(١٥) ما يؤثر عنه في الخلع، والطلاق، والرجعة
١٦ فقرة، ج ١ ص ٢١٩
- ج ١ ص ٢١٩
قرأتُ في كتاب أبي الحَسن العَاصِمِيِّ (١) : أخبرني عبدُ الرحمن بن العباس الشافعي- قَرأتُ عليه بمصر- قال: سمعت يحيى بنَ زكريا، يقول: قُرئ على يونُس، قال الشافعيُّ- في الرَّجُل يَحلِف بِطَلاق المَرأة، قبل أن ينكحها- قال: «لا شيءَ عليه؛ لأني رأيتُ اللهَ - عز وجل - ذَكر الطَّلاق بعدَ النكاح، وقرأ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [الأحزاب: ٤٩] » .
قال الشَّيخُ: وقد روينا عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه احتج في ذلك أيضًا بهذه الآية (٢) .
-
(١١٩) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: «قال الله تبارك وتعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] قال: وقُرِئَت {لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ} وهما لا يختلفان في معنى» (٣) .
-
ورواه عن ابن عمر - رضي الله عنه - (٤) .
ج ١ ص ٢٢٠قال الشافعي - رحمه الله -: «وطلاقُ السُّنَّة -في المرأةِ المدخُول بها، التي تَحِيض- أن يُطَلِّقَها طاهرًا مِن غير جِمَاع، في الطُّهر الذي خَرجَت مِن حَيْضِه، أو نِفَاس» .
قال الشافعي: «وقد أَمَر اللهُ - عز وجل - بالإمساك بالمعروف، والتَّسْريح بالإحسان، ونهى عن الضَّرر، وطَلاقُ الحائِضِ ضَررٌ عَليها؛ لأنها لا زَوجة، ولا في أَيَّامٍ تَعْتَد فِيها مِن زَوْج، ما كانت في الحَيْضَة، وهي إذا طُلِّقَت وهي تَحِيض بَعْد جِمَاع = لم تَدْر ولا زَوْجُها عِدَّتها: الحَمْل، أو الحَيْض؟ ويُشْبه أن يَكُون أَراد أَن يَعْلَما مَعًا العِدَّة، لِيرْغَب الزَّوج، وتَقْصُر المَرأةُ عن الطَّلاق إن طَلَبتْه» (١) .
-
(١٢٠) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «ذَكَر اللهُ - عز وجل - الطلاقَ، في كتابه، بثلاثة أسماء: الطَّلاق، والفِرَاق، والسَّرَاح، فقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] وقال - عز وجل -: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٢] وقال لِنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - في أزواجه: {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: ٢٨] . زاد أبو سعيد- في روايته- قال الشافعي: فَمَن خَاطَب امْرأتَه، فَأفرد لها اسمًا مِن هذه الأسماء = لَزِمَه الطَّلاق، -وإن لَم يَنْوه (٢) - في الحُكْم، ونَوَّيناه فيما بينه وبين الله - عز وجل -» (٣) .
- ج ١ ص ٢٢١
(١٢١) أخبرنا أبو زكريا ابنُ أبي إسحاقَ -في آخرين-، قالوا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا مالكٌ (١) ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: كان الرَّجُلُ إذا طَلَّق امرأته، ثم ارْتَجَعها قَبل أن تَنْقَضِي عدَّتها = كان ذلك له، وإن طَلَّقها أَلف مَرَّة، فَعَمد رَجُلٌ إلى امرأةٍ له فطلقها، ثم أَمْهَلَها حتى إذا شَارَفَت انقضاء عِدَّتِها ارْتجعها، ثم طَلَّقَها، وقال: والله لا آوِيكِ إليَّ، ولا تَحِلِّين أبدًا، فأنزل الله - عز وجل -: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: ٢٢٩] ، فاسْتَقبلَ النَّاسُ الطلاقَ جَديدًا مِن يَومِئِذٍ، مَن كان منهم طَلَّق، أو لم يُطَلِّق» (٢) .
قال الشافعي - رحمه الله -: «وذكر بعض أهل التفسير هذا» (٣) .
قال الشَّيخُ - رحمه الله -: قد روينا عن ابن عباس، في معناه (٤) .
-
(١٢٢) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله - عز وجل -: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: ١٠٦] قال: وللكُفر أَحكامٌ: كَفِراق الزوجة، وأن (٥) يَقتُل الكَافِر، ويَغْنَم مَالَه، فلما وضع الله عنه، سَقَطت أَحكامُ الإكْراه عن القول كُلِّه؛ لأن الأعظم إذا سَقَط عن الناس، سَقَط ما هو أَصغرُ منه، وما يكون حكمه بثبوته عليه» (٦) . وأطال الكلام في شرحه.
- ج ١ ص ٢٢٢
(١٢٣) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله تبارك وتعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: ٢٢٩] وقال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] إلى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: ٢٢٨] قال الشافعي: {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} يقال: إصلاح الطلاقِ بالرَّجْعة، واللهُ أُعْلَمُ، فَأيما زَوْجٌ حُرٌّ، طَلَّق امرأتَه -بعدما يُصِيبها- واحدةً أو اثْنَتين، فهو أَحَقُّ بِرَجْعَتِها، ما لم تَنْقَضِ عِدَّتُها؛ بدلالة كتاب الله - عز وجل -» (١) .
وقال -في قول الله - عز وجل -: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: ٢٣١] -: «إذا شَارَفْن بُلوغَ أَجَلِهِنَّ، فَراجِعُوهُنَّ بمعروف، أو دَعُوهُن تَنقضِي عِدَّتُهُن (٢) بمعروف، ونهاهُم أَن يُمْسِكُوهُن ضِرارًا لِيعْتَدوا، فلا يَحِل إِمْسَاكهن ضِرارًا» (٣) .
-
زاد على هذا في مَوضِع آخر -هو عندي بالإجازة، عن أبي عبد الله، بإسناده عن الشافعي-: تَقُولُ للرجل (٤) إذا قَارَب البَلدَ يريدُه، أو الأمر يُريدُه: قد بَلغتَه، وتقوله له إذا بلغه.
-
فقوله في المطلقات: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} [الطلاق: ٢] إذا قَارَبْن
ج ١ ص ٢٢٣بُلوغَ أَجَلِهِنَّ.
-
فلا يُؤْمَر بالإمساك، إلا مَن كان يَحِل له الإمساك في العِدة.
-
وقوله - عز وجل - في المُتَوفَّى عنها زوجها: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٤] هذا إذَا قَضَيْن أَجَلَهُنَّ.
-
وهذا كَلامٌ عَربيٌّ، والآيتان يدلان على افتراقهما بَيِّنًا (١) ، والكلام فيهما مِثل قوله - عز وجل - في المُتوفَّى عنها: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: ٢٣٥] : حتى تَنْقَضِي عِدَّتها، فَيَحِل نِكَاحُها» (٢) .
-
(١٢٤) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي-في المرأة يُطَلِّقها الحُرُّ ثلاثًا-: «فلا تَحِلُّ له حتى يُجَامِعَها زَوجٌ غَيرُه؛ لِقوله - عز وجل - في المُطَلقة الثَّالثة: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] قال: فاحتمَلت (٣) الآية: حتى يُجامِعَها زَوجٌ غَيرُه، ودَلَّت على ذلك السُّنة، فكان أَولى المَعاني بكتابِ اللهِ - عز وجل - ما دَلَّت عَليه سُنَّة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -» (٤) .
قال: «وإذا تَزَوَّجَت المطلقةُ ثلاثًا بِزَوْج صَحِيح النِّكَاح فَأصابها، ثم طَلَّقَها، وانْقَضَت عِدتُها = حَلَّ (٥) لزوجِها الأول ابْتِدَاءُ نِكَاحِها؛ لقول الله - عز وجل -: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} » (٦) .
ج ١ ص ٢٢٤وقال -في قول الله - عز وجل -: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: ٢٣٠] -: «واللهُ أَعْلَم بِما أراد، فَأمَّا الآية فتحتمل: إنْ أَقَامَا الرَّجْعَة؛ لأنها مِن حدُود الله، وهذا يُشْبه قولَ اللهِ - عز وجل -: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: ٢٢٨] إصْلاح ما أفسدوا بالطَّلاق بالرجعة.
-
ثم ساق الكلام، إلى أن قال: فَأُحبُّ لهما أن يَنْويا إِقامَة حُدود الله فيما بينهما، وغيره مِن حُدوده» (١) .
قال الشَّيخُ: قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} إنْ أَرادَ به الزوجَ الثاني إذا طَلَّقها طلاقًا رجعيًا = فإقامة الرَّجعة، منه (٢) أنْ يُراجِعَها (٣) في العِدَّة.
-
ثم تكون الحُجَّة في رُجوعِها إلى الأول بنكاح مُبتدإ، بتعليقه (٤) التحريم بغايته (٥) .
-
وإن أَرادَ به الزَّوجَ الأول، فالمُرَاد بالتراجُع: النكاح الذي يَكُون بتراجُعِهِما ورِضَاهُما (٦) جميعًا، بعد العِدَّة، واللَّهُ أَعْلَم.