(٢٢) «ما يؤثر عنه في الصيد والذبائح، وفي الطعام والشراب».
٦١ فقرة، ج ١ ص ٣١٥
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٣١٥
قَرأتُ في كتاب «السُّنَن» -رواية حَرْمَلة بن يَحيى- عن الشافعي
قال: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: ٤] قال الشافعي: فكان معقولًا عن الله - عز وجل - إِذْ أَذِنَ في أَكْل مَا أَمْسَكَت الجَوارِحُ- أنهم إنما اتَّخذُوا الجَوارحَ، لما لم يَنالُوه إلا بالجوارح، وإن لم يَنزِل ذلك نَصًّا مِن كتاب الله - عز وجل -.
فقال الله - عز وجل -: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: ٩٤] . وقال تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٥] . وقال تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: ٢] .
قال: ولما ذكر الله - عز وجل - أَمْرَه بالذَّبْح وقال: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: ٣] ، كان معقُولًا عن الله - عز وجل - أنه إنما أمر به فيما يُمكِن فيه الذَّبح والذَّكَاة، وإن لم يذكره.
-
فلما كان معقولًا في حُكْم الله - عز وجل - ما وصَفْتُ، انبغى لأهل العِلم عِندي أن يَعلَمُوا: أن ما حَلَّ مِن الحَيوان بِذَكَاة، فَذَكَاةُ المَقْدورِ عليه: مثل الذَّبح، أو النَّحْر، وذَكَاةُ غَيرِ المَقْدُورِ عليه منه: ما نِيل به جَارِحٌ، أو سِلاح».
- ج ١ ص ٣١٦
(١٧٦) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «الكَلبُ المُعَلَّم: الذي إذا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى (١) ، وإذا أَخَذَ حَبَس، ولم يأكل، فإذا فعل هذا مَرَّةً بعد مَرَّةٍ، كان مُعَلَّمًا، يَأكُلُ صَاحِبُهُ مِمَّا حَبَس عَليْه، وإِن قَتَل-ما لم يَأكُل-» (٢) .
قال الشافعي: «وقَد تُسَمَّى جَوَارِح لأَنها تَجْرَح، فَيكُون اسمًا لازِمًا، وأُحِلُّ ما أَمْسَكْن مُطْلَقًا» (٣) .
-
(١٧٧) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «وإذا كانت الضَّحايا، إنما هو دَمٌ يُتَقَرَّبُ به، فَخَيْر الدِّمَاءِ أَحَبُّ إِليَّ.
-
وقد زَعَم بعضُ المُفسِّرين: أن قول الله - عز وجل -: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج: ٣٢] : اسْتِسْمَانُ الهَدْي، واسْتِحْسَانُه.
-
وسُئِل رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَيُّ الرِّقَاب أَفْضَل؟ فقال: «أَغْلاها ثَمَنًا، وأَنْفَسُها عند أَهْلِها» (٤) .
قال: «والعَقْلُ مُضْطَّرٌ إلى أن يَعْلم أن كُلَّ ما تُقُرِّبَ به إلى الله - عز وجل - إذا كان نفيسًا- فَكُلَّما عَظُمَت رَزِيَّتُه على المُتَقَرِّب به إلى الله - عز وجل -، كان أَعظَمَ
ج ١ ص ٣١٧لأجْرِه، وقد قال الله - عز وجل - في المُتَمَتِّع: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦] .
وقال ابنُ عبَّاسٍ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} : شَاةٌ.
-
وأَمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه الذين تَمَتَّعُوا بالعُمْرة إلى الحج: أَن يَذبَحُوا شَاةً شَاةً، وكان ذلك أَقلَّ ما يُجْزيهِم؛ لأنه إذا أجزأه أدنى الدَّم، فَأعْلاهُ خَيرٌ منه» (١) .
-
وبهذا الإسناد، قال الشَّافِعِيُّ: «أَحَلَّ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ طَعامَ أَهلِ الكِتَابِ وكان طَعامُهم -عند بَعض مَن حَفِظتُ عنه مِن أهل التفسير-: ذَبائِحَهُم وكانت الآثَارُ تَدُلُّ على إحلال ذبائحهم، فإن كانت ذبائحهم يُسَمُّونها لله - عز وجل -، فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر، يُسَمُّون عليه غَيرَ اسم الله - عز وجل - مثل: اسْم المَسِيح، أو يَذبحُونه باسْمٍ دُونَ اللهِ = لم يَحِل هذا مِن ذَبائِحِهم.
قال الشافعي: قد يُبَاح الشَّيءُ مُطلقًا، وإنما يُرَادُ بَعضُه، دُون بَعضٍ، فإذا زَعَم زَاعِمٌ: أَنَّ المُسلِم إن نَسِي اسمَ اللهِ، أُكِلَت ذَبيحَتُه، وإنْ تَركَه اسْتِخْفَافًا لم تُؤْكَل ذَبيحَتُه، وهو لا يَدَعُه لِشِركٍ = كان مَن يَدعُه على الشِّرك أَوْلَى أَنْ يُتْرَك ذَبيحَتُه.
قال الشافعي: وقَد أَحَلَّ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لُحومَ البُدْن مُطْلَقة، فقال تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: ٣٦] . ووجدنا بَعضَ المُسلمين، يَذهبُ إلى أن لا يُؤْكَل مِن البَدَنَة التي هي نَذْرٌ، ولا جَزاءُ صَيدٍ، ولا فِديَةٌ.
-
فلما احْتمَلت هذه الآية، ذَهبنا إليه، وتَركنا الجُمْلة، لا أنها بِخِلَاف
ج ١ ص ٣١٨القرآن، ولَكِنَّها مُحْتَمِلة، ومَعْقولٌ أَنَّ مَن وَجَب عَليه شَيءٌ في مَالِه، لم يكن له أن يَأخُذَ منه شيئًا.
-
فهكذا ذَبَائِحُ أَهْلِ الكِتَاب، بالدِّلالَة تشبهه (١) ؛ بما قلنا» (٢) .
-
(١٧٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «وأُحِبُّ (٣) لِمَن أَهْدَى نَافِلةً أن يُطعِمَ البَائِسَ الفَقِير؛ لقول الله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: ٢٨] . ولقوله - عز وجل -: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: ٣٦] . والقَانِع هو: السَّائِل، والمُعْتَر هو: الزَّائِر، والمَارُّ بلا وَقْتٍ.
-
فإذا أَطْعَم مِن هَؤلاء، واحدًا أو أكثر (٤) كان مِن المُطْعِمِين، وأَحَبُّ إِلَيَّ ما أكثر، وأَنْ يُطْعِم ثُلُثًا، ويُهْدِي ثُلُثًا، ويَدَّخِر ثُلثًا، يهبط به حيث شاء.
قال: والضَّحَايا في هذه السُّبُل وَاللهُ أَعْلَمُ» (٥) .
وقال في «كتاب البُوَيْطِي» : «والقَانِع: الفَقِير، والمُعْتَر: الزَّائِر، وقد قيل: الذي يَتَعرَّض لِلعَطِيَّة منهما» .
-
(١٧٩) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «وأَهلُ التَّفسِير، ومَن سَمِعتُ مِنهُم يقول في
ج ١ ص ٣١٩قول الله - عز وجل -: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: ١٤٥] يعني: مِمَّا كُنتُم تَأكلُون، فإن العَرَبَ قد كانت تُحَرِّمُ أَشياءَ، على أَنها مِن الخَبائِث، وتُحِلُّ أشياءَ، على أنها من الطَّيبات، فَأُحِلَّت لهم الطَّيباتُ عِندهم، إلا ما اسْتُثْنِيَ منها، وحُرِّمَت عَليهم الخَبائِثُ عندهم.
قال الله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: ١٥٧] » (١) .
-
وبسط الكلام فيه.
-
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: ٩٦] .
-
فكان شَيئان حَلالَان، فَأثْبَتَ تَحْليلَ أَحدِهما، وهو: صيد البحر وطعامه، وطَعَامُه (٢) : مَالِحُه وكُلُّ ما فيه حَيٌّ (٣) متاعًا لهم يستمتعون بأكله.
-
وحُرِّم عليهم صَيدُ البر-أن يستمتعوا بأكله- في كتابه، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
-
يعني: في حال الإحرام (٤) .
قال: وهو جَلَّ ثَنَاؤُهُ لا يُحَرِّم عَليهم مِن صَيد البر في الإحرام، إلا ما كان حلالًا لهم قَبل الإحرام، وَاللهُ أَعْلَمُ» (٥) .
- ج ١ ص ٣٢٠
(١٨٠) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: ١١٩] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [البقرة: ١٧٣] الآية.
وقال في ذِكر ما حُرِّم: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: ٣] .
قال الشافعي: فَيَحِلُّ ما حُرِّمَ: مِن المَيْتَة والدَّم ولَحم الخنزير، وكُل ما حُرِّم -مِمَّا لا يُغَيِّر العَقْل مِن الخَمْر- لِلمُضْطَر.
-
والمُضْطَرُّ: يَكونُ الرَّجُلُ بالمَوضِع لا طَعَامَ معه فيه، ولا شَيءَ يَسُدُّ (١) فَوْرَةَ جُوعِه -مِن لَبن، وما أَشْبَهَه- ويُبَلِّغُه (٢) الجُوعُ ما يَخافُ منه المَوتَ، أو المَرَضَ -وإن لم يَخَف المَوت- أو يُضْعِفُه، أو (٣) يَضُرُّه، أو يعتمد أن يكون (٤) ماشيًا، فَيَضْعُفُ عن بُلُوغ حَيثُ يُريدُ، أو راكِبًا فَيضْعُفُ عن ركوب دَابَّتِه، أو ما في هذا المعنى مِن الضَّرر البَيِّن.
-
فَأَيُّ هذا نَالَه: فَله أن يَأكُل مِن المُحَرَّم، وكذلك يَشْرَبُ مِن المُحَرَّم- غَير المُسْكِر- مثل الماء فيه المَيْتةُ، وما أَشْبَهَهُ.
- ج ١ ص ٣٢١
وأَحَبُّ إِلَيَّ: أن يَكونَ آكِلُه إن أَكَل، وشَارِبُه إنْ شَرِبَ، أو جَمَعهُما = فَعلى (١) ما يَقْطَعُ (٢) عنه الخَوف، ويَبلُغ بَعض القُوة.
-
ولا يَبِينُ أن يَحْرُمَ عليه أَن يَشْبَع ويَرْوَى -وإِن أَجْزَأه دُونَه-؛ لأنَّ التحريم قد زال عنه (٣) بالضَّرورة.
-
وإذا بَلَغ الشِّبَع والرِّي، فليس له مُجَاوزَتُه؛ لأن مُجاوزَتَه حِينئَذٍ إلى الضَّرر، أَقْرَبُ منها إلى النَّفْع» (٤) .
قال الشافعي: «فَمَن خَرَج سَفَرًا، عاصِيًا لله، لَم يَحِل لَه شَيءٌ مِمَّا حُرِّم عليه بحال؛ لأن اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمَّا أَحَلَّ مَا حَرَّمَ بالضَّرُورة، على شَرطِ أَن يَكونَ المُضْطرُّ غَيرَ بَاغٍ، ولا عَادٍ، ولا مُتَجَانِفٍ لإثْم.
-
ولو خَرَجَ عَاصِيًا، ثم تَاب، فَأَصَابته الضَّرورةُ بعد التَّوبة: رَجَوتُ أن يَسَعَهُ أَكلُ المُحَرَّمِ وشُربُه.
-
ولو خَرج غَيرَ عَاصٍ، ثم نَوى المَعْصِيةَ، ثم أَصابَتْهُ ضَرورةٌ، ونِيتُه المعصية: خَشِيتُ أَن لا يَسعه المُحَرَّمُ؛ لأني أَنظُرُ إلى نِيَّتِه في حال الضَّرُورَةِ، لا في حَالٍ تَقَدَّمَتْها، ولا تَأَخَرَّت عنها» (٥) .
-
وبهذا الإسناد، قال الشافعي - رحمه الله -: «والحُجَّةُ في أَن مَا كان مُبَاحَ الأَصْلِ،
ج ١ ص ٣٢٢يَحْرُم بمالكه، حتى يَأذَن فيه مَالِكُه - يعني: وهو غَيرُ مَحْجُورٍ عَليه (١) -؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قال: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٩] وقال: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: ٢] وقال: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: ٤] الآية، مع آيٍ كَثِيرٍ في كتاب الله - عز وجل -، قَد حَظَر فيها أَموالَ النَّاس، إلا بِطِيبِ أَنْفُسِهِم، إلا بِمَا فَرضَ اللهُ في كتابه، ثُم سُنَّةِ نَبِّيه - صلى الله عليه وسلم -، وجَاءَت به حُجَّةٌ» (٢) .
قال: «ولو اضْطُرَّ رَجُلٌ، فَخَاف المَوتَ، ثُم مَرَّ بِطَعامٍ لِرُجَلٍ: لم أَرَ بَأسًا أَن يأكُل منه مَا يَرُدُّ مِن جُوعِه، ويَغْرَمُ لَه ثَمَنَه» (٣) .
-
وبسط الكلام في شرحه.
قال: «وقد قيل: إن مِن الضَّرورة: أَن يَمْرَضَ الرَّجُل، المَرضَ، يَقولُ لَه أَهْلُ العِلم به -أو يَكُون هو مِن أَهْلِ العِلْمِ به-: قَلَّما يَبْرَأ مَن كان به مِثلُ هَذا، إلا أن يَأكُل كَذا، أو يَشْربَه.
-
أو يقال له: إِنَّ أَعْجَلَ ما يُبْرِيكَ أَكْلُ كذا، أو شُرْبُ كذا، فَيكُونُ له أَكلُ ذلك وشُربُه، ما لم يَكُن خَمرًا، إذا بلغ ذلك ما أُسْكِر بِه (٤) ، أو شيئًا يُذهِبُ العَقْل مِن المُحَرَّمات، أو غيرها؛ فَإنَّ إِذْهَابَ العَقْلِ مُحَرَّمٌ» (٥) .
-
وذَكر حَديثَ العُرَنِيِّيْن في أبوالِ الإبِل وأَلبانها، وإِذن رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في
ج ١ ص ٣٢٣شُربها، لإصلاحه لأبدانهم (١) .
-
(١٨١) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله تبارك وتعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: ٩٣] الآية، وقال: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: ١٦٠] يعني وَاللهُ أَعْلَمُ: طَيباتٍ كَانت أُحِلَّت لَهُم. وقال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: ١٤٦] .
قال الشافعي - رحمه الله -: الحَوَايا: ما حَوْلَ (٢) الطَّعام والشَّراب، في البَطن، فلم يَزَل مَا حَرَّم اللهُ - عز وجل - على بني إسرائيل-اليهود خاصة، وغيرهم عَامة- مُحَرَّمًا مِن حِين حَرَّمَه، حتى بعث اللهُ تبارك وتعالى مُحمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - فَفَرضَ الإيمَان به، وأمر باتِّبَاع نَبيِّ الله - صلى الله عليه وسلم - وطَاعَةِ أَمرِه، وأَعْلَم خَلْقَه أَنَّ طَاعَتَه: طَاعَتُه، وأَنَّ دِينَه الإِسلامُ الذِي نَسَخَ به كُلَّ دِينٍ كان قَبْلَه، وجَعَلَ مَن أَدْركَه وعَلِم دِينَه، فَلم يَتَّبِعْهُ كافِرًا به، فقال: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: ١٩] وأنزل -في أهل الكتاب مِن المشركين-: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} الآية، إلى: {مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ٦٤] .
- ج ١ ص ٣٢٤
وأَمَر بِقتَالِهم، حتى يُعطُوا الجِزيَةَ إن لم يُسْلِمُوا، وأنزل فيهم: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: ١٥٧] الآية.
-
فقيل وَاللهُ أَعْلَمُ: أَوْزَارهم (١) ، وما مُنِعُوا بما أَحْدثُوا، قَبل ما شُرِع مِن دِينِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
-
فَلم يَبْق خَلْقٌ يَعْقِلُ مُنذُ بعثَ اللهُ محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، كِتابيٌّ، ولا وَثَنِيٌّ، ولا حَيٌّ ذو رُوح (٢) مِن جِنٍّ، ولا إِنْسٍ، بَلَغَتْه دَعوةُ مُحَمدٍ - صلى الله عليه وسلم - = إلا قَامَت عليه حُجَّةُ اللهِ باتِّباع دِينِه، وكان مؤمنًا باتِّباعِه، وكافرًا بترك اتِّبَاعِه.
-
ولَزِمَ كُلَّ امرئٍ مِنهُم- آمَن به، أو كَفَر- تحريمُ ما حَرَّم اللهُ - عز وجل - على لِسَانِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - كان مُباحًا قَبْلَه، في شِيءٍ مِن المِلَل، أو غَير مُباح-.
-
وإحلالُ ما أَحَلَّ على لِسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كان حَرامًا في شيءٍ مِن المِلَل.
-
وَأَحَلَّ اللهُ - عز وجل - طعامَ أهلِ الكتاب، وقد وَصَفَ ذَبائِحَهم، لم يَسْتَثْنِ منها شيئًا، فلا يَجُوزُ أَنَّ تَحِلَّ (٣) ذَبِيحةُ كِتَابِيٍّ وفي الذَّبيحَةِ حَرَامٌ -على كل مُسْلِمٍ- مِمَّا كان حُرِّم على أَهلِ الكِتاب، قَبلَ مُحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
-
ولا يجوز أن يَبْقى شَيءٌ مِن شَحْمِ البَقَر والغَنَم، وكذلك لو ذَبَحها كِتابيٌّ لنفسه وأبَاحَها المُسلمَ = لم يَحْرُم على مُسلِم مِن شَحْم بَقَرٍ ولا غَنَمٍ مِنها، شَيءٌ.
- ج ١ ص ٣٢٥
ولا يجُوز أن يكون شَيءٌ حَلالًا -مِن جِهَةِ الذَّكَاة- لآخَر، حَرامًا على غَيره؛ لأن اللهَ - عز وجل - أباح ما ذَكَر عَامَّةً، لا خَاصَّةً.
-
وهل يَحْرُمُ عَلى أَهل الكِتاب، ما حَرُم عليهم -من هذه الشحوم وغيرها- إذا لم يَتَّبِعُوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم -؟
قال الشافعي: قد قيل: ذلك كُلُّه مُحَرَّمٌ عَليهم، حتى يؤمنوا.