«مبتدأ التنزيل، والفرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم على الناس».

٩ فقرات، ج ١ ص ٢٧٣

  1. (١٥٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا:

    حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «لَمَّا بَعثَ اللهُ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَنزَل عليه فَرائِضَه كما شاء، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه، ثم أتبع كُلَّ واحد منها، فَرضًا بعد فَرض، في حِينٍ غَير حِين الفَرض قَبْلَه.

    قال: ويقال واللَّهُ أَعْلَمُ إن أولَ ما أَنزل الله عليه -من كتابه-: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) } [العلق] .

    ج ١ ص ٢٧٣
  2. ثُم أُنزِلَ عليه بَعدهَا -لم يُؤمَر فيه بأن (١) يَدعو إليه المُشركِين- فَمَرَّت لذلك مُدَّةٌ، ثم يقال: أتاه جبريلُ - عليه السلام -، عن الله - عز وجل -: بأن يُعْلِمَهم نزولَ الوَحي عليه، ويدعوهم إلى الإيمان به، فَكَبُر ذلك عليه، وخَاف التكذيب، وأن يُتَنَاوَل، فنزل عليه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: ٦٧] فقال: يَعْصِمُك مِن قَتْلِهم أَن يَقْتُلوك حَتَّى تُبَلِّغ ما أُنزل إليك.

  3. فَبَلَّغ ما أُمِر به، واسْتَهْزأ به قَومٌ، فنزل عليه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) } [الحجر] .

    قال: وأَعْلَمه مَن أَعْلَمه منهُم أنَّه لا يُؤمِنُ به، فقال: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) } [الإسراء] .

  4. قرأ إلى (١) : {هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) } [الإسراء] .

    قال الشافعي - رحمه الله -: وأنزل اللهُ - عز وجل - فيما يُثَبِّتُه به إذ (٢) ضاق من أذاهم-: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) } [الحجر] .

    ج ١ ص ٢٧٤
  5. ففرض عليه إبلاغَهُم، وعِبادَتَه، ولم يَفرض عليه قِتالَهُم، وأبان ذلك في غير آيةٍ مِن كتابه، ولم يَأْمُرْه بعزلتهم (٣) وأنزل عليه: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) } [الكافرون] وقَولَه: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤) } [النور] .

  6. وقوله: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [المائدة: ٩٩] مَع أَشياءٍ ذُكِرت في القرآن- في غير مَوضِع- في هذا المعنى.

  7. وأمرهم الله - عز وجل -: بأن لا يَسُبُّوا أَنْدَادَهُم فقال: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: ١٠٨] الآية. مع ما يشبهها.

  8. ثم أنزل جَلَّ ثَنَاؤُهُ بعد هذا، في الحال التي فَرضَ فيها عُزلَةَ المُشركِين فقال: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) } [الأنعام] .

  9. وأَبَان لِمَن تَبِعَه، ما فَرض عَليهم مِمَّا فَرضَ عليه، فقال: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: ١٤٠] » (١) .

    ج ١ ص ٢٧٥