مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ٥٠ من ٧٩
- ج ٩ ص ٣٨٨
واختلفُوا في المُحرِم يَعصِبُ رأسَهُ وجَسَدَهُ عن ضرُورةٍ.
فقال مالكٌ: لا يفعلُ ذلك أحدٌ إلّا من ضرُورةٍ، فإن فعلَ ذلك من غيرِ ضرُورةٍ، فعليه الفِديةُ، وسواءٌ عندَهُ في ذلك الرَّأسُ والجسدُ.
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إن عصَبَ رأسَهُ يومًا إلى اللَّيلِ، فعليه صَدَقةٌ، وإن عصَبَ بعضَ جَسدِهِ، فلا شيءَ عليه (٦) .
ج ٩ ص ٣٨٩وقال الشّافِعيُّ (١) : من عصَبَ رأسهُ، فعليه الفِدْيةُ. وكذلك إذا شدَّ السَّيرَ على رأسِهِ، وحملَ خُرْجَهُ (٢) على رأسِهِ.
قال: ولا بأسَ أن يضَعَ يدَهُ على رأسِهِ.
وقال مالكٌ (٣) : لا بأسَ أن يحمِلَ المُحرِمُ خُرْجَهُ وجِرابَهُ على رأسِهِ، إذا كان فيه زادُهُ، واحتاجَ إلى ذلكَ، أُرْخِصَ (٤) له في ذلك (٥) ، كما أُرْخِصُ لهُ في حَمْلِ مِنْطقةِ نَفسِهِ. قال: وأمّا لو تطوَّع بحَملِهِ، أو آجَرَ نفسَهُ على ذلك، لكان عليه الفِدْيةُ. قال: والأطباقُ، والغَرائرُ، والأخرِجةُ، في ذلك سواءٌ.
-
وجُملةُ قولِ مالكٍ: أنَّهُ سواءٌ في المُحرِم لبِسَ ناسيًا، أو عامِدًا، أو تطيَّبَ، أو حلَقَ، ناسيًا أو عامِدًا، لضرُورةٍ أو غيرِ ضرُورةٍ، عليه في ذلك كلِّهِ الكفّارةُ، وهُو مُخيَّرٌ فيها، إن شاءَ صامَ ثلاثةَ أيام، وإن شاءَ أطعمَ سِتَّةَ مساكينَ، مُدَّينِ مُدَّينِ لكلِّ مِسْكينٍ، وإن شاءَ ذبحَ شاةً.
قال مالكٌ (٦) : وإنَّما يكونُ الصِّيامُ والطَّعامُ مكان الهدي في فِدْيةِ الأذى وجزاءِ (٧) الصَّيدِ، لا غيرُ. قال: وأمّا دَمُ المُتعةِ، أوِ الهديُ الواجِبُ على من عجَزَ عن المشيِ، أو وطِئَ أهْلَهُ، أو فاتَهُ الحجُّ، أو رَجُلٍ تركَ شيئًا من الحجِّ، فجَبَرهُ
ج ٩ ص ٣٩٠بالدَّم، أيَّ شيءٍ كان المترُوكُ من حَجِّهِ، فإنَّ (١) هذا كلَّهُ إذًا لم يجِدِ الهَدْيَ فيه من وجَبَ عليه، صامَ فقط، وليسَ في شيءٍ من ذلك إطعامٌ.
قال ابنُ القاسم (٢) : والصَّومُ في هذا كلِّهِ، كصوم المُتمتِّع: ثلاثةُ أيام في الحجِّ، وسَبْعةٌ إذا رجعَ، هذا كلُّهُ إذا لم يجِدِ الهَدْيَ.
وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما: كلُّ من لبِسَ عامِدًا، أو تطيَّبَ عامِدًا، فليسَ بمُخيَّرٍ في الكفّارةِ، وإنَّما عليه الدَّمُ لا غيرُ (٣) .
قالوا: فإن كان ذلك من ضرُورةٍ، فهُو مُخيَّرٌ. على حسَبِ ما تقدَّم عن مالكٍ: إن شاءَ صام، وإن شاءَ نَسَكَ بشاةٍ، وإن شاءَ أطعمَ سِتّةَ مساكإن مُدَّين مُدَّينِ، على حديثِ كعبِ بن عُجْرةَ (٤) .
-
وللشّافِعيِّ فيمَنْ لبِسَ، أو تطيَّبَ ناسيًا قولانِ، أحدُهُما: لا فِدْيةَ عليه. والآخَرُ: عليه الفِدْيةُ.
وقال أبو حَنِيفةَ، والثَّوريُّ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ: النّاسي والعامِدُ في وُجُوبِ الفِدْيةِ سَواءٌ.
وقال داودُ: لا فِدْيةَ عليه إن لبِسَ من ضرُورةٍ، وإنَّما عليه الفِدْيةُ إن لبِسَ عامِدًا، وإن حلَقَ رأسَهُ لضرُورةٍ فعليه الفِدْيةُ، وإن حلَقَ شعرَ جَسدِهِ، فلا فِدْيةَ عليه لضرُورةٍ، ولا لغيرِ ضرُورة.
ج ٩ ص ٣٩١قال أبو عُمر: من لم يرَ على اللّابِسِ النّاسي والجاهِلِ شيئًا، اسْتَدلَّ بحديثِ يعلَى بن أُميَّةَ، في الأعْرابيِّ الذي أحرمَ وعليه جُبَّةٌ وصُفْرةُ خلُوقٍ، فأمَرهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بنَزْع الجُبَّةِ، وغَسْلِ الخَلُوقِ، ولم يأمُرهُ بفِديةٍ.
-
وقد ذكَرْنا هذا الخبَرَ وأحكامَهُ، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، من كِتابِنا هذا.
-
ومن أوجَبَ الفِدْيةَ على النّاسي وغيرِهِ، فحُجَّتُهُ: أنَّ الفِدْيةَ إنَّما وَرَدت فيمَنْ فعَلَها من ضرُورةٍ.
-
وذلك محفُوظٌ في قِصَّةِ كَعْبِ بن عُجْرةَ، فالضَّرُورةُ، وغيرُ الضَّرُورةِ، والنِّسيانُ وغيرُهُ، في ذلك سواءٌ؛ لأنَّهُ إذا وجبَتْ على من فعَلَ ذلك من ضرُورةٍ، فأحْرَى أن تجِبَ على من فعلَ ذلك من غيرِ ضَرُورةٍ، والنّاسي قياسٌ على المُضطرِّ، والعامِدُ أحْرَى بذلك وأوْلَى.
- واختلفُوا فيمَنْ لبِسَ، أو تطيَّب في مَواطِنَ:
-
فقال مالكٌ (١) : إن لبِسَ القميصَ والسَّراويلَ والعِمامةَ والقَلَنسُوةَ، وما أشبَهَ ذلك من الثِّياب في فَوْرٍ واحدٍ، وكانت حاجتُهُ إلى ذلكَ كلِّهِ في فَوْرٍ واحدٍ، فعليه كفّارةٌ واحدةٌ وكذلك إن تطيَّبَ مِرارًا في مَوْطِنٍ واحدٍ، وفَوْرٍ واحدٍ، فعليه فِدْيةٌ واحدةٌ، وإن كان ذلك في أحْوالٍ مختلِفةٍ، فعليه لكلِّ مرَّةٍ فِدْيةٌ.
-
وبه قال أبو حَنِيفةَ، والثَّوريُّ، واللَّيْثُ، وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ.
-
وقال محمدُ بن الحسنِ، والأوزاعيُّ، وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ أيضًا: ليسَ عليه إلّا كفّارةٌ واحدةٌ، ما لم يُكفِّر، فإن كفَّر، ثُمَّ صنَعَ شيئًا من ذلك، فعليه كفّارةٌ أُخرى.
-
وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّهُ عليه في كلِّ ما يَلْبسُ أو يتطيَّبُ فِدْيةٌ بعدَ فِدْيةٍ أبدًا.
- ج ٩ ص ٣٩٢
وأمّا الثَّوبُ المصبُوغُ بالوَرْسِ والزَّعفرانِ، فلا خِلافَ بين العُلماءِ أنَّ لِباسَ ذلك لا يجُوزُ للمُحرِم، على ما جاءَ في حديثِ ابن عُمرَ هذا، فإن غسَلَ ذلك الثَّوب حتّى يذهَبَ ريحُ الزَّعفَرانِ منهُ، وخرج عنهُ، فلا بأسَ به عندَ جميعِهِم أيضًا.
-
وكان مالكٌ فيما ذَكَر ابنُ القاسم عنهُ: يَكْرهُ الثَّوبَ الغَسِيلَ من الزَّعفَرانِ والوَرْسِ إذا بَقِيَ فيه من لونِهِ شيءٌ. وقال: لا يَلْبسُهُ المُحرِمُ، وإن غَسَلهُ إذا بَقِيَ فيه شيءٌ من لَوْنِهِ، إلّا أن لا يجِدَ غيرَهُ، فإن لم يَجِد غيرَهُ، صَبَغهُ بالمِشْقِ (١) وأحرَمَ فيه (٢) .
-
وقد رَوَى يحيى بن عبدِ الحَميدِ، عن أبي مُعاويةَ، عن عُبيدِ الله، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديثَ، فقال فيه: "ولا تَلْبسُوا ثوبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، أو زعفَرانٌ، إلّا أن يكونَ غَسِيلًا" (٣) .
وقال الطَّحاويُّ (٤) عن ابن أبي عِمران: رأيتُ يحيى بنَ مَعينٍ وهُو يتعجَّبُ من الحِمّانيِّ كيف يُحدِّثُ بهذا الحديثِ، فقال لهُ عبدُ الرَّحمن بن مهديٍّ: هذا عِندي، ثُمَّ وثبَ في فورِهِ، فجاءَ بأصلِهِ، فأخرجَ منهُ هذا الحديث، عن أبي مُعاويةَ، كما قال الحِمّانيُّ.
-
والوَرْسُ: نباتٌ يكونُ باليمَنِ كَشِبْهِ العُصْفُرَ صِبْغُهُ ما بينَ الصُّفرةِ والحُمْرةِ، ورائحتُهُ طيِّبةٌ.
- ج ٩ ص ٣٩٣
واختلفُوا في العُصْفُرِ، فجُملةُ مذهب مالكٍ، وأصحابِه (١) : أنَّ العُصْفُرَ ليسَ بطيبٍ. ويكرهُونَ للحاجِّ استِعمالَ الثَّوبِ الذي ينتفِضُ (٢) في جِلْدِهِ، فإن فعلَ فقد أسَاءَ، ولا فِدْيةَ عليه عندَهُم.
-
وهُو قولُ الشّافِعيِّ (٣) .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ والثَّوريُّ: والعُصْفُرُ طيبٌ، وفيه الفِدْيةُ على من استعملَ شيئًا منهُ في اللِّباسِ وغيرِهِ، إذا اسْتَعملهُ وهُو مُحرِم (٤) .
-
فهذه جُمَلُ ما في هذا الحديثِ من الأحْكام، والحمدُ لله على (٥) عَوْنِهِ، لا شَريكَ لهُ (٦) .
- ج ٩ ص ٣٩٤
حديثٌ تاسِعُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ تَلْبيةَ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك" .
قال: وكانَ عبدُ الله بن عُمرَ: يزيدُ فيها: لبَّيكَ لبَّيكَ، لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ بيدَيْكَ، والرَّغباءُ (٢) إليكَ والعمل.
-
يُقالُ: إنَّهُ (٣) لم يسمع أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ من مالكٍ غيرَ هذا الحديثِ.
-
حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ أحمدُ بن محمدِ بن عليٍّ الدِّينَوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ. وحدَّثنا خلَفٌ، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ محمدُ بن عبدِ الله القاضي، قال: حدَّثنا موسى بن هارُون الحمّالُ. قالا: حدَّثنا سُليمانُ بن داود أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: كانت تَلْبيةُ رسُول الله -صلي الله عليه وسلم-: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شَريكَ لك" (٤) .
-
هكذا رَوى هذا الحديثَ أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ، لم يذكُر زيادةَ ابن عُمرَ، وكلُّ من رَوى "المُوطَّأ" ذكَرَها فيه، وذكَرَها أيضًا جماعةٌ من غيرِ رُواةِ "المُوطَّأ" (٥) .
- ج ٩ ص ٣٩٥
حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، حدَّثنا عليُّ بن الحسَنْ بن علّانَ (١) ، قال: حدَّثنا أبو يعلى أحمدُ بن عليِّ بن المُثنَّى الموصِليُّ، قال (٢) : حدَّثنا أبو الرَّبيع الزَّهرانيُّ وعبدُ الأعلى بن حمّادٍ النَّرسيُّ. قال أبو الرَّبيع: حدَّثنا مالكٌ. وقال عبدُ الأعلى: قرأتُ على مالكِ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ تَلْبيةَ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك" . وزادَ عبدُ الأعلى: وكان ابنُ عُمرَ يزيدُ فيها: لبَّيكَ لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ في يَدَيْكَ، والرَّغباءُ إليكَ والعمل.
-
هكذا رواهُ جَماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ، وكذلكَ رواهُ أصحابُ نافع أيضًا. ورواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- مِثلَهُ سَواءً (٣) .
-
ورواهُ عُبيدُ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، مثلَهُ بمعناه (٤) .
- ج ٩ ص ٣٩٦
ورَوَى عبدُ الله بن مسعُود (١) ، وجابرُ بن عبدِ الله (٢) ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، مِثلَ حديثِ ابن عُمرَ هذا في تَلْبيتِهِ -صلى الله عليه وسلم- سَواءً، دُونَ زيادةِ ابن عُمرَ من قولِهِ. وفي حديثِ أبي هُريرةَ زيادةُ: "لبَّيكَ إلَهَ الحقِّ" (٣) .
-
ومن حديثِ عَمرِو بن مَعْدي كَرِب، قال: لقد رأيتُنا ونحنُ إذا حَجَجنا نقُولُ:
لبَّيك تعظيمًا إليكَ عُذرا
هذي زُبَيدٌ قد أتتكَ قَسْرا
تعدُو بها مُضمَّرات شُزْرا
يَقْطعن خَبْتًا (٤) وجِبالًا وُعْرا
قد خلَّفُوا الأوثانَ خِلْوًا صِفْرا (٥)
- ج ٩ ص ٣٩٧
ونحنُ نقُولُ اليومَ كما علَّمَنا رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-. فذكَرَ التَّلبيةَ على حسَبِ ما في حديثِ ابن عُمرَ (١) .
-
واختلَفتِ الرِّوايةُ في فَتْح "إنَّ" وكَسْرِها، في قولِهِ: "إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لك" ، وأهلُ العَربيَّةِ يختارُونَ في ذلكَ الكسر.
-
وأجمَعَ العُلماءُ على القولِ بهذه التَّلبيةِ، واختَلَفُوا في الزِّيادةِ فيها (٢) .
فقال مالكٌ: أكرهُ أن يزيدَ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-. وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ.
-
وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّهُ لا بأسَ أن يُزادَ فيها ما كان ابنُ عُمرَ يزيدُهُ في هذا الحديثِ.
وقال الشّافِعيُّ: لا أُحِبُّ أن يزيدَ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، إلّا أن يَرَى شيئًا يُعجِبُهُ، فيقولَ: لبَّيكَ إنَّ العيشَ عيشُ الآخِرةِ.
-
وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثَوْرٍ: لا بأسَ بالزِّيادةِ في التَّلبيةِ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، يزيدُ فيها ما شاءَ.
قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذهَبَ إلى هذا: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٥) :
ج ٩ ص ٣٩٨حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا جَعْفر، يعني ابنَ محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: أهلَّ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-، فذكَرَ التَّلبيةَ بمِثلِ حديثِ ابن عُمرَ.
قال: والنّاسُ يزيدُونَ: لبَّيك ذا المَعارِج، ونحوَهُ من الكلام، والنَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، يسمعُ، فلا يقولُ لهم شيئًا.
-
واحتجُّوا أيضًا بأنَّ ابنَ عُمرَ كان يزيدُ فيها ما ذكرَ مالكٌ وغيرُهُ، عن نافع في هذا الحديثِ.
-
وما رُوي عن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّهُ كان يقولُ بعدَ التَّلبيةِ: لبَّيكَ ذا النَّعماءِ والفَضْلِ الحسنِ، لبَّيكَ مرهُوبًا مِنكَ، ومرغُوبًا إليكَ (١) .
-
وعن أنَسِ بن مالكٍ: أنَّهُ كان يقولُ في تَلْبييهِ: لبَّيكَ حقًّا (٢) حقًّا، تعبُّدًا ورِقًّا (٣) .
-
ومن كرِهَ الزِّيادةَ في التَّلبيةِ، احتجَّ بأنَّ سَعْدَ بن أبي وقّاصٍ أنْكَرَ على من سَمِعهُ يزيدُ في التَّلبيةِ ما لم يَعْرِفْهُ، وقال: ما كُنّا نقُولُ هذا على عَهدِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-.
-
وحديثُ سَعْدٍ في ذلكَ، حدَّثناه عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بَكْرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن عَجْلانَ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن أبي سَلَمةَ: أنَّ سعدًا سمِعَ
ج ٩ ص ٣٩٩رجُلًا يقولُ: لبَّيكَ ذا المعارِج، فقال: إنَّهُ لذُو المعارِج ولكِنْ لم نَكُن نقُولُ هذا ونحنُ مع نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم- (١) .
قال أبو عُمر: من زادَ في التَّلبيةِ ما يجمُلُ ويحسُنُ من الذِّكرِ، فلا بأسَ، ومن اقتصَرَ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، فهُو أفْضَلُ عِندي، وكلُّ ذلكَ حَسَنٌ إن شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ.
-
وسَنذكُرُ ما للعُلماءِ في رَفْع الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، في بابِ عبدِ الله (٢) بن أبي بكرٍ من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.
-
ومعنى التَّلبيةِ: إجابَةُ الله فيما فرضَ عليهم من حَجِّ بَيتِهِ، والإقامةُ على طاعتِهِ، فالمُحرِمُ بتَلْبيتِهِ، مُستجيبٌ لدُعاءِ الله إيّاهُ في إيجابِ الحجِّ عليه.
-
ومن أجْلِ الاسْتِجابةِ -واللهُ أعلمُ- لُبِّيَ؛ لأنَّ (٣) من دُعِيَ، فقال: لبَّيكَ، فقدِ استجابَ.