأَنَّ مُبتَدأ الآية على ذِكر الأزواج، ففي الآية دلالةٌ على (٧) أنه إنما نَهى عن العَضْل للأولياء؛ لأن الزوجَ إذا طَلَّق، فَبلغت المرأةُ الأَجَل = فهو أبعد الناس

    ج ١ ص ١٩٤منها، فكيف يَعْضُلُها مَن لا سَبيل، ولا شِرك له في بُضْعِها (١) ؟

  11. فإن قال قائل: قد يحتمل: إذا قَارَبْن بُلوغَ أَجلِهن؛ لأن الله تعالى يقول للأزواج: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: ٢٣١] الآية. يعني: إذا قاربن بلوغ أجلهن.

    قال الشافعي: فالآية تَدُلُّ على أَنَّه لم يُرِد بها (٢) هذا المعنى، وأنها لا تَحتمِلُه؛ لأنها إذا قاربت بلوغ أجلها، أو لم تبلغها، فقد حَظَر الله - عز وجل - عليها أن تُنْكَح؛ لقول الله - عز وجل -: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: ٢٣٥] فلا يَأمُر بأن لا يَمْنَع مِن النِّكاح مَن قَد مَنعَها منه، إنما يأمر بأن لا يَمْنَع مِمَّا أباح لها، مَن هو بِسَبَبٍ مِن مَنعِها.

    قال: وقد حَفِظ بعضُ أهلِ العِلْم أن هذه الآية نَزلت في مَعْقِل بن يَسَار، وذلك: «أنه زَوَّج أُختَه رَجلًا، فطلقها وانْقَضَت عِدَّتُها، ثم طَلبَ نِكَاحَها وطَلَبَتْه، فقال: زَوَّجْتُكَ -دون غَيرِك- أختي، ثم طَلَّقْتَها، لا أُنْكِحُكَ أبدًا، فنزلت: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: ٢٣١] » . (٣)

  12. «قال: وهذه الآية أَبْيَنُ آيةٍ في كتاب الله - عز وجل - دلالةً على أنْ لَيسَ للمرأة الحُرَّة أن تُنْكِحَ نَفْسَها» . (٤)

  13. «وفيها: دلالة على أن النَّكَاحَ يَتِمُّ بِرضى الوَلِيِّ مَع المُزَوَّج والمُزَوَّجَة» (١) .

    قال الشَّيخُ - رحمه الله -: هذا الذي نقلته من كلام الشافعي - رحمه الله - في أمهات المؤمنين، إلى هاهنا: بعضه لي مَسمُوعٌ قِرَاءًة على شَيخِنا (٢) ، وبعضه غير مسموع، فإنه لم يسمعه (٣) في النقل، فَرَويتُ الجميعَ بالإجازة، وبالله التوفيق.

    ج ١ ص ١٩٥
  14. واحتج أيضًا في اشتراط الولاية في النكاح بقوله - عز وجل -: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: ٣٤] وبقوله تعالى في الإماء: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: ٢٥] (٤) .

  15. (١٠٠) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشَّافِعيُّ، قال: «قال الله - عز وجل -: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: ٣٢] . قال: ودَلَّت أَحكامُ اللهِ، ثم رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أن لا مِلْك للأولياء على أياماهم، وأياماهم الثيبات، قال الله - عز وجل -: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: ٢٣٢] وقال تعالى في المُعْتَدَّات: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٤] الآية، وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: الأَيِّمُ أَحَقُّ بنفسها مِن وَلِيِّها، والبِكْرُ تُسْتَأْذَن في نَفْسِها (٥) » سوى ذلك.

  16. ودَلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ على أن المَمَالِيكَ لِمَن مَلَكَهُم، لا يَملِكُون مِن أَنفسِهِم، ولم أعلم دليلًا على إيجاب صَالحِي العَبيد والإماء كَما وَجَدتُ الدلالة على إنكاح الحرائر إلا مطلقًا، فَأَحَبُّ إليَّ أن يُنْكَح مِن العبيد والإماء، ثم صالحوهم خاصة، ولا يَبِينُ لي أن يُجْبَرَ أحدٌ عليه؛ لأن الآية محتملة أن تكون أُرِيدَ بها الدلالة، لا الإيجاب» (١) .

    ج ١ ص ١٩٦
  17. وذهب في القديم: إلى أن للعبد أن يشتري إذا أذن له سيده، وأجاب عن قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: ٧٥] بأن قال: «إنما هذا -عندنا- عَبْدٌ ضَرَبَهُ اللهُ - عز وجل - مثلًا، فإن كان عبدًا فقد يزعم أن العبد يقدر على أشياء، منها ما يُقِرُّ به على نفسه مِن الحدود التي تُتْلِفُه وتنقصه. ومنها ما إذا أُذِن له في التجارة، جاز بيعُه وشراؤُه وإقرارُه، فإن اعْتُل بالإذن، فالشِّرى بإذن سيده أيضًا، فماله (٢) يملك بأحد الإذنين، ولا يملك بالآخر؟ ».

  18. ثم رجع عن هذا، في الجديد واحتج بهذه الآية، وذكر قوله تعالى: ... {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: ٥ - ٦] «فدل كتابُ الله - عز وجل - على أن ما أباح بالفَرْج، فإنما أباحه من أحد وجهين: النكاح، أو ما مَلَكَت اليمينُ، فلا يكون العبد مالكا بحال» (٣) .

  19. وبسط الكلام فيه.

  20. (١٠١) أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق -في آخرين- قالوا: حدثنا أبو العَباس الأَصَم، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال في قول الله - عز وجل -: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: ٣] «إنها منسوخة، نَسخَها قولُ الله - عز وجل -: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: ٣٢] ، فهي من أيامى المسلمين» .

    ج ١ ص ١٩٧
  21. قال الشافعي - رحمه الله - في غير هذه الرواية-: «فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء الله - عز وجل -، وعليه دلائل من القرآن والسنة» (١) .

  22. وذكر الشافعي - رحمه الله - سائر ما قيل في هذه الآية، وهو منقول في «المبسوط» ، وفي كتاب «المعرفة» (٢) .

  23. (١٠٢) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله تبارك وتعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: ٣] فكان بَيِّنًا في الآية واللَّهُ أَعْلَم أنَّ المخاطبين بها: الأحَرار؛ لقوله تعالى: (٣) {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ؛ لأنه لا يَمْلِك إلا الأحرار، وقوله تعالى: ٣) ... {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} [النساء: ٣ - ٤] . وإنما يَعُولُ

    مَن له المَال، ولا مالَ للعبد» (٤) .

  24. وبهذا الإسناد، عن الشافعي: أنه تلا هذه الآيات التي وَرَدَت في القرآن في النكاح والتزويج، قال: «فأسمى اللهُ - عز وجل - النكاحَ اسمين: النِّكَاح، والتَّزويِج.

    ج ١ ص ١٩٨
  25. وذكر آية الهبة، وقال: فأبان جَلَّ ثَنَاؤُهُ أنَّ الهِبَة لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دون المؤمنين.

    قال: والهبة واللَّهُ أَعْلَمُ: تجمع أن يَنعَقِد له عليها عُقْدةُ النكاح، بأن تَهَب نَفسَها له بلا مَهر، وفي هذا دلالة على أن لا يجوز نِكاح إلا باسم النكاح، والتزويج» (١) .

  26. (١٠٣) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: ٢٣] دُونَ أَدعيائِكم الذين تُسَمُّونَهم أبناءَكُم» .

  27. واحتج عليه (٢) بما هو منقول في كتاب «المعرفة» (٣) .

    ثم قال: «وحرمنا بالرضاع بما حَرَّم اللهُ؛ قياسًا عليه، وبما قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه يَحْرُمُ مِن الرَّضَاع ما يحرم مِن الولادة» (٤) .

    وقال في قوله - عز وجل -: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: ٢٢] وفي قوله - عز وجل -: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: ٢٣] : «كان أَكبَرُ وَلدِ الرَّجُل يَخْلُفُ عَلى امرأةِ أَبيه،

    ج ١ ص ١٩٩وكان الرجلُ يَجمَعُ بين الأختين، فَنهى اللهُ - عز وجل - عن أَنْ يكونَ منهم (١) أَحدٌ يَجمَع في عُمُرِه بَين أُخْتَين، أو يَنكِحَ (٢) ما نَكَح أبُوه، إلا ما قَد سَلَف في الجَاهليَّة، قَبلَ عِلْمِهم بِتَحريمِه، ليس أنه أَقَرَّ في أَيدِيهم، ما كانوا قد جَمَعُوا بينه، قبل الإسلام» (٣) .

  28. وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «مَن تَزَّوج امرأةً، فَلم يَدخُل بها حتى ماتت، أو طَلَّقها، فلا بأس أَن يَتزوَّج ابنتَها، ولا يجوز له عَقدُ (٤) نِكاح أمِّها؛ لأن الله - عز وجل - قال: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: ٢٣] » (٥) .

  29. زاد في كتاب الرضاع: «لأَنَّ الأُمَّ مُبهَمةُ التَّحريم في كتاب الله - عز وجل -، ليس فيها شرط، إنما الشرط في الرَّبائِب. ورواه عن زيد بن ثابت» (٦) .

  30. وفَسَّر الشافعي - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: ٢٤] : «بأنَّ ذَوات الأَزْوَاج -مِن الحَرائِر والإِمَاء- مُحَرَّمات عَلى غير أَزْواجِهِنَّ، إلا السَّبايا (٧) .

  31. واحتج -في رواية أبي عبد الرحمن الشافعي (١) ،

    عنه-: بحديث أبي سعيد الخُدْري - رضي الله عنه -: أنه قال: «أَصَبْنا سَبايَا لَهُنَّ أزواجٌ في الشِّرك، فَكَرِهْنا أَن نَطَأهُنَّ، فسألنا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فنزلت (٢) {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} » (٣) .

    ج ١ ص ٢٠٠
  32. واحتج بغير ذلك أيضًا، وهو منقول فى كتاب «المعرفة» (٤) .

  33. (١٠٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله - عز وجل -: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: ١٠] قال الشافعي: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [فاعرضوا عَليهن الإيمان، فإن قَبِلْن، وأَقْرَرْن = فَقد عَلِمْتُموهن مؤمنات] (٥) ، وكذلك عِلْمُ بني آدَم الظاهر، قال الله - عز وجل -: {اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} يعني: بِسَرَائِرِهِنَّ في إِيمَانِهِنَّ» (٦) .

    ج ١ ص ٢٠١قال الشافعي: «وزَعَم بعضُ أَهلِ العِلم بالقرآن: أنها نَزلَت في مُهَاجَرةٍ مِن أهل مَكَّة - فَسمَّاها بَعضُهم: ابْنةَ عُقْبَة بن أبي مُعَيط- وأَهلُ مَكَّةَ أَهلُ أَوثان، وأن قولَ الله - عز وجل -: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠] قد نَزلت في مُهاجرٍ مِن (١) أهل مكة مُؤمنًا، وإنما نزلت في الهُدنَة.

    وقال الله - عز وجل -: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: ٢٢١] . قال الشافعي: وقد قيل في هذه الآية: إنها (٢) نزلت في جماعة مُشرِكِي العَرب الذين هُم أَهلُ أَوثَان (٣) ، فَحرَّم نِكاحَ نِسَائِهم، كما حَرَّم أن يَنْكِحَ رِجالُهُم المؤمنات، فإن كان هذا هكذا، فهذه الآية ثابتة ليس فيها منسوخ.

  34. وقَد قيل: هذه الآية في جميع المشركين، ثم نزلت الرُّخصةُ في إحلال إنكاح حَرائِر أهلِ الكِتَاب خَاصَّةً، كما جاءت في إحلال ذَبَائِح أَهلِ الكِتَاب. قال الله - عز وجل -: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [المائدة: ٥] . قال: فأيهما كان، فَقَدْ أُبِيحَ فيه (٤) نكاحُ حَرائرِ أَهلِ الكِتَاب» (٥) .

    ج ١ ص ٢٠٢وقال: « {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} إلى قوله (١) : {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٥] الآية. قال: ففي الآية واللَّهُ أَعْلَم، دلالة: على أن المخاطبين بهذا (٢) : الأَحْرار دون المَماليك؛ لأنهم الواجدون للطَّوْل، المالكون للمال، والمملوك لا يملك مالا بحال، ولا يَحِلُّ نِكَاح الأَمَة، إلا بأن لا يَجِد الرَّجُلُ (٣) الحُرُّ بصداق أَمَة، طَولًا لِحُرة، وبأن يَخَاف العَنَت، والعنت (٤) : الزنا» (٥) .

    قال: «وفي إباحة الله الإماء المؤمنات -على ما شَرَط لِمَن لَم يَجِد طَوْلًا وخَاف العَنَت- دِلَالَةٌ واللَّهُ أَعْلَمُ على تَحريم نِكَاح إِمَاءِ أهلِ الكتاب، وعلى أن الإماءَ المؤمنات لا يَحللن إلا لِمَن جَمَع الأَمْرَين، مع إيمانهن» (٦) .

  35. وأطال الكلام في الحُجَّة.

    قال الشافعيُّ - رحمه الله -: «وإن كانت الآية نَزلت في تحريم نِساء المسلمين على المشركين في مُشرِكِي أَهلِ الأوثَان يعني: قوله - عز وجل -: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: ٢٢١] فالمُسلمات مُحرَّمات على المشركين

    ج ١ ص ٢٠٣منهم، بالقرآن بكل حال، وعلى مُشْركي أهل الكتاب؛ لِقَطع الولاية بين المسلمين والمشركين، وما لم يَختلف الناس فيه علمته (١) » (٢) .

  36. (١٠٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، ، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي- في قول الله - عز وجل -: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] -: «معناه: بما أَحَلَّه له (٣) مِن النِّكاح، ومِلك اليَمِين في كتابه، لا أنه أباحه بكل وجه» (٤) .

  37. (١٠٦) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك وتعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} إلى قوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: ٢٣٥] . قال الشافعي - رحمه الله -: وبُلوغُ الكِتابِ أَجَلَه واللَّهُ أَعْلَم: انْقِضَاء العِدَّة.

    قال: وإذا أَذِنَ اللهُ تَعالى في التَّعريض بالخِطْبة في العِدَّة، فَبَيِّنٌ أَنه حَظَر التَّصريحَ فيها.

    وقال تعالى: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: جِمَاعًا ... {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} [البقرة: ٢٣٥] : حَسنًا لا فُحْشَ فيه، وذلك أن يقول: يُرضِيك أَنَّ عِندي جِماعًا يُرضِي مَن جُومِعَه، وكان هذا -وإن كان

    ج ١ ص ٢٠٤تَعْريضًا- كان مَنهيًا عنه لِقُبحِه، وما عَرَّض به مِمَّا سِوى هذا بما (١) تَفْهَمُ المرأةُ به أنه يُريدُ نِكَاحَها = فجائز له، وكذلك التَّعريض بِالإِجَابة، جَائِزٌ (٢) لها.

    قال: والعِدَّةُ التي أَذِنَ اللهُ بالتَّعريض بالخِطبة فيها = العِدَّة مِن وَفَاةِ الزَّوْج.

  38. ولا يَبِينُ أن لا (٣) يَجُوز ذلك في العِدَّة مِن الطلاق الذي لا يَمْلِكُ فيه المُطَلِّقُ الرَّجْعَةَ» (٤) .

  39. واحتج -في موضع آخر- على أن السِّر: الجِمَاع، بدلالة القرآن.

  40. «فإذا أباح التَّعريضَ، والتَّعريضُ عند أهل العلم جَائِزٌ سِرًّا وعَلانِيةً = فلا يَجُوز أن يُتَوهَّم أنَّ السِرَّ: سِر التَّعْريض، ولابُد مِن مَعنى غَيره، وذلك المعنى: الجِمَاع.

    قال امْرُؤُ القَيْس (٥) :

    ألا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ اليَومَ أَنَّنِي * كَبرتُ وأَنْ لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمثالي

    كَذَبْتِ لَقْد أُصْبِيَ عَلى المَرءِ عِرْسَهُ * وأَمْنعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ (٦) بها الخالي

    وقال جَريرٌ (٧) -يَرْثِي امْرَأتَه-:

    ج ١ ص ٢٠٥كَانَت إذَا هَجَر الخَلِيلُ فِراشَهَا * خُزِنَ الحَدِيثُ، وعَفَّتِ الأَسْرَارُ

    قال الشافعي: فإذا عُلِمَ أَنَّ حَديثَها مَخْزُون، فَخَزْنُ الحَديث: ألَّا يُبَاحُ به سِرًّا ولا علانيةً، فإذا وصَفَها بهذا، فلا مَعنى لِعفَاف غَير الإسرار، الإسرار: الجماع» (١) .