(٢٣) «ما يؤثر عنه في الأيمان والنذور».
٢٢ فقرة، ج ١ ص ٣٣١
- ج ١ ص ٣٣١
(١٨٥) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي-في قول الله - عز وجل -: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} [النور: ٢٢] -: «نَزَلَت في رَجُل حَلَفَ أَنْ لَا يَنْفعَ رَجُلًا، فَأَمَرَهُ اللهُ - عز وجل - أَن يَنْفَعَهُ» (١) .
قال الشَّيخُ: وهذه الآية نَزلت في أبي بَكر الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه -، حَلَف أن لا يَنفَع مِسْطَحًا؛ لِمَا كان مِنه في شأن عائشة - رضي الله عنها -، فنزلت هذه الآية.
-
(١٨٦) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قُلتُ للشافعي: ما لَغْوُ اليَمِين؟ قال: «اللَّهُ أَعْلَمُ، أما الذي نَذهبُ إليه: فما قَالت عائشة - رضي الله عنها -.
-
أخبرنا مَالِكٌ، عن هِشَام بن عُرْوَةَ، عن أبيه (٢) ، عن عائِشةَ - رضي الله عنها - أنها قالت: لَغوُ اليَمِين، قَولُ الإنْسَانِ: لا وَاللهِ، وبَلَى واللهِ (٣) .
قال الشافعي: اللَّغْوُ في كَلامِ العَرب: الكَلامُ غَيرُ المَعْقُودِ عَليه فيه، وجِمَاعُ اللَّغْوِ يكونُ في الخَطَإِ» (٤) .
-
وبهذا الإسناد- في موضع آخر- قال الشافعي: «لَغوُ اليَمِين كما قَالت
ج ١ ص ٣٣٢عَائِشَةُ - رضي الله عنها - واللَّهُ أَعْلَمُ: قَولُ الرَّجُل: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
-
وذلك: إذا كان على (١) اللَّجَاج، والغَضَب، والعَجَلة، لا يَعْقِدُ عَلى ما حَلَفَ، وعَقْدُ اليَمِين: أَن يُعَيِّنَها عَلى الشَّيء بعينه، أن لا يفعل الشيءَ، فيفعله أو لَيَفْعَلَنَّه (٢) ، فلا يفعله، أو لَقَد كان، وما كان.
-
فهذا آثِمٌ، وعَليه الكَفَّارَةُ؛ لِمَا وَصفتُ مِن أَنَّ اللهَ - عز وجل - قد جَعَل الكَفَّارَات في عَمْدِ المَأْثَم، قال: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: ٩٦] .وقال {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} إلى قوله: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: ٩٥] .
-
ومِثلُ قوله في الظِّهَار: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة: ٢] ثُم أَمَر فيه بالكَفَّارَة» (٣) .
-
«قال الشافعي: ويُجْزِي في كَفَّارَةِ اليَمِين: مُدٌّ بِمُدِّ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مِن حِنْطَةٍ.
قال: وما يَقْتَاتُ أَهلُ البُلْدَانِ مِن شَيءٍ، أَجْزَأهُم مِنه مُدٌّ» (٤) .
-
«وأَقَلُّ ما يَكْفِي مِن الكِسْوَة: كُلُّ ما وَقَع عَليه اسْمُ كِسْوَةٍ: مِن عِمَامَةٍ، أو سَراوِيلَ، أو إِزَارٍ، أو مِقْنَعَةٍ، وغير ذلك، للرجل، والمرأةِ، والصَّبي؛ لأن الله - عز وجل - أَطْلَقَه، فَهُو مُطَلَقٌ» (٥) .
- ج ١ ص ٣٣٣
ولَيس له -إذا كَفَّر بالطَّعَام- أَن يُطْعِمَ أَقَلَّ مِن عَشَرةٍ، أو -بالكِسْوَة- أن يَكْسُو أَقَلَّ مِن عَشَرةٍ.
-
وإذا أَعْتَقَ في كَفَّارَةِ اليَمِين، لم يُجْزِه إلا رَقَبةٌ مُؤمِنةٌ، ويُجْزِي كُلُّ ذِي نَقْصٍ، بِعَيْبٍ لا يَضُرُّ بالعَمل إضْرارًا بَيِّنًا» (١) .
-
وبسط الكلام في شرحه.
-
(١٨٧) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله - في قول الله - عز وجل -: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: ١٠٦] -: «فَجَعل قَولَهُم الكُفْرَ: مَغفُورًا لهم، مَرفُوعًا عنهم في الدنيا والآخِرَة.
-
فكان المعنى الذي عَقَلنا: أن قَولَ المُكْرَهِ، كما لَم يَقُل (٢) في الحكم.
-
وعقلنا أن الإكْراهَ هو: أَن يُغْلَبَ بغير فِعلٍ منه، فإذا تَلِفَ ما حَلَفَ: (٣) لَيَفْعَلَنَّ فيه شَيئًا = فَقَد غُلِبَ بِغَير فِعْلٍ منه، وهذا في أَكْثَر مِن مَعنى الإكْرَاه» (٤) .
-
وقد عَلَّقَ الشَّافِعيُّ - رحمه الله - القَولَ فيه، واخْتَار: أَنَّ يَمِينَ المُكْرَهِ غَيرُ ثَابِتَةٍ عليه لِمَا احْتَجَّ به مِن الكِتَاب.
قال الشافعي - رحمه الله -: «وقول عطاء: إِنَّه يَطْرَحُ عن النَّاسِ، الخَطَأَ والنِسْيَان» (٥) .
- ج ١ ص ٣٣٤
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي -فِيمَن حَلَف لا يُكَلِّم رَجُلًا، فَأرْسَل إليه رَسولًا، أو كتبَ إليه كتابًا-: «فَالوَرَعُ: أَن يَحْنَثَ، ولا يَبِينُ (١) أنَّه يَحْنَث؛ لأن الرَّسولَ والكِتَاب، غَيرُ الكَلام، وإن كان يَكُونُ كلامًا في حال.
-
ومَن حَنَّثَه ذَهبَ إلى أن اللهَ - عز وجل - قال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: ٥١] .
وقال: إن الله - عز وجل - يقول للمؤمنين -في المنافقين-: {قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة: ٩٤] وإنما نَبَّأهُم مِن أخبارهم بِالوَحْي الذي نَزَلَ به جِبريلُ - عليه السلام - على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويخبرهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بوحْي الله - عز وجل -.
-
ومن قال: لا يَحْنَث، قال: لأن كَلام الآدَمِيِّين لا يُشْبهُ كَلامَ اللهِ - عز وجل -، وكَلامُ الآدَمِيِّين بالمواجهة؛ ألا ترى أنه لَو هَجَر رَجُلٌ رَجُلًا، كانت الهِجْرَةُ مُحَرَّمةً عليه فَوق ثَلاثِ لَيَالٍ، فكتب إليه، أو أَرْسَل إليه، وهو يَقْدِرُ على كَلامِه= لَم يُخْرِجْهُ هذا مِن هِجْرَتِه التي يَأثَمُ بها» (٢) .
قال الشافعي - رحمه الله -: «وإذا حَلَف الرَّجُلُ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ سَوطٍ، فَجَمعها، فَضَربَه بها، فإن كان يُحِيطُ العِلْمُ أَنَّه إذا ضَربَه بها (٣) ، مَاسَّه كُلُّها: فَقَد بَرَّ.
- ج ١ ص ٣٣٥
وإن كان العِلمُ مُغَيَّبًا: لم يَحْنَث في الحُكْم، ويَحنث في الوَرَع.
-
واحتج بقول الله - عز وجل -: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: ٤٤] .
-
وذكر خَبَر المُقْعَد (١) ، الذي ضُرِبَ في الزِّنا، بإثكال النخل» (٢) .