(٢٤) «ما يؤثر عنه في القضايا والشهادات».
٨٠ فقرة، ج ١ ص ٣٣٦
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٣٣٦
(١٨٨) وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظُ - رحمه الله - إجازةً- أَنَّ أبا العَبَّاس الأَصَمَّ حدثهم: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦] .
-
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا (١) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء: ٩٤] .
قال الشافعي: أَمَر اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَن يُمْضِي أَمْرَه على أَحَدٍ مِن عِبَادِه أن يَكُونَ مُتَثَبِّتًا، قَبل أَن يُمْضِيَه» (٢) .
-
وبسط الكلام فيه.
قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: ١٥٩] .
-
و: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: ٣٨] .
قال الشافعي: قال الحَسَنُ: إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مُشَاوَرَتِهم (٣) لَغَنيًا،
ولكنه أَرَاد أَن يَسْتَنَّ بذلك الحُكَّامُ بَعْدَه (٤) .
ج ١ ص ٣٣٧قال الشافعي: وإذا نَزَل بالحَاكِم الأمرُ (١) يَحتَمِلُ وُجُوهًا، أو مُشْكِلٌ، أبْتَغِي (٢) له أن يُشَاوِرَ: مَن جَمَع العِلمَ والأَمَانةَ» (٣) .
-
وبسط الكلام فيه.
-
(١٨٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ -قراءَةً عليه- حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: ٢٦] الآية. وقال في أهل الكتاب: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: ٤٢] .
وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: ٤٩] الآية.
وقال: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: ٥٨] .
قال الشافعي: فَأعْلَمَ اللهُ نَبيَّه - صلى الله عليه وسلم -: أن فَرضًا عليه، وعلى مَن قبله، والناس، إذا حَكَمُوا، أن يَحكُموا بالعدل، والعَدلُ: اتِّباعُ حُكْمِه المُنَزَّل» (٤) .
-
(١٩٠) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي -في قوله - عز وجل -: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: ٤٩] .
-
-: «يحتمل: سَبيلَهُم (٥) في أَحْكَامِهم، ويحتمل: ما يَهْوَوْن.
- ج ١ ص ٣٣٨
وأيهما كان، فَقَد نُهِيَ عنه، وأُمِرَ أَن يُحْكَم بينهم بما أنزلَ اللهُ على نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم -» (١) .
-
(١٩١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] .
قال الشافعي: قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَنِ: لولا هذه الآية، لَرأيتُ أَنَّ الحُكَّامَ قد هَلكُوا، ولكنَّ اللهَ تعالى حَمِدَ هذا بِصَوابِه، وأَثْنَى على هذا باجتهاده» (٢) .
-
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: ٣٦] .
-
فلم يَخْتلِف أهلُ العِلم بالقُرآن -فيما عَلِمتُ- أَنَّ السُّدَى: هو الذي لا يُؤْمَر، ولا يُنْهَى» (٣) .
-
(١٩٢) وفيما (٤) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازةً-: أن أبا العباس حدثهم: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: ٢٨٢] .
- فاحتمل أَمرُ اللهِ بالإشهادِ عند البَيع أمرين:
-
أحدهما: أن يَكُونَ دلالة على ما فيه الحَظُّ بالشهادة، ومُبَاحُ تَركِهَا، لا
حَتمًا، يكونُ مَن تَركَه عاصيًا بتركه.
-
واحتمل: أن يكونَ حتمًا منه، يَعْصِي مَن تَرَكهُ بتركه.
-
والذي أختارُ: أن لا يَدَع المُتبايعَانِ الإِشهَادَ، وذلك أنهما إذا أَشْهَدا، لم يَبْق في أَنفُسِهما شيءٌ؛ لأن ذلك إن كان حتمًا، فَقد أَدَّياه، وإن كان دِلالةً، فقد أَخَذ (١) بالحَظِّ فيها.
قال: وكُلُّ ما نَدَبَ اللهُ - عز وجل - إليه -مِن فَرضٍ، أو دِلالَةٍ- فهو بَركَةٌ على مَن فَعلَه، ألا تَرى أن الإشهادَ في البيع، إذا كان دِلالةً، كان فيه (٢) أنَّ المتبايعَين، أو أحدهما إن أَرادَ ظُلمًا: قَامَت البَيِّنةُ عليه، فَيُمْنَعُ مِن الظُّلم الذي يَأثَمُ به.
-
وإن كان كارهًا: لا يُمْنَع منه، ولو نَسِي، أو وَهِمَ، فَجَحَد: مُنِع مِن المَأْثَم على ذلك، بالبينة، وكذلك وَرَثَتُهُما بعدهما.
-
أو لا ترى أنهما، أو أحدهما لو وَكَّل وكيلًا بِبَيْعٍ، فباع هو رَجُلًا، وباع وَكيلُه آخَر، ولم يُعْرَف أَيُّ البَيْعَيْن أَوله = لم يُعْط الأولُ مِن المُشتَرِيين (٣) بقول البائِع، ولو كانت بَيِّنةٌ (٤) ، فَأَثْبَتَتْ أيهما أَوَّلُ: أُعْطِيَ الأَوَّلُ.
-
فالشهادةُ سَبَبُ قَطْعِ المَظَالِم، وتُثْبتُ الحُقُوقَ، وكُلُّ أَمْرِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ،
ج ١ ص ٣٤٠ثم أَمْرِ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: الخَيْرُ الذي لا يَعْتَاضُ مِنهُ مَن تَركَه.
قال الشافعيُّ: والذي يُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وإيَّاه أَسْألُ التَّوفِيقَ: أن يَكُونَ أمره بالإشهاد في البيع: دِلالةً، لا حَتْمًا (١) ، قال الله - عز وجل -: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: ٢٧٥] . فَذكَر أَنَّ البيعَ حَلالٌ، ولم يذكر معه بَيِّنَةً.
وقال في آية الدَّيْن، والدَّيْنُ: تَبَايُعٌ، وقَد أَمَر اللهُ فيه بالإشهاد، فَبَيَّن (٢) المعنى الذي أَمَر لَه بِه، فَدَلَّ مَا بَيَّن اللهُ في الدَّيْن، على أَنَّ اللهَ أَمَر به عَلى النَّظَر والاخْتِيَار، لا عَلى الحَتْم.
قال اللهُ تبارك وتعالى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: ٢٨٢] ، ثم قال في سياق الآية: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: ٢٨٣] .
-
فَلَمَّا أَمَر -إذا لم يَجِدُوا كاتبًا-: بالرَّهْن، ثم أَبَاحَ تَركَ الرَّهْنِ، وقال:
{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} = دَلَّ على أَنَّ الأمرَ (٣) الأول: دِلالَةٌ على الحَظِّ، لا فَرضٌ منه، يَعْصِي مَن تَركَه، واللَّهُ أَعْلَمُ» (٤) .
-
ثم اسْتَدَلَّ عليه بالخبر (٥) ، وهو مذكورٌ في مَوضِع آخَر.
- ج ١ ص ٣٤١
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} وقال تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: ٦] ففي هذه الآية، مَعْنَيان:
أحدهما: الأَمْرُ بالإشهاد، وهو مِثل مَعنى الآية التي قبلها واللَّهُ أَعْلَمُ: مِن أَنَّ الأمر (١) بالإشهاد: دِلالةً، لا حَتمًا.
-
وفي قول الله - عز وجل -: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} كالدَّلِيل عَلى الإرْخَاصِ في تَرْكِ الإشهاد؛ لأن الله - عز وجل - يقول: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} أي: إن لم يُشْهِدُوا واللَّهُ أَعْلَمُ.
-
والمعنى الثاني: أن يَكُونَ وَلِيُّ اليَتِيمِ-المأمور بالدَّفع إليه مَالَه، والإشهادِ عليه-يَبرأُ بالإشهَادِ عَليه، إنْ جَحَدَهُ اليَتيمُ، ولا يبرأُ بِغَيره، أو يكون مَأمورًا بالإشهاد عليه: على الدِّلالَة. وقَد يَبرأُ بغير شَهَادة، إذا صَدَّقَه اليتيمُ.
-
والآيةُ مُحْتِمَلَةُ المَعنَيين (٢) معًا» (٣) .
-
واحْتَجَّ الشافعي - رحمه الله - في رواية المُزَنِيِّ عنه في «كتاب الوكالة» بهذه الآية: في الوَكِيل إذا ادَّعَى دَفْعَ المَالِ إلى مَن أَمَره المُوَكِّل بالدَّفْع إليه = لم
ج ١ ص ٣٤٢يُقْبَل إلا بِبَيِّنَةٍ؛ فإن الذي (١) زَعم أنه دَفَعه إليه، ليس هو الذي ائْتَمَنَه على المال، كما أن اليتامى: ليسوا الذين ائتمنوه على المال؛ فَأُمِر بالإشهاد.
-
وبهذا فرق بينه، وبين قوله لِمَن ائتَمَنه: قد دفعتُه إليك، فَيُقبَل؛
-
لأنه ائتمنه» (٢) .
-
وذكر أيضًا في «كتاب الوَدِيعَة» -رواية الربيع- بمعناه (٣) .
-
(١٩٣) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازةً- أن أبا العباس حدثهم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال اللهُ تبارك وتعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: ١٥] .
-
فَسَمَّى اللهُ في الشَّهادة في الفَاحِشَة - والفَاحِشَةُ هاهنا وَاللَّهُ أَعْلَمُ: الزِّنا- أَربَعَةَ شُهُودٍ، فلا تَتِمُّ الشَّهادَةُ في الزِّنا إلا بأربعة شهداء، لا امْرأةَ فيهم؛ لأن الظَّاهِر مِن الشُهَداءِ: الرِّجَالُ خَاصَةً، دونَ النِّسَاءِ» (٤) .
-
وبسط الكلامَ في الحُجَّةِ على هذا.
قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢]
-
فأمر الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ -في الطلاق والرَّجْعَة-: بالشَّهَادَة، وسَمَّى فيهما (٥)
- ج ١ ص ٣٤٣
عَددَ الشَّهَادَة، فانتهى إلى شَاهِدَين.
-
فَدلَّ ذلك: عَلى أن كَمَال الشَّهادة -في الطَّلاق والرَّجْعَة-: شاهدان، لا نِساءَ فيها؛ لأن شاهدين لا يَحْتَمِلُ بَحَالٍ أن يكونا إلا رَجُلَين.
-
وذاك أَنِّي لم أَلْق مخالفًا حَفِظتُ عنه -مِن أَهلِ العِلْم- أَنَّ حَرامًا أن يُطَلِّقَ بِغَير بِيِّنَة، على أَنَّه وَاللَّهُ أَعْلَمُ دِلالةُ اختيار.
-
واحتملت الشهادة على الرَّجْعَة -مِن هَذا- ما احْتَمل الطَّلاقُ.
-
ثم ساق الكلام، إلى أن قال:
والاخْتِيارُ في هذا، وفي غيره، مِمَّا أُمِر فيه بالإشهاد» (١) .
-
وبهذا الإسناد، قال الشافعي (١: «قال الله تبارك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: ٢٨٢] الآية، والتي بعدها، وقال في سياقها: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: ٢٨٢] .
قال الشافعي: فذكر الله - عز وجل - شُهُودَ الزِّنا، وذَكَر شُهودَ الطَّلاق والرَّجْعَة، وذكر شُهودَ الوَصِيَّة، يعني: قَولَه تعالى: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: ١٠٦] = فلم يذكر معهم امرأة.