المسألة الثانية في جواز ورود المجمل في كلام الله وكلام رسوله

٩ فقرات، ج ٣ ص ١٥٨

  1. مثال الثاني أن يقوم من الركعة الثانية ولا يجلس قدر التشهد جوزنا أن يكون قد سها فيه وأن يكون قد تعمد ذلك ليدلنا على جواز ترك هذه الجلسة وأما المستنبط من الأصل فهو القياس ولا يتصور فيه الإجمال والله أعلم المسألة الثانية يجوز ورود المجمل في كلام الله تعالى وكلام رسول الله ص والدليل عليه وقوعه في الآيات المتلوة

    ج ٣ ص ١٥٨
  2. واحتج المنكر بأن الكلام إما أن يذكر للإفهام أو لا للإفهام والثاني عبث غير جائز على الله تعالى

    ج ٣ ص ١٥٩والأول إما أن يكون قد قرن بالمجمل ما يبينه أو لم يفعل ذلك والأول تطويل من غير فائدة لأن التنصيص عليه أسهل وأدخل في الفصاحة من ذكره باللفظ المجمل ثم بيان ذلك المجمل بلفظ آخر وأيضا فيجوز أن يصل الإنسان إلى ذلك المجمل قبل وصوله إلى ذلك البيان فيكون سببا للحيرة وإنه غير جائز والثاني باطل لأنه إذا أراد الإفهام مع أن اللفظ لا يدل عليه وليس معه ما يدل عليه كان تكليفا بما لا يطاق وإنه غير جائز والجواب أن هذا الكلام ساقط عنا لأن عندنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وعند المعتزلة فلا يبعد أن يكون في ذكره باللفظ المجمل ثم إرداف ذلك المجمل بالبيان مصلحة لا يطلع عليها ومع الاحتمال لا يبقى القطع والله أعلم

    ج ٣ ص ١٦١القول في أمر ظن أنها من المجملات

  3. وليست كذلك وفيه مسائل المسألة الأولى ذهب الكرخي إلى أن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان كقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم يقتضي الإجمال وعندنا أنه يفيد بحسب العرف تحريم الفعل المطلوب من تلك الذات فيفهم من قوله حرمت عليكم أمهاتكم تحريم الاستمتاع ومن قوله حرمت عليكم الميتة تحريم الأكل لأن هذه الأفعال هي الأفعال المطلوبة في هذه الأعيان

    ج ٣ ص ١٦٢والحاصل أنا نسلم كونه مجازا في اللغة لكنه حقيقة في العرف لنا وجوه الأول أن الذي يسبق إلى الفهم من قول القائل هذا طعام حرام تحريم أكله ومقوله هذه المرأة حرام تحريم وطئها ومبادرة الفهم دليل الحقيقة وثانيها ماروي أنص قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها فدل هذا على أن تحريم الشحوم أفاد تحريم كل أنواع التصرف وإلا لم يتوجه الذم عليهم في البيع

    ج ٣ ص ١٦٣وثالثها أن المفهوم من قولنا فلان يملك الدار قدرته على التصرف فيها بالسكنى والبيع ومن قولنا فلان يملك الجارية قدرته على التصرف فيها بالبيع والوطء والاستخدام وإذا جاز أن تتخلف فائدة الملك على هذا النحو جاز مثله في التحريم والتحليل احتج الكرخي بأن هذه الأعيان غير مقدورة لنا لو كانت معدومة فكيف إذا كانت موجودة فإذن لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره بل المراد تحريم فعل من الأفعال المتعلقة بتلك الأعيان وذلك الفعل غير مذكور وليس إضمار بعضها أولى من بعض فإما أن نضمر الكل وهو محال لأنه إضمار من غير حاجة وهو غير جائز أو نتوقف في الكل وهو المطلوب وايضا فالآية لو دلت على تحريم فعل معين لوجب أن يتعين ذلك الفعل في كل المواضع وليس كذلك لأن المراد بقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم حرمة الاستمتاع وبقوله حرمت عليكم الميتة حرمة الأكل

    ج ٣ ص ١٦٤والجواب لا نزاع في أنه لا يمكن إضافة التحريم إلى الأعيان لكن قوله ليس إضمار بعض الأحكام أولى من بعض ممنوع فإن العرف يقتضي إضافة ذلك التحريم إلى الفعل المطلوب منه والله أعلم المسألة الثانية

  4. ذهب بعض الحنفية إلى إن قوله تعالى وامسحوا برؤوسكم مجمل لأنه يحتمل مسح جميع الرأس ومسح بعضه وإذا ظهر الاحتمال يثبت الإجمال وقال آخرون لو خلينا واللفظ لمسحنا كل جميع الرأس لأن الباء للإلصاق ٣ وقال ابن جني لا فرق في اللغة بين أن تقول مسحت بالرأس وبين أن تقول مسحت الرأس لأن الرأس اسم للعضو بتمامه فوجب مسحه بتمامه

    ج ٣ ص ١٦٥وقال بعض الشافعية إنها للتبعيض فهو يفيد مسح بعض الرأس وقال آخرون لا إجمال فيه لأن لفظ المسح مستعمل في مسح الكل بالاتفاق وفي مسح البعض كما يقال مسحت يدي بالمنديل ومسحت يدي برأس اليتيم وإن كان إنما مسحها ببعض الرأس والأصل عدم الاشتراك فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين مسح الكل ومسح البعض فقط وذلك هو مماسة جزء من اليد جزءا من الرأس فثبت أن اللفظ ما دل إلا عليه فكان الآتي به عاملا باللفظ وحينئذ لا يتحقق الإجمال ويكفي في العمل به مسح أقل جزء من الرأس وهو قول الشافعي رضي الله عنه

    ج ٣ ص ١٦٦المسألة الثالثة اختلفوا في حرف النفي إذا دخل على الفعل كقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ولا عمل لمن لا نية له

  5. فقال أبو عبد الله البصري إنه مجمل لأن ذات الصلاة والعمل موجودة فلا يمكن صرف النفي إليها فوجب صرفه إلى حكم آخر وليس البعض أولى من البعض فإماأن يحمل على الكل وهو إضمار من غير ضرورة ولأنه قد يفضي إلى التناقض لأنا لو حملناه على نفي الصحة ونفي الكمال معا وفي نفي الكمال ثبوت الصحة فيلزم التناقض أولا يحمل على شئ من الأحكام بل يتوقف وهذا هو الإجمال ومن الناس من فصل وقال هذا النفي إما أن يكون داخلا على

    ج ٣ ص ١٦٧مسمى شرعي أو على مسمى حقيقي فإن كان الأول فلا إجمال لأن الصلاة اسم شرعي والشرع أخبر عن انتفاء ذلك المسمى عند انتفاء الوصف المخصوص فإن قلت يقال هذه الصلاة فاسدة فدل على بقاء المسمى مع الفساد وقال ص دعي الصلاة أيام أقرائك قلت التوفيق بين الدليلين أن نصرف ذلك إلى المسمى الشرعي وهذا إلى المسمى اللغوي ومن هذا الباب قوله لا نكاح إلا بولي ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل أما إن كان المسمى حقيقيا فإما أن يكون له حكم واحد أو أكثر من حكم واحد

    ج ٣ ص ١٦٨والأول

  6. كقولنا لا شهادة لمجلود في قذف لأنه لا يمكن صرف النفي إلى ذات الشهادة لأنها قد وجدت فلا بد من صرف النفي إلى حكمها وليس لها إلا حكم واحد وهو الجواز لأن الشهادة إذا كانت فيما كانت ندبنا إلى ستره لم يكن لإقامتها مدخل في الفضيلة كقولنا لا إقرار لمن أقر بالزنا مرة واحدة لأن الأولى له أن يستر ذلك على نفسه فإذن لا حكم له إلا الجواز واذا لم يكن له إلا هذا الحكم الواحد انصرف النفي إليه فصح التعلق به أما إذا كان له حكمان الفضيلة والجواز فلم يكن صرفه إلى أحدهما أولى من الآخر فيتعين الإجمال هذا قول الأكثرين ولقائل أن يقول لكن صرفه إلى الجوا أولى من صرفه إلى الفضيلة لوجوه أحدها أن المدلول عليه باللفظ نفي الذات والدال على نفي الذات دال على نفي جميع الصفات لاستحالة بقاء الصفة مع عدم الذات فإذن قوله لا عمل يدل على نفي الذات وعلى نفي الصحة

    ج ٣ ص ١٦٩ونفي الكمال ترك العمل به في الذات فوجب أن يبقى معملا به في الباقي فإن قلت اللفظ لم يدل على نفي الصحة بالمطابقة وإنما دل عليها بالالتزام ضرورة أنه يلزم من انتفاء الذات انتفاء الصفة ودلالة الالتزام تابعة لدلالة المطابقة التي هي الأصل فها هنا لما لم توجد دلالة المطابقة التي هي الأصل فكيف تبقى دلالة الالتزام التي هي الفرع

  7. وأيضا فقد جاء هذا اللفظ لنفي الفضيلة فقط والأصل في الكلام الحقيقة والجواب عن الأول إنه لا نزاع في أن دلالة هذا اللفظ على نفي الصفة تابعة لدلالته على نفي الذات لكن بعد استقرار تلك الدلالة صار اللفظ كالعام بالنسبة إليها بأسرها

    ج ٣ ص ١٧٠فإذا خص عنها في بعض الأمور وهو الذات وجب أن يبقى معمولا به في الباقي وعن الثاني أنا بينا أن اللفظ عام بالنسبة إلى نفي الذات ونفي الصفات ثم تارة يختص بالنسبة إلى الذات فقط وحينئذ يفيد نفي بقية الأحكام وتارة يختص بالنسبة إلى الذات والصحة فيبقى معمولا به في الباقي وهو نفي الفضيلة وثانيها هو أن المشابهة بين المعدوم وبين ما لا يصح أتم من المشابهة بين المعدوم وبين ما يوجد ويصح ولا يفضل والمشابهة إحدى أسباب المجاز فكان حمل اللفظ على نفي الصحة أولى وثالثها أن الخلل الحاصل في الذات عند عدم الصحة أشد من الخلل الحاصل فيها عند بقاء الصحة وعدم الفضيلة وإطلاق اسم العدم على

  8. المختل أولى من إطلاقه على غير المختل سلمنا أنه لا يجوز حمل النفي على هذه الأحكام ولا يجوز حمله على نفي الذات فلم قلت إنه مجمل

    ج ٣ ص ١٧١بيانه أن قولنا هذا الشئ لفلان معناه يعود نفعه إليه وقولنا لا عمل لمن لا نية له معناه نفعه إليه وهذا يقتضي نفي الصحة لأنه لو صح ذلك العمل لعاد نفعه إليه واللفظ دل على نقيضه والله أعلم المسألة الرابعة قال بعضهم آية السرقة مجملة في اليد وفي القطع أما اليد فلأنه يطلق اسم اليد على هذا العضو من أصل المنكب وعليه من الزند وعليه من الكوع وعليه من أصول الأنامل وأما القطع فلأنه قد يراد به الشق فقط كما يقال برى فلان قلمه فقطع يده وقد يراد به الإبانة والجواب عن الأول أن اسم اليد موضوع لهذا العضو من المنكب ولا يتناول الكف

    ج ٣ ص ١٧٢وحده لأنه لا يقال قطعت يد فلان بالكلية إذا قطعت من الكف وعن الثاني أن القطع في اللغة الإبانة فأذا أضيف إلى شئ أفاد إبانة ذلك الشئ والشق إذا حصل في الجلد فقد حصلت الإبانة في تلك الأجزاء

  9. بلى أطلق اسم اليد عليه على سبيل إطلاق اسم الكل على الجزء فيكون المجاز ها هنا في لفظ اليد لا في لفظ القطع والله أعلم المسألة الخامسة قيل في قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان إنه مجمل لأن نفس الخطأ غير مرفوع فلا بد من صرفه إلى الحكم فيلزم الإجمال على ما تقدم تقريره والأقرب أنه ليس بمجمل لأن المولى إذا قال لعبده رفعت عنك الخطأ كان ذلك في العرف منصرفا إلى نفي المؤاخذة بذلك الفعل فكذا قال الرسول ص لأمته مثل هذا القول وجب أن ينصرف إلى ما يتوقع مؤاخذته لأمته به وهو الأحكام الشرعية فكأنه قال رفعت عنكم الأحكام الشرعية من الخطأ والله أعلم