(١٦) ما يؤثر عنه في الإيلاء والظهار واللعان

١٤ فقرة، ج ١ ص ٢٢٥

  1. (١٢٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) } [البقرة] . فقال الأكثرُ مِمَّن روي عنه مِن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عندنا-: إذا مَضَت أَربعةُ أَشْهر وَقَف المُولِي، فإما أَن يَفِيء، وإما أن يُطَلِّق» (٢) .

    قال: «والظاهر في الآية: أن مَن أَنْظَره اللهُ أربعةَ أشهر، في شيء لم يكن عليه سبيل، حتى تَمضيَ أربعةُ أشهر، ولأنه جعل عليه الفَيئَة والطلاق، والفيئة: الجماع -إن كان قادرًا عليه- وجعل له الخيار فيهما في وقت واحد، فلا يتقدم واحدٌ منهما صَاحِبَه، وقد ذُكِرا في وقتٍ واحد، كما يقال له في الرهن افْدِهِ، أو نَبيعَه عَليك بلا (٣) فَصْل» (٤) .

    ج ١ ص ٢٢٥
  2. وأطال الكلام في شرحه، وفي أَنَّ الاعْتِبَار بالعَزْم. وقال في خِلال ذلك: «وكيف يَكُونُ عَازمًا على أن يَفِيءَ في كُلِّ يوم، فإذا مَضَت أربعةُ أشهُرٍ، لَزِمَه الطلاقُ، وهو لم يَعْزِم عليه، ولم يتكلم به؟ أَتُرى هذا قولًا يَصِحُّ في العُقول» (٥) .

  3. وقال في موضع آخر-هو لي مسموعٌ مِن أبي سعيد، بإسناده-: «ولِم زَعَمْتُم أن الفَيْئةَ لا تكون إلا بشيء يُحدِثُه، من جِماع، أو فَيءٍ بِلسان إن لم يقدر على الجماع، وأَنَّ عَزيمَة الطلاق: هو مُضِي الأربعةُ الأَشهر (١) لا شيء يحدثه هو بلسان، ولا فعل؟

    ج ١ ص ٢٢٦
  4. أوَ رَأيتَ الإيلاء، طلاقًا هو؟ قال: لا.

  5. قلنا: أَفرأيتَ كلامًا قط-ليس بطلاق- جَاءَت عليه مدة، فجعلته طلاقًا؟ » (٢) .

  6. وأطال الكلام في شرحه، وقد نقلته إلى «المبسوط» .

  7. (١٢٦) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله - عز وجل -: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: ٣] الآية.

    قال الشافعي - رحمه الله -: سمعتُ مَن أرضى-مِن أهل العِلم بالقرآن- يذكر: أن أهل الجاهلية يُطَلِّقُون بثلاث: الظِّهَار، والإيلاء، والطَّلاق، فَأقَرَّ اللهُ - عز وجل - الطلاق طلاقًا، وحَكم في الإيلاء: بأن أَمهَل المُولي أربعة أشهر، ثم جعل عليه أن يَفِيءَ أو يُطَلِّق، وحكم في الظِّهار: بالكَفَّارة، ولا يَقَع به طلاقٌ» (٣) .

    قال الشافعي: «والذي حَفِظتُ -مما سَمعتُ- في: {يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: ٣] أن المتظاهر حَرَّم امرأتَه بالظِّهار، فإذا أَتَت عليه مُدةٌ بعد القول

    ج ١ ص ٢٢٧بالظِّهار، لم يُحَرِّمها بالطَّلاق الذي تُحَرَّم به، ولا بشيء يكونُ له مَخْرج مِن أَن تُحَرَّم به، فقد وَجبَت عليه كفَّارةُ الظِّهار، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسك ما حَرَّم (١) على نفسه أنه حلال، فقد عاد لِما قال، فخالفه، فَأحَل (٢) ما حَرَّم.

    قال: ولا أعلم له معنى أولى به من هذا، ولم أعلم مُخالِفًا في أنَّ عليه كفارةَ الظِّهار، وإن لم يَعُد بتظاهر (٣) آخر، فلم أُجِز (٤) أن يقال -ما لم أعلم مخالفًا في أنه- ليس بمعنى الآية» (٥) .

    قال الشافعي: «ومَعنى قولِ الله - عز وجل -: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: ٤]

  8. وقتٌ لأن يُؤَدِي ما أَوْجَب اللهُ - عز وجل - عليه مِن الكفارة فيها قَبل المُمَاسَّة، فإذا كانت المُمَاسَّة قبل الكَفَّارة، فذهب الوَقتُ = لم تَبطُل الكَفَّارة، وجعلها قياسًا على الصَّلاة» (٦) .

    قال الشافعي في قول الله - عز وجل -: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: ٣] قال: «لا تُحَرَّرُ رَقَبَةٌ عَلى غَير دِين الإسلام؛ لأن اللهَ - عز وجل - يقولُ في القتل إذا كانت: ... {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] وكان شرط الله في رقبة القتل كفارة، كالدليل واللَّهُ أُعْلَم على أن لا تجزي رقبة في كفارة، إلا مؤمنة، كما شَرط الله تعالى العَدل في الشَّهادة، في موضعين، وأطلق الشهود في ثلاثة مواضع، فلما

    ج ١ ص ٢٢٨كانت شهادةً كلها، اكتفينا بشرط الله تعالى فيما شرط فيه، واستدللنا على أن ما أَطْلَق من الشهادات -إن شاء الله - عز وجل - على مثل معنى ما شرط» (١) .

  9. (١٢٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله - عز وجل -: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: ٤] الآية.

    قال: فلم أعلم خِلافًا أن ذلك: إذا طَلبَت المَقذُوفَة الحَدَّ، ولم يأت القَاذِف بأربعة شهداء يُحَرِّمُونه مِن الحَد» (٢) .

  10. «وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) } [النور] إلى آخرها.

    قال الشافعي: فكان بَيِّنًا في كتاب الله - عز وجل - أنه أخرج الزوج مِن قَذْف المَرأة -يعني باللعان- كما أخرج قَاذِفَ المُحْصَنة غير الزوجة بأربعة شهود يشهدون عليها، بما قذفها به من الزِّنا، وكانت في ذلك، دلالة أن ليس على الزوج أن يَلتَعِن، حتى تطلب المَرأةُ المقذوفة حَدَّها» (٣) .

  11. وقاسها أيضًا على الأجنبية.

    قال: «ولما ذكر الله - عز وجل - اللعان على الأزواج مطلقا=كان اللعان على كل زَوْجٍ جَاز طَلاقُه، ولِزمَه الفَرضُ، وعلى كل زَوجَةٍ لَزِمَها الفَرضُ» (٤) .

    ج ١ ص ٢٢٩قال الشافعي: «فإن قال: لا أَلْتَعِن، وطَلَبت أن يُحدَّ لها، حُدَّ» (١) .

    قال: «ومتى الْتَعَن الزوج، فعليها أن تَلْتَعِن، فإن أَبَت، حُدَّتْ؛ لقول الله - عز وجل -: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: ٨] الآية، والعذاب: الحَد» (٢) .

  12. (١٢٨) وأنبأني أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «ولما حَكى سَهلُ بنُ سعد (٣) ، شهود المُتلاعِنَين مع حَداثَتِه، وحكاه ابن عمر (٤) = استدللنا أن اللِّعَان لا يكون إلا بِمَحْضَرٍ مِن طائفة مِن المؤمنين، وكذلك جَمِيعُ حُدُودِ الزِّنا، يَشْهَدُها طائفةٌ من المؤمنين، أَقَلُّهم أربعة؛ لأنه لا يجوز في شَهَادة الزِّنا، أقل منهم، وهذا يُشْبِهُ قولَ الله - عز وجل - في الزَّانِيَيْن: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: ٢] » (٥) .

    وقال -في قوله - عز وجل -: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: ١٠٢] -: «الطائفةُ: ثَلاثَةٌ فأكثر» (٦) .

  13. وإنما قال ذلك؛ لأن القَصْدَ مِن صَلاةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بهم: حُصُولُ فَضِيلَةِ الجَمَاعة لهم، وأقل الجماعة التَّامَّة (٧) : ثلاثة، فاستحبَّ أن يكونوا ثلاثة

    ج ١ ص ٢٣٠فصاعدًا.

  14. وذكر جهة استحبابه، أن يكونوا أربعة في الحدود، وليس ذلك بتوقيت (١) ، في الموضعين جميعًا.