مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ١٤ من ٧٩
- ج ٨ ص ٤٨٨
ومِن ذلك أيضًا: الأرضُ، واختِلافُهُم فيها، وفي قِسْمتِها، وتَوْقيفِها. وقد ذكَرْنا ذلك في بابِ ابنِ شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا.
-
وهذا كلُّهُ مِنِ اختِلافِهِم فيما ذكَرْنا، إجماعٌ منهُم على أنَّ الآيةَ مخصُوصةٌ، فيها ضَميرُ الأنفالِ، وأنَّها مردُودةٌ إلى الإمام على اجتِهاد، فإن شاءَ نفَّلَ قبلُ، وإن شاءَ بعدُ على قَدرِ ما يَراهُ من الاجتِهادِ للمُسلِمين.
-
والسَّلبُ من النَّفلِ، عندَ جميعِهِم، كما قال ابنُ عبّاس (٢) .
قال الله عزَّ وجلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) } [الأنفال: ١] . وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ النَّفلَ يجتهِدُ فيه الإمامُ على حسَبِ ما ثبَتَ من أفعالِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، والله أعلمُ.
-
رَوَى الثَّوريُّ وعبدُ الله (٣) بن جعفرِ بن نجيح وجماعةٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِت بن عبدِ الله بن عيّاشِ بن أبي رَبيعةَ، عن سُليمان بن موسى الأشْدَقِ، عن مَكْحُولٍ، عن أبي سلّام الباهِليِّ، عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ صاحِبِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ قال: خرجَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بَدْرٍ، فلقِيَ العدُوَّ، فلمّا هَزَمهُمُ الله، اتَّبَعتهُم (٤) طائفةٌ من المُسلِمينَ تُقاتِلُهُم، وأحْدَقت طائفةٌ برسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -،
ج ٨ ص ٤٨٩واستَولَتْ طائفةٌ على العَسْكرِ والنَّهبِ، فلمّا نَفَى اللهُ العدُوَّ، ورجَعَ الذين طلبُوهُم، قالوا: لنا النَّفلُ، نحنُ طلَبْنا العدُوَّ، وبِنا نفاهُمُ الله وهَزمهُم. وقال الذين أحْدَقُوا برسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أنتُم بأحقَّ مِنّا، بل هُو لنا، نحنُ أحْدَقنا برسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، لا ينالُ العدُوُّ منهُ غِرَّةً. وقال آخرونَ اسْتَولوا على العَسْكرِ والنَّهبِ: والله ما أنتُم بأحقَّ به مِنّا، بل هُو لنا، نحنُ أخذناهُ واسْتَولينا عليه. فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: ١] ، فقَسَمهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينهُم (١) .
قال أبو عُمرَ: لا يختلِفُ العُلماءُ، أنَّ بعدَ هذا نزلَت: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} الآيةَ [الأنفال: ٤١] فأحكَمَ الله أمْرَ الغَنِيمةَ، وبيَّنَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المُرادَ بما نصَّ به في السَّلَبِ وغيرِهِ، وإنَّما جاءَ اختِلافُ العُلماءِ في هذا البابِ على حَسَبِ ما روَوْا فيه، والله أعلمُ.
-
وأمّا حديثُ ابنِ عُمرَ المذكُورُ في هذا البابِ، فلا يحتمِلُ تأويلًا، ولا لهُ إلّا وجهٌ واحدٌ، وذلك أنَّهُم نُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا بعد سُهمانِهِم، فدلَّ على أنَّ ذلك من غيرِ سُهمانُهُم، ولا موضِعَ لغيرِ السُّهمانِ إلّا الخُمُسُ، على رِوايةِ أكثرِ أصحابِ نافِع لهذا الحديثِ، لا على رِوايةِ ابن إسحاقَ.
-
ومِمّا احتجَّ به من رأى النَّفل من الخُمُسِ، لا من رأسِ الغَنيمةِ، حديثُ مُعاويةَ مع عُبادةَ بن الصّامِتِ، وذلك أنَّ مُعاويةَ لمّا غَزا عام المضيقِ (٢) فغنِمَ،
ج ٨ ص ٤٩٠أرسلَ إلى عُبادةَ بن الصّامِتِ ببِرْذَونٍ (١) من المَغنم، فردَّهُ عُبادةُ: فقال لهُ مُعاويةُ: ما أنتَ وذلك (٢) ؟ قال عُبادةُ: إنَّك لم تكُن مَعَنا في غَزْوةِ كذا وكذا، إذ جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسُولَ الله أعْطِني عِقالًا، فقال لهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا طاقَةَ لك بعِقالٍ من نارٍ، ولكِن إذا خمَّسنا فتعالَ أُعطِكَ" (٣) .
قالوا: فهذا نصٌ على أنَّ النَّفلَ لا يكونُ من رأسِ الغَنِيمةِ.
وقال غيرُهُم: يحتمِلُ أن يكونَ من سِهام المُوجِفينَ، ويحتمِلُ أن يكونَ من الخُمُسِ، يكونُ من أحدِهِما، وأيِّهِما كان فمعلُومٌ أهلُهُ، وإذا جازَ أن يكونَ من الخُمُسِ، والخُمُسُ لأهلِهِ، جازَ أن يكونَ من سِهام المُوجِفينَ، وإن لم يكُن من (٤) رأسِ الغَنيمةِ.
-
واحتجُّوا أيضًا بحديثِ محمدِ بن سيرين: أنَّ أنسَ بن مالكٍ كان مع عُبيدِ الله بن أبي بَكْرةَ في غَزاةٍ، فأصابُوا سَبْيًا (٥) ، فأرادَ عُبيدُ الله أن يُعطِيَ أنسًا من السَّبيِ (٦) قبلَ أن يُقسَمَ، قال أنسٌ: لا، ولكِنِ اقْسِم، ثُمَّ أعْطِني من الخُمُسِ. فقال عُبيدُ الله: لا، إلّا من جَميع الغَنائم. فأبَى أنسٌ أن يقبَلَ، وأبى عُبيدُ الله أن يُعطِيهُ من الخُمُس (٧) .
- ج ٨ ص ٤٩١
وهذا عن (١) أنسٍ بحَضْرةِ جُلَّةٍ من العُلماءِ، ورُبَّما كان هُناكَ غيرُهُ من الصَّحابةِ، ولم يُرْوَ عن واحدٍ منهُم نَكيرٌ لذلك، فهذا الاختِلافُ قَدِيم في هذا البابِ، وبالله التَّوفيقُ، وحَسْبُك بقولِ سعيدِ بن المُسيِّبِ: كان النّاسُ يُعطَوْنَ النَّفل من الخُمُس (٢) .
-
وأمّا حديثُ حَبِيبِ بن مَسْلمةَ الذي احتجَّ به من جعَلَ النَّفل من غيرِ الخُمُسِ، وجعَلهُ من رأسِ الغَنِيمةِ قبلَ إحرازِها.
-
فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن العَلاءِ، عن مَكْحُولٍ، عن زيادِ بن جاريةَ، عن حَبِيبِ بن مَسْلمةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نفَّلَ الرُّبُع بعدَ الخُمُسِ في البَدَأةِ، ونفَّلَ الثُّلُث بعدَ الخُمُسِ في الرَّجعَة (٣) .
-
ففي هذا الحديثِ: أنَّ النَّفلَ كان من غيرِ الخُمُسِ، والله أعلمُ.
قال أبو عُمرَ: كان أعدَلُ الأقاويلِ عِندِي، والله أعلمُ، في هذا البابِ، أن يكونَ النَّفلُ من خُمُسِ الخُمُسِ، سَهْم النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لولا أنَّ في حديثِ ابنِ عُمرَ هذا، ما يدُلُّ على أنَّهُ لم يكُن ذلكَ من خُمُسِ الخُمُسِ، وذلكَ أن تُنزَّلَ تلكَ السَّريَّةُ على أنَّهُم كانوا عَشْرةً مِثالًا، ومعلُومٌ أنَّكَ إذا عرفتَ ما للعشرةِ، عرفتَ ما للمئةِ،
ج ٨ ص ٤٩٢وما للألفِ، وأزيَدَ، فمِثالُ ذلك، أن تكونَ السَّريَّةُ عشرةً، أصابُوا في غَنيمتِهِم مئةً وخمسينَ بعيرًا، خرج منها خُمُسُها ثلاثُونَ بعيرًا، وصارَ لهم مئةٌ وعِشرُونَ، قُسِّمت على عَشْرةٍ، وجبَ لكلِّ واحدٍ اثْنا عشَرَ، اثنا عشَرَ بعيرًا، ثُمَّ أُعطِيَ القومُ من الخُمُسِ بعيرًا بعيرًا، فهذا على مذهَبِ من قال: النَّفلُ من جُملةِ الخُمُسِ، لأنَّ خُمُس الثلاثين لا يكونُ فيه عشرَةُ أبعِرةٍ.
-
وقد يحتجُّ من قال: إنَّ ذلك يحتمِلُ أن يكونَ من خُمُسِ الخُمُسِ، بأن يقولَ: جائزٌ أن يكونَ هُناك ثيابٌ ومَتاعٌ غير الإبِلِ، فأعطِيَ من لم يبلُغهُ البَعِيرُ قيمةَ البَعيرِ من غيرِ ذلك من العُرُوضِ.
-
ومِن حُجَّةِ الشّافِعيِّ ومن قال بقولِهِ: إنَّ النَّفلَ لا يكونُ إلّا من خُمُسِ الخُمُسِ، سهم النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما ذكرهُ أبو عبدِ الله المروزيُّ رحِمهُ الله، قال (١) : حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن جريرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: سمِعتُ محمد بن إسحاقَ يقولُ: حدَّثني الزُّهريُّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن جُبيرِ بن مُطْعِم قال: لمّا قسَمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَهْمَ ذي القُرْبَى بينَ بني هاشِم وبني المُطَّلِبِ، أتَيتُهُ أنا وعُثمانُ، فقُلنا: يا رسُولَ الله، هؤُلاءِ بنُو هاشِم لا يُنكَرُ فضلُهُم لما وضعكَ الله منهُم، أفرأيتَ بني المُطَّلِبِ أعْطَيتهُم ومَنَعتنا، ونحنُ وهُم مِنكَ بمَنْزِلة؟ فقال: "إنَّ بَني المُطَّلِبِ لم يُفارِقُوني في جاهِليَّةٍ ولا إسلام، وإنَّما بنُو هاشِم وبنُو المُطَّلِبِ شيءٌ واحدٌ" . وشبَّكَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصابِعِهِ.
قال: فقسَمَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينهُم خُمُس الخُمُسِ.
- ج ٨ ص ٤٩٣
وكان مالكٌ رحِمهُ الله لا يَرَى قِسمةَ الخُمُسِ أخماسًا، وقال: الخُمُسُ من الغَنيمةِ، حُكمُهُ حُكمُ الفيءِ، الذي لم يُوجَف عليه بخيلٍ ولا رِكِابٍ، مِمّا أفاءَ الله على المُسلِمين (١) .
قال: ويُجعلُ الخُمُسُ والفيءُ جميعًا في بيتِ المالِ. قال: ويُعطى أقرِباءُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - على ما يَرَى الإمامُ ويجتهِدُ في ذلك، فإن تكافَأ أهلُ البُلدانِ في الحاجَةِ، بُدِئَ بالذينِ فيهمُ المالُ، وإن كان بعضُ البُلدانِ أشدَّ حاجةً، نُقِلَ إليهم أكثرُ المالِ. وكان مالكٌ يرى التَّفضيل في العَطاءِ على قدرِ الحاجةِ، ولا يُخْرَجُ عندَهُ مالٌ من بلدٍ إلى غيرِهِ، حتَّى يُعطَى أهلُهُ ما يُغنيهِم على وجهِ النَّظرِ والاجتِهادِ.
قال: ويجُوزُ أن يُجيزَ الوالي على وجهِ الدَّينِ، أو لأمرٍ يَراهُ، قدِ استحقَّ به الجائزةَ.
قال: والفيءُ حلالٌ للأغنياء (٢) .
وقال الشّافِعيُّ: يُقْسَمُ الخُمُسُ على خمسةِ أسهُم (٣) . وهُو قولُ الثَّوريِّ وجماعةٍ، قالوا: سهمُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من الخُمُسِ، خُمُسُ الخُمُسِ، وما بَقِي للطَّبقاتِ الذين سمّاهُمُ الله، وسَهْمُ ذي القُربى عندَهُم باقٍ لقَرابةِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ (٤) : يُقسَمُ الخُمُسُ على ثلاثةِ أسْهُم: للفُقراءِ، والمساكينِ، وابنِ السَّبيلِ، وأسْقَطُوا سهمَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وسهمَ ذي القُربى بعدَهُ. وزعمُوا أنَّ سهمَ ذي القُربى كان لإدخالِ السُّرُورِ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَياتِهِ وقَرابَتِهِ، لأنَّهُ مُضمَّنٌ فيه، فلمّا ماتَ ارتفَعَ سهمُهُ، وسهمُ قَرابتِهِ. واحتجُّوا باتِّفاقِ الخُلفاءِ الرّاشِدين الأربعةِ، على مَنْع قَرابةِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
- ج ٨ ص ٤٩٤
كذا ذكرُوا، قالوا: وما كانوا مع فَضْلِهِم وتُقاهُم، ليَمْنعُوا أحدًا حَظًّا وجَبَ لهُ، فكيفَ وقد قاتَلُوا العربَ فيما وجَبَ للمساكينِ من الزِّكَواتِ، إلى أشياءَ من فضائلِهِم وقيامِهِم بالحقِّ لا يُحصى، فكيفَ يمنعُونَ ذوي القُربَى؟
قال أبو عُمرَ: أمّا ما ذَكرُوا من فَضْلِهِم وقيامِهِم بالحقِّ، فصِدقٌ، وأمّا منعُهُم سهمَ ذي القُربَى، فباطِلٌ، وقد بيَّنّا ذلك في حديثِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، من هذا الكِتابِ.
وقال محمدُ بن جَرير (١) : يُقسَمُ الخُمُسُ على أربعةِ أسهُم، لأنَّ سهمَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مردُودٌ على من سمِّيَ مَعهُ في الآيةِ، قياسًا على ما أجمَعُوا عليه، فيمَنْ عُدِمَ من أهلِ سُهمانِ الصَّدقة (٢) .
قال أبو عُمرَ: للكلام في قَسْم الخُمُسِ، وإيرادِ ما للعُلماءِ في ذلك من الأقْوالِ، مَوْضِعٌ غيرُ هذا، والقولُ فيه يطُولُ، وإنَّما ذكَرْنا منهُ هاهُنا طرفًا دالًّا على حُكم الخُمُسِ، وحُكم خُمُسِ الخُمُسِ، لِما جَرَى في الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ، من أنَّ النَّفلَ فيه كان من خُمُسِ الخُمُسِ، أو من جُملةِ الخُمُسِ، أو من رأسِ الغَنيمةِ، على ما ذكَرْنا (٣) مِنِ اختِلافِهِم في ذلك، فبيَّنّا وجه الخُمُسِ وخُمُسهُ، وسَنذكُرُ أحكامَهُ، وما للعُلماءِ في ذلكَ من الأقوالِ، ووُجُوهِ الاحتِجاج في ذلك، والاعتِلالِ في بابِ (٤) عبد ربِّهِ (٥) بن سعيدٍ، إن شاءَ الله.
- ج ٨ ص ٤٩٥
حديثُ خامِس عشَرَ لنافِع، عن ابنِ عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الشِّغارِ.
-
هكذا رواهُ جُملةُ أصحابِ مالك (٢) ، وقال فيه ابنُ وَهْب، عن مالك (٣) ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -: نَهَى عن نِكاح الشِّغار (٤) .
-
وكلُّهُم ذكَرَ عن مالكٍ في تفسيرِ الشِّغارِ: أنَّهُ الرَّجُلُ يُزوِّجُ ابنتهُ، أو وَليَّتهُ من رجُلٍ، على أن يُزوِّجَ ذلك الرَّجُلُ منهُ ابنتهُ أيضًا، أو وليَّتهُ، ويكونُ بُضعُ كلِّ واحدةٍ منهُما، صَداقًا للأُخرى، دُون صداقٍ.
-
وهذا ما لا خِلافَ بينِ العُلماءِ فيه، أَنَّهُ الشِّغارُ المَنْهيُّ عنهُ في هذا الحديثِ.
-
وللشِّغارِ في اللُّغةِ معنًى لا مدخَلَ لهُ هاهُنا، وذلكَ أَنَّهُ مأخُوذٌ عندَهُم من: شغَرَ الكلبُ، إذا رفعَ رِجلهُ للبولِ، وذلكَ زعمُوا لا يكونُ منهُ إلّا بعدَ مُفارقةِ
ج ٨ ص ٤٩٦حالِ الصِّغَرِ، إلى حالٍ يُمكِنُ فيها طَلبُ الوُثُوبِ على الأُنثَى للنَّسلِ، وهُو عِندُهُم للكَلبِ إذا فعَلَهُ، علامةُ بُلُوغِهِ إلى حالِ الاحْتِلام من الرِّجالِ، ولا يرفَعُ رِجلهُ للبَوْلِ، إلّا وهُو قد بلغَ ذلك المبلغ، يُقالُ منهُ: شغَرَ الكلبُ يشغَرُ شغرًا، إذا رفعَ رِجلهُ فبالَ، أو لم يُبُل، ويُقالُ: شغَرتُ بالمرأةِ أشْغَرُها شغرًا، إذا رفعتَ رِجْلَيها للنِّكاح، فهذا معنى الشِّغارِ في اللُّغةِ.
-
وأمّا معناهُ في الشَّريعةِ، فأن يُنكِحَ الرَّجُلُ رجُلًا وليَّتهُ، على أن يُنكِحهُ الآخرُ وليَّتهُ بلا صَداقٍ بينهُما، على ما قالهُ مالكٌ وجماعةُ الفُقهاءِ، وكذلك ذكَرهُ الخليلُ في كِتابِهِ (١) أيضًا.
-
وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ نِكاح الشِّغارِ مَكْرُوهٌ لا يجُوزُ، واختلفُوا فيه إذا وقَعَ، هل يصِحُّ بمَهرِ المِثلِ أم لا.
فقال مالكٌ: لا يصِحُّ النِّكاحُ في الشِّغارِ، دخَلَ بها أو لم يدخُل، ويُفسَخُ أبدًا. وكذلكَ لو قال: أُزوِّجُكَ ابنتي، على أن تُزوِّجني ابنتكَ بمئةِ دينارٍ، ولا خيرَ في ذلك (٢) .
قال ابنُ القاسم: لا يُفسَخُ النِّكاحُ في هذا إن دخَلَ، ويثبُتُ بمَهْرِ المِثلِ، ويُفسَخُ في الأوَّلِ، دخَلَ أو لم يدخُل، على ما قال مالكٌ (٣) .
وقال الشّافِعيُّ (٤) : إذا لم يُسمِّ لواحدةٍ منهُما مَهْرًا، وشرَطَ أن يُزوِّجهُ ابنَتهُ، على أن يُزوِّجهُ الآخَرُ ابنتَهُ، وهُو يَلي أمرَها، على أنَّ صداقَ كلِّ واحدةٍ منهُما، بُضْعُ الأُخرى، ولم يُسمِّ صَداقًا، فهذا الشِّغارُ، ولا يصِحُّ ويُفسَخُ. قال: ولو سُمِّي
ج ٨ ص ٤٩٧لإحداهُما، أو لهما صَداقًا، فالنِّكاحُ ثابِتٌ بمَهرِ المِثلِ، والمَهرُ فاسِدٌ، ولكلِّ واحدةٍ منهُما مَهرُ مِثلِها، إن كان دخلَ بها، ويصفُ مَهرِ مِثلِها، إن كان طلاقُها قبل الدُّخُولِ.
وقال أبو حَنيفةَ: إذا قالَ: أُزوِّجُكَ ابنتي، أو أُختي، على أن تُزوِّجني ابنتكَ، فتكونُ كلُّ واحدةٍ منهُما مهرَ الأُخرى، فهُو الشِّغارُ، ويصِحُّ النِّكاحُ بمَهرِ المِثل (١) .
-
وهُو قولُ اللَّيثِ بن سعدٍ، وبه قال الطَّبريُّ.
قال أبو عُمرَ: حُجَّةُ من قال هذا القولَ: أنَّ الشَّريعةَ قد نهَتْ عن صَداقِ الخَمْرِ، والخِنزيرِ، والغَررِ، والمجهُولِ، والنِّكاحُ في ذلك كلِّهِ يَصِحُّ بمهرِ المِثْلِ، والأصلُ عندَهُم: أنَّ التَّزويج مُضمَّنٌ بنَفسِهِ، لا ببدَلِه (٢) ، وليسَ بمُفتقِرٍ في العَقْدِ إلى الصَّداقِ، لأنَّ القُرآن قد ورَدَ بجوازِ العَقْدِ في النِّكاح، دُون صَداق، بقولِهِ: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: ٢٣٦] يُريدُ ما لم تمسُّوهُنَّ، وما لم تَفرِضُوا لهنَّ فَرِيضةً، يعني صداقًا، فسمّاهُ نِكاحًا، وجعلَ فيه الطَّلاق، ولم يكُن فيه ذِكرُ صَدَاقٍ.
-
وحُجَّةُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، ومن أبطَلَ نِكاح الشِّغارِ، لأنَّهُ نِكاحٌ طابَقَ النَّهْيَ ففسَدَ، امتِثالًا لنَهْيِهِ - صلى الله عليه وسلم -، لقولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: ٧] وقال - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ عَملٍ ليسَ عليه أمرُنا، فهُو رَدٌّ" (٣) . يعني مردُودًا.
- ج ٨ ص ٤٩٨
حديثٌ سادِس عشَر لنافِع، عن ابنِ عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ، حمَلَ على فَرَسٍ في سَبيلِ الله، فوجَدَهُ يُباعُ، فأرادَ أن يبتاعَهُ، فسألَ ردُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلكَ، فقال: "لا تَبْتعهُ، ولا تَعُد في صَدَقتِكَ" .
-
هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ عُمر. فهُو في رِوايتِهِ من مُسندِ ابنِ عُمرَ؛ كذلك هُو عندَ جُمهُورِ رُواةِ "المُوطَّأ" (٢) إلّا مَعْنَ بن عيسَى، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن عُمرَ: أنَّهُ حمَلَ على فَرَسٍ، فذكَرَ الحديث (٣) ، جعلَهُ من مُسندِ عُمرَ، وكذلك رواهُ ابنُ نُميرٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ (٤) . بمِثلِ رِوايةِ مَعْنٍ.
-
ورواهُ القَطّانُ (٥) ، وعليُّ بن عاصِم، عن عُبيدِ الله، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ عُمرَ. كما في "المُوطَّآتِ" . وكذلك رواهُ الزُّهريُّ (٦) ، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ،
ج ٨ ص ٤٩٩أنَّ عُمرَ (١) . كما في "المُوطَّأ" عندَ جُمهُورِ رُواتهِ (٢) غير مَعْنٍ.
-
ورَوَى هذا الحديثَ يحيى بن سعيدٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ. فقال فيه: "لا تَشْترِهِ، ولا شيئًا من نِتاجِهِ، ولا تَعُدْ في صَدَقتِكَ" (٣) .
-
وذكر مالكٌ (٤) ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر، أنَّهُ كان إذا (٥) أعْطَى شيئًا في سَبيلِ الله، يقولُ لصاحِبِهِ: إذا بلغتَ وادي القُرَى، فشأنُكَ به.
-
وعن يحيى بن سعيدٍ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّهُ كان يقولُ: إذا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الشَّيءَ في الغَزْوِ، فبلَغَ به رأسَ مَغْزاتِهِ، فهُو لهُ (٦) .
-
واختلَفَ الفُقهاءُ في هذا المعنى.
-
فكان مالكٌ يقولُ: إذا أُعطِيَ فرسًا في سبيلِ الله، فقيلَ لهُ: هُو لكَ في سبيلِ الله، فلهُ أن يَبِيعهُ، وإن قيل لهُ: هُو في سبيلِ الله، رَكِبهُ وردَّهُ (٧) .
-
وذكَرَ ابنُ القاسم، عن مالكٍ، قال: وقال مالكٌ: من حُمِلَ على فرسٍ في سبيلِ الله، فلا أرَى لهُ أن ينتفِعَ بشيءٍ من ثَمنِهِ، في غيرِ سبيلِ الله، إلّا أن يُقال لهُ: شأنُكَ به، فافعل فيه ما أردتَ، فإن قيلَ لهُ ذلك، فأراهُ مالًا من مالِهِ، يَعْملُ به في غَزْوِهِ إذا هُو بلَغهُ، ما يعملُ (٨) في مالِهِ (٩) .
ج ٨ ص ٥٠٠قال: وكذلكَ لو أُعطِيَ ذَهَبًا، أو ورِقًا في سبيلِ الله.
-
ومذهَبُ مالكٍ فيمَنْ أُعطِيَ مالًا يُنفِقُهُ في سَبيلِ الله، أنَّهُ يُنفِقُهُ في الغزوِ، فإن فَضَلت منهُ فَضْلةٌ بعد ما مرَّ غَزوُهُ، لم يأخُذها لنَفسِهِ وأعطاها في سبيلِ الله، أو ردَّها إلى صاحِبِها.
-
وخالَفَ في ذلك ما رُوِيَ عن ابنِ عُمرَ (١) وسعيدِ بن المُسيِّب (٢) .
وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: من أُعطِيَ فرسًا في سبيلِ الله، لم يبِعهُ حتَّى يبلغَ مَغْزاهُ، ثُمَّ يصنعُ به ما شاءَ، إلّا أن يكونَ حَبْسًا، فلا يُباعُ (٣) .
وقال الشّافِعيُّ: الفَرسُ المحمُولُ عليها في سبيلِ الله، هي لمن يُحمَلُ عليها (٤) .
وقال عُبيدُ الله بن الحسنِ: إذا قال: هُو لكَ في سبيلِ الله، فرجعَ به، ردَّهُ حتَّى يجعلهُ في سَبيلِ الله (٥) .
-
ومذهَبُ أصحابِ أبي حنيفةَ: أنَّ ما أُعطِيَ في سبيلِ الله تمليكٌ، ولا يعتبِرُونَ في الفرسِ بُلُوغَ المغزى، لأنَّهُ قد ملَّكهُ في الحالِ على أن يغزُو به، فالمِلْكُ عندَهُم في ذلك صحيحٌ، يتَصرَّفُ فيه مالكُهُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ.
قالوا: ولو قال: إذا بلغتَ مغزاكَ فهُو لكَ، كان تمليكًا على مُخاطرةٍ، ولا يجُوزُ (٦) .
- ج ٨ ص ٥٠١
وقد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ زيدِ بن أسلم، من كِتابِنا هذا، بأتمَّ وأبسطَ من ذِكرِهِ هاهُنا.
-
وأمّا قولُهُ: فسألَ عن ذلكَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. ففيه دليلٌ على ما كانوا عليه من البَحْثِ عن العِلم، والسُّؤالِ عنهُ، وبُعِثَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مُعلِّمًا، وكانوا يسألُونهُ، لأنَّهُم كانوا خيرَ أُمَّةٍ، كما قال الله عزَّ وجلَّ (١) ، فالواجِبُ على المُسلِم، مُجالَسةُ العُلماءِ إذا أمكنهُ، والسُّؤالُ عن دينِهِ جُهدَهُ، فإنَّهُ لا عُذرَ لهُ في جَهْلِ ما لا يَسَعُهُ جَهْلُهُ، وجُملةُ القول: أن لا سُؤدَدَ، ولا خيرَ مع الجَهْل.
- ج ٨ ص ٥٠٢
حديثٌ سابع عشَرَ لنافِع، عن ابنِ عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سابَقَ بين الخيلِ التي قد أُضْمِرَتْ (٢) من الحَفْياءِ، وكان أمَدُها ثنيَّةَ الوَداع (٣) ، وسابَقَ بين الخيلِ التي لم تُضَمَّرْ من الثَّنيَّةِ إلى مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ، وإنَّ عبد الله بن عُمرَ كان مِمَّن سابَقَ بها.
-
هكذا رواهُ جماعةُ أصحابِ "الموطَّأ" عن مالكٍ، لم يختلِفُوا عليه في إسنادِه (٤) ، واختلفُوا عنهُ في بعضِ ألفاظِهِ، فكان ابنُ بُكيرٍ يقولُ: سابَقَ بين الخيلِ التي لم تُضمَّر، من الثَّنيَّةِ التي عندَ مَسْجِدِ بني زُريقٍ. وخالَفهُ جُمهُورُ الرُّواةِ، منهُم:
ج ٨ ص ٥٠٣ابنُ القاسم (١) ، والقَعْنبيُّ (٢) ، وابنُ وَهْب (٣) ، فرَوَوا كما رَوَى يحيى: منِ الثَّنيَّةِ، إلى مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ.