زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥
الصفحة ٢١ من ٤٠
- ج ٣ ص ٣٨٢
ورُوِيَ عن قَبيصةَ بن ذُؤيبٍ، أنّه قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ المغرب، ألَا ترَى أنّها ليستْ بأقلِّها ولا أكثرِها، ولا تُقْصَرُ في السَّفرِ، وأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُؤَخِّرْها عن وَقْتِها، ولم يُعَجِّلْها (٣) ؟ وهذا لا أعلمُه قالَه غيرُ قَبيصَةَ.
قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَرْنا قد قيلَ فيما وصَفْنا، وبالله توفيقُنا، وهو أعلمُ بمُرادِه عزَّ وجلَّ من قوله: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} . وكلُّ واحدةٍ من الخمس وسطَى، لأنّ قبلَ كلِّ واحدةٍ منهنَّ صلاتَيْن وبعدَها صلاتَيْن (٤) ، كما قال زيدُ بن ثابتٍ في الظُّهر، والمحافظةُ على جَميعِهنَّ واجبٌ واللهُ المستعان.
- ج ٣ ص ٣٨٣
حديث ثانٍ وعشرون لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ
مالكٌ (١) ، عن زيد بن أسْلَمَ، عن عَمْرو بن مُعاذ الأشهليِّ (٢) الأنصاريِّ (٣) ، عن جَدَّتِه أنها قالت: قالَ رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا نِساءَ المُؤمناتِ، لا تَحْقِرَنَّ إحْداكُنَّ لجارتِها، ولو كراعَ شاةٍ مُحْرَقًا" .
قال صاحبُ "العينِ" (٤) : الكُراعُ من الإنسانِ ومن الدَّوابِّ وسائرِ المواشي: ما دُونَ الكَعْبِ.
-
وفي هذا الحديثِ الحَضُّ على الصِّلَةِ والهدِيَّةِ بقليلِ الشيءِ وكثيرِه، وفي ذلك دليلٌ على بِرِّ الجارِ وحفظِه، لأنَّ مَن نُدِبْتَ إلى أنْ تُهْدِيَ إليه وتَصِلَه، فقد مُنِعْتَ من أذاه، وأُمِرْتَ ببِرِّه. والآثارُ في الهدايا وحسنِ الجوارِ كثيرةٌ معروفةٌ، وفي ذكرِ القليلِ من ذلك ما يُنَبِّهُ على فضلِ الكثيرِ منه لمن فَهِم معنَى الخطاب، وبالله التوفيقُ، ولقد أحسَن القائلُ (٥) :
ج ٣ ص ٣٨٤افعلِ الخيرَ ما استطعْتَ وإن كا ... ن قليلًا فلن تُطِيقَ بكُلِّهْ
ومتى تَفْعَلُ الكثيرَ من الخيـ ... ـرِ إذا كنتَ تارِكًا لأقَلِّه
- وأحسنُ من هذا قولُ محمودٍ الورَّاقِ:
-
لو قد رأيتَ الصغيرَ من عملِ الـ ... ـخيرِ ثوابًا عَجِبْتَ من كبَرِهْ
أو قد رأيْتَ الحقيرَ من عملِ الشرِّ ... جزاءً أشْفَقْتَ من حذَرِهْ
وجَدَّةُ عَمْرو بنِ معاذٍ هذا قيلَ: إنَّ اسمَها حوَّاءُ بنتُ يَزِيدَ بنِ السَّكَنِ. مَدنيَّةٌ، وقد قيلَ: إنّها جدَّةُ ابنِ بُجَيْدٍ أيضًا. وحديثُ كلِّ واحدةٍ منهما قد رُوِيَ عن صاحبته، وسنذكُرُ بعضَ ذلك الاختلافِ في البابِ الذي يَلِي هذا البابَ، في حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابن بُجَيْدٍ الأنصارِيِّ إن شاء اللهُ.
-
حدَّثنا أحمد بن فتحٍ رحِمه اللهُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن فارسِ بنِ أبي شُجاع (١) البغدادِيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبَّار الصُّوفِيُّ، قال: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عمرُ بن عُبيدٍ، عن الأعمشِ (٢) ، عن شقيقٍ، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقبَلوا الهديَّةَ، وأجِيبوا الدَّاعِيَ" (٣) .
- ج ٣ ص ٣٨٥
حديث ثالث وعشرون لزَيْد بن أسْلَم مُسْنَد
مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن بُجَيْدٍ الأنصاريِّ ثم الحارثيِّ، عن جدَّتِه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "رُدُّوا السائلَ ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ" .
-
هكذا رواه جماعةُ رُواةِ "الموطَّأ" عن مالك (٢) ، وتابَع مالكًا على إسنادِ هذا الحديثِ ولفظِه ومعناه، معمرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ (٣) .
-
وكذلك رواه منصورُ بن حيَّانَ، وسعيدٌ المَقْبُريُّ، عن ابن بُجَيْدٍ، عن جدَّتِه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، بمعنَى حديثِ مالكٍ؛ رواه عن المقْبُريِّ، محمدُ بن إسحاق (٤) ، وابن أبي ذئبٍ، واللَّيثُ (٥) . ورواه عن منصورِ بن حيَّان سُفيانُ (٦) .
- ج ٣ ص ٣٨٦
والظِّلْفُ في اللغةِ: الظُّفُرُ من ذوي الأظلافِ، وذلك معروفٌ؛ قال الفرزدقُ:
وكان كعَنزِ السَّوءِ قامَتْ بظِلْفِها ... إلى مُدْيةٍ مدفونةٍ تَسْتَثِيرُها (١)
-
وابن بُجيدٍ مدنيٌّ معروفٌ (٢) ، روَى عنه زيدُ بن أسلمَ، وسعيدٌ المقْبُرِيُّ، ومنصورُ بن حيَّانَ، حديثَه هذا.
-
وجدتُ في أصلِ سماعِ أبي رحِمه اللهُ بخَطِّه، أنَّ محمدَ بن أحمدَ بن قاسم بن هلالٍ حدَّثهم، قال: أخبَرنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا نصرُ بن مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: أخبَرنا ابن أبي ذئبٍ، عن المقبُرِيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن بُجَيْدٍ، عن أُمِّ بُجَيْدٍ، قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، والله إنَّ المسكينَ ليَقِفُ على بابي حتى أستَحيَ، فما أجِدُ ما أضعُ في يدِه، فقال: "ادفَعِي في يدِه ولو ظِلْفًا مُحتَرِقًا" (٣) .
-
وبهذا الإسنادِ عن أسدٍ، قال: حدَّثنا الليثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ المقبُرِيُّ، عن عبدِ الرحمنِ بن بُجَيْدٍ أخي بني حارثةَ، عن جدَّتِه أُمِّ بُجَيْدٍ، أنّها حدَّثته - وكانت ممَّن بايَعَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنّها قالت لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: والله،
ج ٣ ص ٣٨٧إنّ المسكينَ ليقومُ على بابي، فما أجدُ له شيئًا أُعطِيه إيّاه، فقال لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "وإن لم تجدي له شيئًا تُعطيه إيّاه إلّا ظِلْفًا مُحرَقًا، فادفَعِيه إليه في يَدِه" (١) .
-
وخالَف حفصُ بن ميسرَةَ أبو عمرَ الصَّنْعانيُّ في إسنادِ هذا الحديثِ، وفي الذي قبلَه، فقلَبهما، وجعَل إسنادَ هذا في مَتنِ ذلك؛ رواه ابن وَهْب، ومعاذُ بن فَضالةَ، عن أبي عُمرَ الصَّنْعانيِّ حفصِ بن ميسرةَ، عن زيد بن أسلَمَ، عن عَمْرو بن معاذٍ الأشهَلِيِّ، عن جدَّتِه حوَّاءَ، قالت: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "رُدُّوا السائلَ ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ" . وهذا لفظُ حديثِ ابن وَهْبٍ. وقال معاذٌ: "ولو بشيءٍ مُحْتَرِقٍ" (٢) .
-
وتابَعَه على هذا اللَّفظِ بهذا الإسنادِ، هشامُ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ (٣) ، وهذا الحديثُ إنّما هو لابن بُجَيْدٍ.
- ج ٣ ص ٣٨٨
ورُوي أيضًا عن حفصِ بن مَيسرةَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن بُجَيْدٍ، عن جدَّتِه أمِّ بُجَيْدٍ، سمِعَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا تَحْقِرَنَّ جارةٌ لجارتِها ولو فِرْسِنَ شاةٍ" (١) .
-
وقد رُوي عن سعيدٍ المقبُرِيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن بُجَيْدٍ الأنصاريِّ، عن جدَّتِه، قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا نساءَ المؤمناتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسِنَ شاةٍ" .
-
وهذا عندَ مالكٍ (٢) إنّما هو حديثُ عَمْرِو بن معاذٍ الأشْهَلِيِّ، إلّا أنّ لفظَ حديث مالكٍ ليس فيه ذكرُ "فِرْسِنٍ" . وإنّما هو: "ولو كُرَاعٌ مُحْتَرِقٌ" .
قال صاحبُ "العينِ" (٣) : فِرْسِنُ البعيرِ معروفٌ. وقال الأصمعيُّ في قولِه: "فِرْسِنَ شاةٍ" : هذه استعارةٌ، وإنّما يُعْرَفُ الفِرْسِنُ للبعيرِ، والظِّلْفُ للشاةِ. قال: واستعارةُ الفِرْسِنِ لغيرِ البعيرِ هو كقولِ الشاعرِ:
أشكُو إلى مولايَ من مولاتي ... تَرْبِطُ بالحبلِ أُكَيْرِعاتِي (٤)
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ الحضُّ على الصَّدَقةِ بكلِّ ما أمكَن من قليلِ الأشياءِ وكثيرِها، وفي قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) } [الزلزلة: ٧] ، أوضحُ الدَّلائلِ في هذا البابِ. وتَصدَّقتْ عائشةُ رضي الله عنها
ج ٣ ص ٣٨٩بحَبّتين من عِنَبٍ، فنظَر إليها بعضُ أهلِ بيتِها، فقالت: لا تَعْجَبَنَّ، فكم فيها من مثقالِ ذرَّةٍ (١) ؟
-
ومن هذا البابِ قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اتَّقوا النارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ، ولو بكلمةٍ طيِّبةٍ" (٢) . وإذا كان اللهُ يُرْبِي الصَّدقاتِ، وَيأخُذُ الصدقةَ بيَمِينِه، فيُرْبِيها كما يُرَبِّي أحدُنا فَلُوَّه أو فَصِيلَه (٣) ، فما بالُ من عَرَفَ هذا يَغفُلُ عنه؟ وما التوفيقُ إلّا بالله.
-
وفي سماعِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابن بُجَيْدٍ هذا من روايةِ المَقْبُرِيِّ وغيرِه، قولَ جدَّةِ ابن بُجَيْدٍ له: إنّ المِسْكينَ لَيقِفُ على بابِي. ولم يُنكِرْ عليها، دليلٌ على أنّ قولَه - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ أبي هريرةَ: "ليس المسكينُ بالطَّوَّافِ عليكم" (٤) لم يُرِدْ به اسمَ المَسْكَنةِ، ولكنَّه أراد معنًى منها ليس موجودًا في الطَّوَّافِ على الأبوابِ، وهو الصَّبْرُ على اللّأْوَاءِ والفَقْرِ مع تركِ السُّؤالِ، وكلاهما يَقعُ عليه اسمُ مسكينٍ بظاهرِ الحدِيثينِ، فكأنّه أراد، واللهُ أعلمُ: ليس المسكينُ على تمام المسكَنةِ، وعلى الحقيقةِ، إلّا الذي لا يَسألُ الناسَ. ومنه قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "ليس مِن البِرِّ الصيامُ في السَّفَرِ" (٥) . أي: ليس البِرُّ كلُّه بتَمامِه؛ لأنّ الفِطرَ أيضًا في السَّفرِ في رمضانَ بِرٌّ؛ للأخذِ برُخصةِ الله عزَّ وجلَّ وإباحتِه، وبالله التوفيقُ.
- ج ٣ ص ٣٩٠
حديثٌ رابعٌ وعشرون لزَيْد بن أسْلَم مُسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن زيد بن أسلمَ، عن رجلٍ من بني ضَمْرةَ، عن أبيه، أنّه قال: سُئِل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن العَقِيقَةِ، فقال: "لا أُحِبُّ العُقُوقَ" . وكأنّه إنّما كرِه الاسمَ، وقال: "من وُلِد له ولدٌ فأحبَّ أن يَنْسُكَ عن وَلَدِه فلْيَفْعَلْ" .
-
روَى هذا الحديثَ ابن عيينةَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن رجلٍ من بني ضَمرةَ، عن أبيه، أو عن عمِّه، هكذا على الشك (٢) . والقولُ في ذلك قولُ مالكٍ، واللهُ أعلمُ. ولا أعلمُه رُوي معنَى هذا الحديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلّا مِنْ هذا الوَجه، ومِنْ حديث عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، واختُلِف فيه على عَمْرِو بن شعيبِ أيضًا.
-
ومن أحسنِ أَسانيدِ حديثه ما ذكَره عبدُ الرزاقِ (٣) ، قال: أخبَرنا داودُ بن قيسٍ، قال: سمِعتُ عَمْرَو بن شعيب يُحدِّثُ، عن أبيه، عن جدِّه قال: سُئِل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن العَقيقةِ، فقال: "لا أُحبُّ العُقوقَ" . كأنّه كرِه الاسمَ، قالوا: يا رسولَ الله، يَنْسُكُ أحدُنا عن ولدِه؟ فقال: "مَن أحَبَّ منكم أن يَنْسُكَ عن ولدِه فلْيَفْعَلْ؛ عن الغلام شاتانِ مُكافِئتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ" .
- ج ٣ ص ٣٩١
وقد رُوي عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في العَقيقةِ آثارٌ سنذكُرُها ههنا إن شاء اللهُ تعالى.
-
وفي هذا الحديثِ كراهيةُ ما يَقبُحُ معناه من الأسماء، وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُحبُّ الاسمَ الحسنَ، ويُعجِبُه الفأْلُ الحسَنُ (١) . وقد جاء عنه في حربٍ، ومُرَّةَ، ونحوِهما، ما رواه مالكٌ (٢) وغيرُه، وذلك معروفٌ ستراه في بابِه من كتابِنا هذا إن شاء اللهُ.
-
وكان الواجبُ بظاهرِ هذا الحديثِ أن يُقالَ للذبيحةِ عن المولودِ: نَسِيكةٌ، ولا يقالَ لها: عَقيقةٌ، ولكنِّي لا أعلمُ أحدًا من العلماء مالَ إلى ذلك ولا قال به، وأظنُّهم، واللهُ أعلمُ، ترَكوا العملَ بهذا المعنَى المدلولِ عليه من هذا الحديثِ، لِما صَحَّ عندَهم في غيرِه من لفظِ العقيقةِ، وذلك أنّ سَمُرةَ بن جُندُبٍ روَى عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّه قال: "الغلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه، تُذبَحُ عنه يومَ سابعِه" . وروى سَلْمانُ الضَّبيُّ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّه قال: "مع الغلام عَقيقَتُه، فأهَرِيقوا عنه دمًا، وأمِيطُوا عنه الأذَى" (٣) . وهما حديثانِ ثابتانِ، إسنادُ كلِّ واحدٍ منهما خيرٌ من إسنادِ حديثِ زيد بن أسلمَ هذا.
- ج ٣ ص ٣٩٢
حدَّثني عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: أملَى علينا عليُّ بن عبد العزيزِ بمكةَ في المسجدِ الحرام، قال: حدَّثنا مُعلَّى بن أسدٍ، قال: أخبَرنا سلَّامُ بن أبي مُطيع، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن الحَسَنِ، عن سَمُرةَ قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "الغلامُ مُرتَهَنٌ بعَقيقتِه، تُذبَحُ عنه يومَ السابع، ويُحلَق رأسُه ويُسمَّى" (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: أخبَرنا عفّانُ، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن الحَسَنِ، عن سَمُرةَ، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "كلُّ غلام مُرتَهَنٌ بعَقيقتِه، تُذبَحُ عنه يومَ سابعِه، ويُماطُ عنه الأذَى، ويُسمَّى" (٢) .
قال أحمدُ بن زهيرٍ: وحدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا قُريشُ بن أنسٍ، عن حَبيبِ بن الشَّهيدِ، قال: قال لي ابن سيرينَ: سَلِ الحَسَنَ ممَّن سمِع حديثَ العَقيقةِ؟ فسألتُه عن ذلك، فقال: من سَمُرةَ (٣) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا حجَّاجُ بن مِنهالٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، وقتادةُ، ويونسُ، وهشامٌ، وحبيبُ بن الشَّهيد، عن
ج ٣ ص ٣٩٣محمدِ بن سيرينَ، عن سَلْمانَ بن عامرٍ الضَّبيّ، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مع الغلام عَقيقتُه، فأهَرِيقُوا عنه دمًا، وأمِيطُوا عنه الأذَى" (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا أبو غسَّانَ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن عبد الله بن المختارِ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "الغلامُ مُرتَهَن بعَقِيقَتِه" (٢) .
-
فهذا لفظُ العقيقةِ قد صحَّ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من وجوهٍ ثابتةٍ أثْبَتَ من حديثِ زيدِ بن أسلمَ هذا، وعليها العلماءُ، وهو الموجودُ في كُتبِ الفقهاء وأهلِ الأثَرِ في الذَّبيحةِ عن المولودِ "العقيقةُ" دونَ "النَّسِيكَةِ" .
-
وأمَّا العَقيقةُ في اللُّغةِ، فزعَم أبو عُبيدٍ (٣) ، عن الأصمعيِّ وغيرِه، أنّ أصلَها الشَّعَرُ الذي يكونُ على رأسِ الصبيِّ حينَ يُولَدُ. قال: وإنَّما سُمِّيتِ الشاةُ التي تُذبَحُ عنه عَقيقَةً؛ لأنَّه يُحلَقُ عنه ذلك الشَّعَرُ عندَ الذبح. قال: ولهذا قيل في الحديثِ: "وأميطُوا عنه الأذَى" ، يعني بالأذَى ذلك الشَّعَرَ. قال أبو عُبيدٍ: وهذا ممّا قلتُ لك: إنّهم ربَّما سمَّوُا الشيءَ باسم غيرِه إذا كان معه، أو من سبَبِه،
ج ٣ ص ٣٩٤فسُمِّيتِ الشاةُ عقيقةً لعَقيقَةِ الشَّعَر، وكذلك كلُّ مولودٍ من البهائمِ، فإنّ الشَّعَرَ الذي يكونُ عليه حينَ يُولَدُ عقيقةٌ وعِقَّةٌ. قال زهيرٌ يَذكُرُ حمارَ وَحْشٍ (١) :
أذلك أَمْ أقبُّ البَطنِ جَأْبٌ ... عليه من عَقيقَتِه عِفاءُ (٢)
-
يعني صغارَ الوبَرِ.
وقال ابن الرِّقاع في العِقَّةِ يَصفُ حِمارًا (٣) :
تَحسَّرَتْ عِقَّةٌ عنه فأنْسَلَها ... واجْتابَ أُخرَى جديدًا بعدَما ابْتَقَلا
قال: يريدُ أَنَّه لَمّا فُطِم من الرضاع، وأكَل البقْلَ، ألقَى عَقيقتَه، واجتابَ أُخرى، وهكذا زعَموا يكونُ. قال أبو عبيدٍ: العِقَّةُ والعقيقةُ في الناسِ والحُمُرِ، ولم يُسمَعْ في غير ذلك.
قال أبو عُمر: هذا كلُّه كلامُ أبي عبيدٍ وحكايتُه وما ذكَره في تفسيرِ العَقيقةِ، وقد أنكَر أحمدُ بن حنبلٍ تفسيرَ أبي عبيدٍ هذا للعقيقَةِ، وما ذكَره عن الأصمعيِّ وغيره في ذلك، وقال: إنَّما العقيقةُ الذَّبحُ نفسُه. قال: ولا وجهَ لما قال أبو عبيدٍ (٤) . واحتَجَّ بعضُ المتأخِّرين لأحمدَ بن حنبلٍ في قولِه هذا بأن قال: ما قال
ج ٣ ص ٣٩٥قال أحمدُ من ذلك فمعروفٌ في اللغةِ، لأنَّه يقالُ: عَقَّ، إذا قطَع، ومنه يقالُ: عقَّ والدَيْه: إذا قطَعهما (١) .
قال أبو عُمر: يَشهَدُ لقولِ أحمدَ بن حنبلٍ قولُ الشاعر:
بلادٌ بها عَقَّ الشبابُ تمَائِمي ... وأولُ أرضٍ مسَّ جِلْدِي تُرابُها (٢)
-
يريدُ أنه لَمّا شَبَّ، قُطِعَتْ عنه تمَائِمُه.
- ومثلُ هذا قولُ ابن ميَّادَةَ، واسمُه الرَّمَّاحُ (٣) :
-
بلاد بها نِيطَت علَيَّ تَمائِمي ... وقُطِّعْن عنِّي حينَ أدرَكَني عقلي
وقولُ أحمدَ في معنَى العَقيقةِ في اللُّغةِ أولى من قولِ أبي عُبيدٍ وأقربُ وأصوَبُ، واللهُ أعلم.
قال أبو عُمر: في هذا الحديث قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "مَن وُلدَ له ولدٌ فأحبَّ أن يَنسُكَ عن ولدِه فلْيَفْعَلْ" دليلٌ على أنّ العقيقةَ ليست بواجبةٍ؛ لأنّ الواجبَ لا يقالُ فيه: "مَنْ أحبَّ فلْيَفْعَلْه" . وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه، فذهَب أهلُ الظَّاهرِ إلى أنّ العقيقةَ واجبةٌ فرضًا، منهم داودُ بن عليٍّ وغيرُه (٤) . واحتجُّوا لوُجوبِها بأنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بها وفعَلها، وكان بُريدَةُ الأسلَمِيُّ يُوجِبُها، وشَبَّهها بالصَّلاةِ،
ج ٣ ص ٣٩٦فقال: النَّاسُ يُعرَضون يومَ القيامةِ على العَقيقةِ كما يُعرَضون على الصلواتِ الخمسِ (١) .
-
وكان الحسنُ البصريُّ يذهَبُ إلى أنّها واجبة عن الغلام يومَ سابعِه، فإن لم يُعَقَّ عنه عَقَّ عن نفسِه (٢) .
وقال الليثُ بن سعدٍ: يُعَقُّ عن المولودِ في أيامِ سابعِه في أيّها شاء، فإن لم تتهيَّأ لهم العَقيقةُ في سابعِه، فلا بأسَ أن يُعَقَّ عنه بعدَ ذلك، وليس بواجبٍ أن يُعَقَّ عنه بعدَ سبعةِ أيام. وكان الليثُ يَذْهبُ إلى أنّها واجبة في السبعةِ الأيام (٣) .
-
وكان مالكٌ يقولُ: هي سُنَّةٌ واجبةٌ يجبُ العملُ بها (٤) ، وهو قولُ الشافعيِّ، وأحمدَ بن حنبلٍ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، والطَّبَريِّ؛ قال مالكٌ: لا يُعَقّ عن الكبيرِ، ولا يُعَقُّ عن المولودِ، إلّا يومَ سابعِه ضَحْوَة، فإن جاوَز يومَ السابع، لم يُعَقَّ عنه (٥) . وقد رُوي عنه أنه يُعَقُّ عنه في السابع الثاني. قال: ويُعَقُّ عن اليتيم، ويَعُقُّ العبدُ
ج ٣ ص ٣٩٧المأذونُ له في التِّجارةِ عن ولدِه، إلّا أن يمنعَه سيِّدُه. قال مالك: ولا يُعَدُّ اليومُ الذي وُلِدَ فيه، إلّا أن يُولَدَ قبلَ الفجرِ من ليلةِ ذلك اليوم.
-
ورُويَ عن عطاء: إن أخطَأهم أمرُ العقيقةِ يومَ السابع، أحبَبتُ أن يُؤَخِّروه إلى يوم السابع الآخر (١) .
-
ورُوي عن عائشةَ أنّها قالت: إن لم يُعَقَّ عنه يومَ السابع، ففي أربعَ عشْرةَ، فإن لم يكنْ، ففي إحدى وعشرين (٢) ؛ وبه قال إسحاقُ بن راهُوْيَة، وهو مذهبُ ابن وَهْبٍ؛ قال ابن وَهْبٍ: قال مالكُ بن أنسٍ: إن لم يُعَقَّ عنه في يوم السابع، عُقَّ عنه في السابع الثاني. وقال ابن وَهْبٍ: ولا بأْسَ أن يُعَقَّ عنه في السابع الثالث.
وقال مالك: إن مات قبلَ السابع لم يُعَقَّ عنه. ورُوي عن الحسن مثلُ ذلك.